الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

المؤسسة والعمل التطوعي 


      أرشد الله الأمة إلى أقوم طريق لبناء المجتمع الفاضل الذي يعرف كل فرد فيه واجبه فيؤديه كاملاً، وبناه على التعاون والتناصح، وبين أن المؤسسة الصغيرة لا تقوم إلا برأس يرعى أفرادها ويسوس أمورها، ولما ميّز الله الرجل بصفتين تؤهلانه لقيادة المؤسسة الصغيرة جعل القوامة له فقال: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) بالحماية والرعاية والتدبير (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) من الصفات التي تمكن من قيادة المؤسسة: من القوة البدنية إلى القدرة على تخطي الصعاب، ومقارعة أهل البغي والعدوان إلى الصبر في العمل الشاق لتحصيل ما ينفق منه على زوجه وأولاده (وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ما يجوز أن تكون مصدرية أي بإنفاق، أو موصولة والعائد محذوف أي بالذي أنفقوه، من أموالهم جمع الأموال وأضافها إلى الضمير ليبين عزة المال عند الرجال، لأنهم ما حصلوا عليه إلا بجهد ومشقة، وكلفهم إنفاقه أو الإنفاق لتقوى المودة ويشعر الرجل والمرأة أنهما جسم واحد وأن الأولاد والبنات فرعهما، ولما نسب الولد إلى أبيه كُلف أبوه بالإنفاق عليه وعلى أمه (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ) وإذ قد منح الله الرجلَ حق إدارة المؤسسة لم ينقص المرأة حقها ومكانها في الأسرة (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)  فالمرأة هي المؤتمن الأول على الأسرة وإنما أهلها لهذا ثلاث صفات الصلاح والقنوت وحفظ الغيب، وكأني به وصف النساء بالصالحات والصلاح في المرأة صفة يتحقق معها كل ما يصبو إليه الرجل ويتمناه، فخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا غاب عنها حفظته، وطاعة زوجها وحفظ سره ورعاية ولده يقوي الروابط وينمّي المودة والرحمة، فينشأ الأولاد نشأة صالحة يحب بعضهم بعضاً، ويتكون منهم المجتمع الصالح، ويدل على ذلك أن الله - تعالى – أتبع آية القوامة بآية الحقوق والعشرة التي بدأها بحق الله وثنى بحق الوالدين وثلث بحق القرابات بعامة ثم خص من ذوي القربى الجيران فإن لهم حقين حق القرابة وحق الجوار، ولاهتمام القرآن بالجوار أوصى بالجار مطلقاً، ثم الزوجة ثم المسافر الذي فقد ماله فلم يعد يملك ما يعود به إلى أهله وولده، فقال: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)  لأنه الفاعل المنعم المتفضل فكل خير فمنه وبفضله، فيجب له على الخلق أن يعبدوه شكراً له على نعمه التي لا تحصى، ولما كان الوالدان صاحبي النعمة الظاهرة أوصى ببرهما والإحسان إليهما (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) ولما كان ذوو القرابة أحق من غيرهم بالبر والإحسان بعد الوالدين.
   
    كان اهتمام القرآن بهم بعد الاهتمام ببر الوالدين وذوو القربى إما متجاورون أو غير متجاورين (وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) فالقرابة لهم حق القرابة لأن من لا خير له في أقربائه لا خير له في أحد، وإن كان في الأقربين يتيم أو مسكين كان لزاماً على أقربائه رعايته لأن له عليهم حقان: حق اليتم أو حق المسكنة وحق القرابة، ثم المتجاورون من الأقربين أيضاً لهم حقان يليهم المتجاورون من غير الأقرباء (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ)  أي من غير الأقربين، وعاد إلى الزوجة (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) وختم الحقوق بحق ابن السبيل الذي فقد ماله وانقطع عن أهله وماله ووطنه فكان بحاجة إلى من يحنو عليه ويمد يده بالخير إليه، ثم المسكين الذي يعمل عندك ليكسب قوته بيده فهو بحاجة إلى الرفق به والعطف عليه (وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) كان العبيد موجودين قبل الإسلام فجاء الإسلام فأفاد منه في حفظ حياة المقاتل إذا ظفر به المسلمون لكن الأولين عَلَّموا العبيد حتى صاروا أئمة يقتدى بهم، وينتفع بعلمهم، وكان الإسلام حريصاً على إقفال هذا الملف والتخلص من العبيد، فجعل كفارة القتل الخطأ عتق رقبة أي تحريرها من الرق، وكفارة اليمين كذلك، ومثلها كفارة الفطر عمداً في رمضان ورغب في العتق تقرباً إلى الله وحض عليه، حتى لا يبقى عبد في البلاد، وختم الآية (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ  مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً)  ليعلِّم الناس الابتعاد عن الأخلاق المذمومة كالتعالي على الآخرين أن المؤسسة لا تقوم على الأنانية والبخل، ولا بالاعتماد على العمل التطوعي والمساعدات، لأن العمل التطوعي مؤقت وغير مستمر، ويمكن أن يتوقف لسبب أو لغير سبب، خاصة عند من يرى أن المتطوع أمير نفسه، ومادام المتطوع من البشر، والبشر يصيبه الملل فقد يمل ويمنع. والمساعدات المادية قد تحرف المؤسسة عن وجهتها وتحولها إلى جهة غيرها، والمساعد قد يصيبه ما يصيب المتطوع من الفتور والملل، قال الشاعر:
ولو سـئِل الناس التراب لأوشـكوا              إذا قيـل هاتـوا أن يمـلوا ويمنعـوا
   
كما بيّن القرآن أن حل الخلاف بين الزوجين: يحله الزوجان أنفسهما فإن عجزوا تولى الأقربون مسئولية إزالة الخلاف عن طريق التحكيم، فكذلك حل الخلاف في أي مؤسسة صغيرة كانت أو كبيرة، يجب أن يبدأ وينتهي فيها، وكما جعل الله الزوج مسئولاً عن تأمين التمويل للمؤسسة الصغيرة فكذلك غيرها من المؤسسات يجب أن يكون تمويلها من ذاتها لا من خارجها، وكما أن تدخل الأهل في شئون الزوجين الخاصة يفسد العلاقة بينهما بتقوية طرف على طرف، كذلك المؤسسة يفسدها تدخل الأجانب عنها في أمورها الخاصة.

    إن المؤسسة لا تقوم إلا على تعاون أفرادها وسعيهم الدائم لرفع شأنها، والحرص على ما فيه صلاح حالها واستقامة أمرها، والحذر كل الحذر أن يأتيها الضرر من قبل أحد أفرادها، فالمجتمع مؤسسة كبيرة يتشارك أفراده في المسئولية عنه، والأسرة مؤسسة صغيرة بصلاحها يصلح المجتمع، وأي خلل فيها ينعكس على المجتمع، ويرشد إلى ذلك قول النبي {كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسئول، والرجل راعٍ في أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، وهي مسئولة عن رعيتها، ...، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته}.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة