الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

كيف طهّر القرآن المجتمع  
سورة النور   الآيات 1 - 20


ركّزت السورة على قضية العفاف والستر وصفاء المجتمع المسلم وتحصينه من أسباب الفاحشة وكيد المنافقين في نشرها (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) هذه سورة منزلة من الله أوجب على المسلمين العمل بأحكامها وأنزل فيها دلالات واضحات فتدبروها رجاء أن تتذكروا ما فيها من الحكم والأحكام فتعملوا بها، وما فيها من تحذير فتجتنبوه، وما فيها من أدب فتلتزموا به ليكون المجتمع نقياً طاهراً عفيفا، (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) بدأ هنا بالزانية وبدأ في سورة النساء بالسارق، فما الحكمة؟! السرقة تقبح بالرجل لأنها تنافي مكارم الأخلاق وفضائل الصفات، فالرجل يسعى لكسب المال من طريق شريف ولا يعمد إلى السرقة إلا إذا كان في طبعه انحراف وفي فكره لوثة، والزنا يقبح بالمرأة أكثر لأنها تُدخل في نسب زوجها ما ليس منه، ويلحقها العار أبد الدهر، من هنا كان بشعاً في حقها الزنا كما كانت السرقة أبشع في حق الرجل، وحقيقة الزنا إيلاج حشفة في فرج محرم شرعاً مشتهى طبعاً، والمراد هنا الزانية والزاني البكران اللذان لم يسبق لهما الزواج بعقد صحيح، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ردعاً لهما، ولا تأخذكم بهما رقة ورحمة بحيث تقيمون عليهما الحد ولا تخففونه عنهما، لأن الأصل في المؤمن أن يخضع خضوعاً كلياً لحكم الله، وليحضر إقامة الحد عليهما جمع من المؤمنين إمعاناً في التشهير بهما وردعاً لهما ولغيرهما، وأما الزاني المحصن وهو الذي سبق له الزواج بعقد صحيح فحده الرجم بالحجارة حتى الموت، ثبت ذلك في السنة المطهرّة فقال عليه الصلاة والسلام عندما نزلت الآية:"خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم"، على أن الفقهاء اختلفوا هل يجمع بين الجلد والرجم؟ فعلي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه جمع في حد أقامه بين الجلد والرجم، ورأى الجمهور أن الحدود تتداخل والحد الأكبر يدخل فيه الأصغر، فالرجم أكبر من الجلد، فمن رجم أو رجمت فلا يجلد، وأما التغريب فمحل نظر العلماء لهم فيه تفاصيل موضعها آيات الأحكام، وإنما أشير هنا إشارات فمن أراد الزيادة فليرجع إلى كتب الفروع، المهم أن الحد الثابت للبكر الجلد وللثيب الرجم، والجلد مع الرجم محل خلاف، ووجود الجماعة من الناس بمرأى ممن يقام عليه الحد فيه ردع شديد وتأديب اجتماعي لا يقدّر قدره (الزَّانِي لا يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) لتحقير شأن الزنا وتقبيحه في أعين الناس، ذكر الله أن الذي اعتاده لا يرغب في الزواج إلا من زانية مثله أو مشركة أخس منه، لأنها لا تتوقى الزنا مع عدم جواز نكاحها، والتي اعتادت الزنا لا ترغب في الزواج إلا من زانٍ مثلها أو مشرك أخس لأنه لا يتوقاها، وحرّم نكاح الزانية وإنكاح الزاني على المؤمنين، هذا الكلام يحتاج إلى تفصيل فالجملة الأولى ظاهرها أنها خبر، ويحتمل أن يكون إنشاءً، فإن قلنا إنها إنشاء فإنه يحرم على العفيف أن يتزوج زانية، ويحرم على ولي العفيفة أن يزوجها إلى زانٍ لأن الزنا حرام، وهذا من باب تطهير المجتمع من الأخلاق الذميمة والصفات السيئة، وعلى هذا فهل يحرم تزويج الزانية بالعفيف؟ كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله:(وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإيمائكم..الآية) ويجوز أن يستشهد له بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده"، ومعلوم أن البيضة والحبل لا يساوي نصاباً، فالقطع لا يجب إلا في سرقة نصاب، ومهما يكن فالنص محتمل أردت أن أسلط الضوء عليه وأدعو الباحثين للنظر فيه واستلهام العبر منه، (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ*إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ولما كان الإتهام بالزنا يجرح الشرف ويسيء إلى الفرد والمجتمع ناسب أن يرتّب عليه عقوبةً تردع الناس عن أن يتطاولوا على بعضهم ويتهم بعضهم بالزنا، فقال الذين يرمون المحصنات أي الأنفس المحصنة ويكون ذلك بالعفاف وبالزواج وبالحرية وبطهارة الذيل، فإذا تطاول إنسان واتهم إنساناً ظاهر العفاف كان المتهم رجلاً أو إمرأة، والمتهِم كذلك فلابد أن يأتي بدليل حسي يثبت التهمة، وهو في الشرع شهادة أربع رجال يشهدون أنهم رأوه يدخل هذا منه في هذا منها، ويصفون العملية وصفاً دقيقاً، فإن اتفق الشهود الأربعة حد المتهم حد الزنا مائة جلدة، فإن تخلّف أحدهم حد الباقون ثمانين جلدة وسحبت عدالتهم فلا تقبل شهادتهم، وحكم عليهم بالفسق وهو الخروج عن طاعة الله، ولا تعود إليه العدالة إلا إذا أكذب نفسه بعد أن يقام عليه حد القذف، ثم استثنى فقال إلا الذين تابوا إلى الله بعد الذي أقدموا عليه من ذلك وأصلحوا أعمالهم فإن الله يقبل توبتهم وشهادتهم لأنه غفور لمن تاب من عباده رحيم بهم. ولما كانت الزوجة أقرب الناس إلى زوجها وكان اتهامها بالزنا يلحق الضرر بزوجها وعائلته وعائلتها ويؤدي إلى نفي الولد، ناسب أن يستر على المسلمين فأذن للزوج الذي رمى زوجته وليس له شاهد غير نفسه يشهد معه على ما رماها به (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) يشهد الواحد أعني الزوج أربع شهادات بالله الذي لا إله إلا هو أنه من الصادقين فيما رمى به زوجته من الزنا، ويجوز له في هذه الحالة أن يذكر اسم الزاني بها تصريحاً أو تلميحاً، فإذا تمت الشاهدات الأربعة أوقفه الحاكم وأخبره أن تلك يعني الخامسة موجبة، فإن أصرّ قال:(وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) يعني فيما اتهم به المرأة من الزنا، وبهذا يثبت على المرأة الزنا، وكما ثبت عليها بالشهادة يدفع عنها بالشهادة، وهذه عدالة الله (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ*وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ثبت الحد على المرأة فتستحق أن تحَد حد الزنا ويدفع عنها هذا الحد أن تشهد هي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما اتهمها به من الزنا، وتوقف وتهدد وتخوف فإن أصرت تقول في شهادتها الخامسة الدعاء على نفسها بغضب الله عليها إن كان زوجها صادقاً فيما رماها به من الزنا، قال تعالى:(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) لولا تفضل الله عليكم أيها الناس ورحمته بكم وأنه تواب على من تاب من عباده حكيم في تدبيره وشرعه لعاجلكم بالعقوبة ولفضحكم على رؤوس الأشهاد، ومن فوائد الآيات:

  • 1- التمهيد للحديث عن الأمور العظام بما يؤذن بعظمتها.
  • 2- الزنا يفقد الإحترام والرحمة في المجتمع.
  • 3- الحصار الإجتماعي على الزناة وسيلة لتحصين المجتمع منهم ووسيلة لردعهم عن الزنا.
  • 4- تنويع عقوبة القاذف إلى عقوبة مادية الحد، ومعنوية رد شهادته والحكم عليه بالفسق، دليل على خطورة هذا الفعل.
  • 5- لا يثبت الزنا إلا ببينة، وادعاؤه دونها قذف.

كان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج إلى غزوة أن يصطحب معه إحدى زوجاته، يختارها بالقرعة، وحدث في غزوة المريسيع أن خرج سهم عائشة لتصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل المدينة ليلاً، فربما بات على مشارفها ليدخلها مع ساعات الصباح الأولى، فاستراح في الطريق قريباً من المدينة، ونزلت عائشة لتقضي حاجتها، ولما رجعت إلى الهودج فقدت عقداً من خرز سقط منها في أثناء طريقها، فرجعت تبحث عنه، وفي أثناء غيابها جاء الموكلون بحمل الهودج فحملوه على الجمل لم يدروا أفيه عائشة أم خالٍ، وسار القوم ويبدو أنها تأخرت بعض الشيء حتى مضى القوم، عادت فلم تجد أحداً، الكل مضى ما تصنع أتنادي من يسمعها!! والليل في آخره، جلست في مكان هودجها وتلفحت في ثيابها، وكان من عادة القوم أن يكون في آخر القافلة رجل يتفقد المكان بعد ذهاب القافلة، هو صفوان ابن المعطّل، مر فرأى عائشة لأنه كان يعرفها قبل نزول آيات الحجاب، فقال من؟ ظعينة رسول الله؟ وهذا من أدب الرجل مع زوجة رسول الله، لم ينادها باسمها واكتفى بهذه الكلمات إحتراماً لها وإجلالاً، قال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم أدنى لها الحصان ويسر لها ما تعلو به على الحصان، فأركبها على الحصان ومشى يقوده حتى دخل المدينة مع ساعات الصباح الأولى، رأى المنافقون عائشة على الحصان وصفوان يقودها فبدأت الألسنة تتحرك يمنة ويسرة، وروّج للكلام السيء شيخ المنافقين وزعيمهم عبد الله ابن أبيّ ابن سلول وبعض من أحسن الظن به فتابعه على خفاء من حاله، ومضت الأيام لم تدر عائشة ما حصل لأنها ما إن رجعت إلى المدينة حتى مرضت، لكنها أحسّت أن ثمة أمراً ما يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث معها بجفاء، لكنها لم تعر بالاً له حسن ظن منها، ربما هو مشغول أو ثمة أمر يهمه إلى أن كان ذات يوم بينما كانت تسير مع قريبة لها تخدمها، إذ عثرت القريبة فقالت تعس فلان لابنها، قالت لماذا تسبينه رجل من المهاجرين، قالت لا تدري يا عائشة ما صنع، وقصّت عليها القصة إذ كان هذا أحد اللذين ينشرون خبر عائشة في المجتمع. رجعت عائشة إلى البيت فطلبت من رسول الله أن تمرّض في بيت أمها فأذن لها، وكان يدخل عليها كل يوم ليسأل كيف حال تيكم، إلى أن كان يوم واجه النبي صلى الله عليه وسلم فيه عائشة بالسؤال، فقالت لو قلت لكم شيئاً لن تصدقوني فخير لي أن أقول ما قال العبد الصالح نسيت اسمه فقالت أبو يوسف (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله )وواجهها أبواها فلم تجب وبكت مدةً طويلة، كانت ترجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يطمئن قلبه ويصرف وساوسه، وما أملت ولو للحظة أن ينزل فيها قرآن يتلى، وفي الأثناء أخذ رسول الله ما يأخذه حين ينزل عليه القرآن، فلما سريّ عنه قال أبشري يا عائشة بخير يوم مر عليك، وتلا عليها الآيات، فقال أبواها قومي فاشكري رسول الله قالت والله لا أشكر إلا الله، ونزلت هذه الآيات من سورة النور مليئة بالحكم والأحكام عبرة لمن يعتبر فقال:(إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) بدأ البيان بجملة مؤكدة ب"إن" والإفك هو الكذب الصريح الذي لا ما يدل عليه والمراد به هنا إتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة، قال عصبة أي جماعة تنتسب إليكم أيها المؤمنون، لا تظنوا أن ما افتروه شراً لكم بل هو خير لما فيه من الثواب والتمحيص للمؤمنين لما يصحبه من تبرئة أم المؤمنين، فإن لكل فعل رد فعل إيجابي من جهة وسلبية من جهة أخرى، لكل واحد شارك في رميها بالفاحشة جزاء ما اكتسبه من الإثم لتكلمه بالإفك والذي تحمّل معظم ذلك لبدئه منه له عذاب عظيم، والمقصود به رأس المنافقين عبد الله ابن أبيّ ابن سلول، ثم بيّن القرآن أدب الجماعة مع ما يحدث في المجتمع من أحداث لها ما بعدها مما قد يترتّب عليه من أخطاء أو إساءات أو غير ذلك فقال:(لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) صحابي وصحابية قاسا نفسيهما على عائشة فقال لزوجه أنت لست كعائشة، قالت وأنت لست كرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الزوج هل يمكن أن تفعلي ذلك قالت لا، وعائشة أبعد أن تفعل ذلك مني، فواجب المؤمن في هذه الظروف العصيبة أن يحسن الظن بأخيه المسلم ويقيس نفسه عليه فلا يتهمه دون دليل لأنه لا يجوز أن يتهم أحداً بلا دليل، وفي الآية حض للمؤمنين إذا سمعوا كلاماً لا يليق كحديث الإفك أن يصرحوا بأنه إفك عظيم، ظانين سلامة المتهم وبراءته إلا بدليل قطعي مما افتري عليه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّم من المؤمن دمه وماله وأن يظن به إلا خيراً، فلا يظن بالمؤمن ظناً كاذباً بيّناً كذبه، لأن الله وضع القاعدة التي تضبط حركة المجتمع في آية فقال:(لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) هل لا أتى المفترون على أم المؤمنين الطاهرة رضي الله عنها على فريتهم العظيمة بأربع شهود يشهدون على صحة ما نسبوا إليها، لكنهم لم يفعلوا فإذ لم يأتوا بأربعة شهداء على ذلك ولن يأتوا بهم أبدا فهم كاذبون في حكم الله وشرعه، لأن اتهام إنسان بالزنا لا يثبت إلا ببينة، والبينة لابد أن تكون أربعة شهداء يشهدون على العملية الجنسيّة ويصفونها وصفاً كاملاً، فلو تلكأ أحدهم أو تردد حد الثلاثة حد القذف على ما سبق، فإذا إتهم أحدٌ أحدا ولم يأت بالبينة فهو في حكم الله وشرعه كاذب معاقب يجب حده وتفسيقه ورد شهادته كما تقدم (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ولولا تفضّل الله عليكم أيها المؤمنون ورحمته بكم حيث لم يعاجلكم بالعقوبة وتاب على من تاب منكم لأصابكم عذاب عظيم بسبب ما خضتم فيه من الكذب والإفتراء على أم المؤمنين، ما أجمل القرآن وما أقوى عبارته يصوّر ما كان في المجتمع من تمادٍ في الشر ونصرة للباطل وبعد عن المنهج بالخوض في الماء لأن من خاض في هذه المسألة تلوّث بقصد أو بغير قصد، ولم يسلم منها إلا من نزّه لسانه عن الكلام في الموضوع ونزّه ظنّه عن التفكير في مثل هذا ونزّه أم المؤمنين عن أن يخطر بباله أنها ربما تفعل شيئاً كهذا (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) في وقت يرويه بعضكم عن بعض وتتناقلونه بأفواهكم مع بطلانه، مما ليس لكم به علم وتظنون أن هذا العمل هين وما هو بهيّن لأنه عند الله عظيم، لما فيه من الكذب ورمي بريء بتهمة توجب حداً وتوجب إساءة للنبي ولجمهور المؤمنين، ثم بيّن واجب المؤمنين تجاه إخوتهم أن يدافعوا عنهم ويدفعوا عنهم ويبرؤنهم مما يتهمون به باطلاً فقال:(وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) هلّا إذ سمعتم هذا الإفك قلتم ما يصح لنا أن نتكلم بهذا الأمر الشنيع تنزيهاً لك ربنا، هذا الذي رموا به أم المؤمنين كذب عظيم يحيق بهم إلى يوم القيامة فلا يتخلصون منه إلى أن يسوقهم إلى جزاء الآخرة (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) يذكركم الله وينصح لكم فيحذّركم أن تعودوا لمثل هذا الإفك فترموا بريئاً بالفاحشة إن كنتم مؤمنين بالله حريصين على ما فيه مصلحة لكم في عاجل أمركم وآجله (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ويوضح الله لكم الآيات القرآنية المشتملة على أحكامه وحكمه ومواعظه والله عليم بأفعالكم لا يخفى عليه منها شيء وسيجازيكم عليها، حكيم في تدبيره وشرعه، وختم الآية بقاعدة عظيمة ما أحوج المسلمين اليوم بل وغير المسلمين إليها فقال:(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) إن الذين يحبون أن يسيؤا إلى المسلمين بأن ينشروا المنكرات في المجتمع ومنها القذف بالزنا في المؤمنين والمؤمنات لهم عذاب موجع في الدنيا بإقامة حد القذف عليهم، وفي الآخرة عذاب النار والله يعلم كذبهم وما يئول إليه أمر عباده ويعلم مصالحهم وأنتم لا تعلمون (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) ولولا تفضّل الله عليكم أيها الواقعون في الإفك ورحمته بكم، ولولا أن الله رؤوف رحيم بكم لعاجلكم بالعقوبة، فتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون رجاء أن تنجوا من عذاب الله في الآخرة، من فوائد الآيات:
  • 1- تركيز المنافقين على هدم مراكز الثقة في المجتمع المسلم بإشاعة الإتهامات الباطلة، وهذا دأب المنافقين في الماضي والحاضر والمستقبل.
  • 2- المنافقون قد يستدرجون بعض المؤمنين لمشاركتهم في أعمالهم.
  • 3- تكريم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بتبرأتها بثلاث عشرة آية.
  • 4- ضرورة التثبت من الشائعات وعدم نقلها إلا بعد التأكد من صحة ما ينقل.

هكذا نصّ القرآن على براءة السيدة عائشة رضي الله عنها بأسلوب القدوة وقياس النفس على الآخرين ليكون المنطلق في نشر الحقائق ذات المتكلم فلا يقول إلا ما يسعده قوله ولا يترك إلا ما يشقيه نشره، فينشأ المجتمع متواداً متراحماً، فاللهم وفقنا لطاعتك وجنبنا الزلل.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة