الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ولا تطيعوا أمر المسرفين  
سورة الشعراء   الآيات 150 - 227


سبق أن حذّر صالح عليه السلام أهله وعشيرته من مغبة الكفر ومعصية الله، ودعاهم إلى الإيمان وأقام لهم الأدلة على ذلك، وقد مضى شيء منها، أما البقية (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ*وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ*الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) إذا كنت رسول الله الأمين على الرسالة فيجب عليكم طاعتي بامتثال ما آمركم به واجتناب ما أنهاكم عنه، لأني أبلغ عن الله، فطاعتي طاعة لله، ولا تنقادوا لأمر المسرفين على أنفسهم الذين بالغوا في ارتكاب المعاصي وأعرضوا عن الحق، ولما كان الفساد في الأرض بنشر المعاصي ناسب أن يبين أن فسادهم من هذا فقال الذين ينشرون الفساد في الأرض، يشجعون الناس على الكفر وعبادة غير الله وارتكاب المعاصي المختلفة، ولا يصلحون أنفسهم بالتزام طاعة الله وترك ما نهى عنه (قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ*مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) قال له قومه أنت ممن سحروا مراراً حتى غلب السحر على عقولهم، فأذهبها وقضى عليها، وكأنهم يعرضون به أن عقله مضطرب وفكره غير مستقيم، ثم قالوا له لست إلا بشراً مثلنا فلا مزية لك علينا حتى تكون رسولاً، فأت بعلامة تدل على أنك رسول إن كنت صادقاً فيما تدعيه من أنك رسول الله، كأنهم أرادوا معجزة تثبت صدقه وتلزمهم باتباعه، وهذه المعجزة تمثلت في ناقة تولد من الصخر، عقل عجيب وفكر أعجب وتحدٍ للنبي أقوى ما يكون (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ*وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ*فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ) قال لهم صالح وقد أعطاه الله علامةً واضحة على صدقه ناقةً أخرجها الله من الصخرة، ناقة ترى وتلمس لها نصيب من الماء ولكم نصيب معلوم، لا تشرب في اليوم الذي هو نصيبكم ولا تشربون أنتم في اليوم الذي هو نصيبها، ولا تمسوها بما يسوؤها من عقر أي قتل أو ضرب فينالكم بسبب ذلك عذاب من الله يهلككم به في يوم عظيم، لما فيه من البلاء النازل عليكم، إن المدعين إذا طلبوا معجزة معيّنة وحققها الله لهم إن كفروا بها بعد ذلك أخذهم بالإستئصال، وهؤلاء حددوا المعجزة وزادهم الله، أخرج الناقة من الصخر وأخرج معها فصيلها، ومكنها من أن تسقي القرية كلها لبناً، وتشرب العين كأنها مصنع لبن يحول الماء لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، فعقروها وأرادوا عقر ولدها فهرب منهم فأصبحوا نادمين، وإنما اتفقوا على عقرها وكلفوا أشقاهم بذلك فأصبحوا نادمين على ما أقدموا عليه لما أيقنوا أن العذاب نازل بهم لا محالة، لكن الندم عند معاينة العذاب لا ينفع ولا يدفع العذاب عنهم، لأن الله قد حذرهم من هذا الفعل وبين لهم ما يصيرون إليه إن أقدموا عليه (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) فأخذهم العذاب الذي وعدوا به وهو شيئان: الزلزلة والصيحة، إن في ذلك الذي ذكره الله عنهم أعني قصة صالح وقومه لعبرة للمعتبرين، وما كان معظمهم مؤمنين، وإن ربك أيها الرسول لهو العزيز الغالب الذي لا يغلب ينتقم من أعدائه، الرحيم بمن تاب من عباده قبل نزول العذاب، من فوائد الآيات:

  • 1- توالي النعم مع الكفر إستدراج للهلاك.
  • 2- التذكير بالنعم يرتجى منه الإيمان والعودة إلى الله من العباد.
  • 3- المعاصي سبب الفساد في الأرض.
ولما ذكر قوم صالح إنتقل إلى مكان قريب منهم، قوم يمر عليهم العرب في أسفارهم، قد علموا من أخبارهم ما يجعلهم يؤمنون بالله لما رأوا من حالهم ومآلهم بعد عصيانهم فقال:(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ*إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ*وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) دعوة الأنبياء واحدة على مر العصور لا تتغير ولا تتبدل، يتغير الأشخاص وتبقى الدعوة كما هي، دليل صدق على أن أصل الدين واحد، والأنبياء أولاد علاّت أمهاتهم متعددة ودينهم واحد، فما قاله لوط عليه السلام هو عين ما قاله صالح وهود وإبراهيم ونوح، الكل يكرر نفس الكلام، والكل يرفض ويحتج بنفس الحجة الواهية، لكن قوم الأنبياء إن اتفقوا في المعتقد فإن لكل نبي عيباً اجتماعياً يختلف عن غيره، والجديد في قصة لوط ما سيأتي، ولما كنت قد بينت معنى الآيات فسأنتقل مباشرةً إلى العيب الإجتماعي الذي وقع فيه قوم لوط، والمتمثل في قوله:(أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ*وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) عيبان استحق بهما قوم لوط العذاب: الأول الكفر بالله وهو عيب مشترك والتطاول على النبي، والثاني الشذوذ الجنسي، والفاحشة التي كانوا يأتونها وإن أمست القوانين الوضعية تقرها، فيها من الخسة والبعد عن الفضيلة ما لا يقدّر قدره، فها هو يقول أتأتون الذكور من الناس في أدبارهم، إن معاشرة المرأة سبب طبيعي لحفظ النسل ولوجود الألفة بين الزوجين، والإتيان يكون في مكان نظيف خال من المكدرات، أما إتيان الذكور على الطريقة التي شرعوها مخالف للفطرة ولا فائدة منه، بل يؤدي إلى ترك التناسل وبالتالي القضاء على الجنس البشري، فهو سبب ثانٍ لتحريم هذا العمل، إضافة إلى قوله وتتركون إتيان ما خلقه الله لتقضوا شهواتكم منه مع زوجاتكم، بل أنتم قوم متجاوزون لحدود الله بهذا الشذوذ المنكر، لم ينكروا عليه قوله ولا كذبوه، ولكنهم تطاولوا عليه وأرادوا النيل منه وهددوه وأوعدوه (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) قال له قومه لإن لم تكف يا لوط عن نهينا عن هذا الفعل وإنكاره علينا لتكونن أنت ومن معك من المخرجين من قريتنا، والإنسان بطبعه يكره أن يهجّر قصراً من القرية التي ولد وعاش فيها، ومع ذلك رد عليهم (قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ*رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ*فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ*إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ) قال لهم لوط إني لعملكم هذا الذي تعملونه لمن الكارهين المبغضين لما فيه من قذارة ومخالفة للطبيعة البشرية، إضافةً إلى أنه يعرّض الفاعل إلى أبشع أنواع الأمراض، ولما كان ضعيفاً في قومه لا يجد من يعينه التجأ إلى الله فاحتمى به، قال رب نجني ونجِ أهلي مما سيصيب هؤلاء من العذاب بسبب ما يفعلون من المنكر، فأجاب الله دعاءه فنجاه وأهله أجمعين إلا زوجته كانت ترشد قومها إلى من عند لوط من ضيف فكانت من الذاهبين الهالكين (ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ*وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ*إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) ثم بعدما خرج لوط وأهله من قرية "سدوم" أهلك الله قومه الباقين بعده أشد إهلاك، وأمطر عليهم مطراً حجارةً من السماء مثل المطر فقبح مطر هؤلاء الذين كان ينذرهم لوط ويحذرهم من عذاب الله إن هم أصروا على ما هم عليه من ارتكاب المنكر، إن في ذلك المذكور من العذاب النازل على قوم لوط بسبب فعل الفاحشة لعبرة للمعتبرين، وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك أيها الرسول لهو العزيز الذي ينتقم من أعدائه، الرحيم لمن تاب من عباده. ولما ألحق بقوم لوط العذاب بسبب شذوذهم مخالفين شرع الله، ناسب أن يذكر جماعة من العصاة كانت لهم إساءة من نوع آخر فقال:(كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ*إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) أصحاب الأيكة لم يفصّل القرآن عنهم إلا اليسير، والأيكة القرية ذات الشجر الملتف قرب مدين، والمرسل إليهم شعيب عليه السلام كما صرح بذلك في الآية الثانية، وبدأ بالقدر المشترك بين العصاة وهو خوف الله والإيمان بالرسالة وإلتزام أمر الله وترك ما نهى عنه، إني لكم رسول أرسلني الله إليكم أمين فيما أبلغكم عنه لا أزيد على ما أمرني بتبليغه ولا أنقص، وإذا كان شعيب أميناً على رسالته فواجب على قومه الإستماع إليه وطاعته، فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما أمرتكم به وفيما نهيتكم عنه (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) وما أطلب منكم ثواباً على ما أبلغكم من ربي إنما ثوابي على الله رب المخلوقات لا على غيره، بهذا القدر من الدعوة شارك شعيب الأنبياء السابقين موسى ونوح وهود وصالح ولوط، وزاد عليهم شعيب فقال:(أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ*وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ*وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أتموا للناس الكيل عندما تبيعونهم أو تشتروا منهم ولا تكونوا ممن ينقص الكيل إذا باع ويستوفيه إذا اشترى، وزنوا إذا وزنتم لغيركم بالميزان المستقيم، ولا تنقصوا الناس حقوقهم ولا تكثروا في الأرض الفساد بارتكاب المعاصي والمحرمات، إن الشريعة تحرص أن يصل الحق إلى صاحبه كاملاً غير منقوص من كان صاحبه: صديقاً أو عدواً، مؤمنا أو كافراً، وإنقاص الناس حقوقهم معصية ونوع من الفساد، توعد عليه القرآن في غير ما آية، من فوائد الآيات:
  • 1- فعل قوم لوط شذوذ عن الفطرة ومنكر عظيم.
  • 2- من الإبتلاء للداعية أن يكون أهل بيته من أصحاب الكفر أو المعاصي.
  • 3- العلاقات الأرضية ما لم يصحبها الإيمان لا تنفع صاحبها إذا نزل العذاب.
  • 4- وجوب وفاء الكيل وتحريم التطفيف.
وتابع شعيب قائلا:(وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ) واتقوا الذي خلقكم وخلق الأمم قبلكم فخافوا منه أن ينزل عليكم عذاباً كما فعل بمن قبلكم، وتوبوا إليه لتنجوا في الدنيا من عذاب الإستئصال وفي الآخرة من عذاب النار، لكن أصحاب الأيكة كانوا وقحين قليلي الحياء، تجلى ذلك في ردهم على نبي الله (قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ*وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ*فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ*قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) قالوا إنما أنت من الذين أصابهم السحر مراراً حتى غلب على عقلك فغيّبه، وكأنهم يتهمونه في عقله، وفي هذا إساءة له بليغة، واستدلوا على عدم رسالته بالقياس المقلوب، قالوا أنت لست إلا بشراً مثلنا فلا مزية لك علينا، فكيف تكون رسولاً؟ ما الذي أهلك لذلك؟ ولا نظنك إلا كاذباً فيما تدعي أنك رسول الله، فإن كنت كما تزعم فأسقط علينا قطعاً من السماء تثبت بها دعوتك، ما أغباهم وأوقحهم وأقل حياءهم، ماذا يفيدون إذا أهلكهم الله، إنه الغباء وضعف العقل، لم يطلبوا منه دليلاً على صدقه ولا حجة على قوله، ولم يحاورهم هو، اكتفى بإنهاء الكلام، قال لهم شعيب ربي أعلم بما تعملون من الشرك والمعاصي لا يخفى عليه من أعمالكم شيئاً (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ*إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) فاستمروا على تكذيبه إلى أن أصابهم عذاب عظيم حيث أظلتهم سحابة بعد يوم شديد الحر، فظنوا أنها تمطر ماءً، فأمطرت عليهم ناراً فأحرقتهم، إن يوم إهلاكهم كان يوماً عظيم الهول، إن في ذلك المذكور أعني إهلاك قوم شعيب لعبرة للمعتبرين، ذلك أن معظمهم لم يكونوا مؤمنين، وإن ربك أيها الرسول صلوات الله وسلامه عليك لهو الغالب الذي لا يغلب، ينتقم من أعدائه، رحيم بمن تاب من عباده، وهكذا تم الحديث عن الأنبياء وحان وقت الإعتبار بالآثار، وإقامة الدليل على صدق الإخبار من الملك الجبار، وكأنه يلخص السورة في كلمات توضح ما أجمل وتفصّل ما أبهم وتدلل على قضاياها، بدأها بقوله:(وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ*نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) إن هذا القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم منزل من رب المخلوقات جل جلاله، نزل به جبريل الأمين على قلب النبي ليكون من الرسل الذين ينذرون الناس ويخوفونهم من عذاب الله (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ*وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ*أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ) ولما كان المخاطبون لغتهم عربية ناسب أن ينزل القرآن بلغتهم العربية بشكل واضح مفهوم يفهمه كل سامع ويعتبر به كل عاقل، ثم بين أن هذا القرآن هو نفسه المذكور في كتب الأولين فقد بشرت به الكتب السماوية السابقة، فها هو المسيح يقول "سأنزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء" ويبين أن المسلمين يحفظون كتاب الله في صدورهم أناجيلهم في صدورهم، وهذه الميزة لم تكن لأحد قبل المسلمين، ثم طرح سؤالاً من تفكر فيه علم أن القرآن حق، أكذبوا ولم يكن لهؤلاء الكافرين بك علامة على صدقك أن يعلم حقيقة ما نزل عليك علماء بني إسرائيل، مثل عبد الله ابن سلام وغيره من مسلمة اليهود، فإن ابن سلام ظهر فضله باعتراف أهله، حين قال لرسول الله إن اليهود قوم بهت، فادعوهم يا رسول الله فاسألهم عني، واختبأ ابن سلام في الحجرة المجاورة، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا، فخرج عليهم من حجرته فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فعادوا أدراجهم إلى باطلهم، واتهموه فقال عبد الله ابن سلام ألم أقل لك يا رسول الله إن اليهود قوم بهت (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ*فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ*كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ*لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ*فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ*فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ) ولو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعاجم الذين لا يتكلمون باللسان العربي هذا القرآن، فقرأه عليهم ما صاروا به مؤمنين لأنهم سيقولون لا نفهمه فليحمدوا الله أن نزله بلغتهم، إن أهل الباطل قد طمس الله على بصيرتهم وجعل التكذيب ديدناً لهم يحاربون الحق ويعرضون عنه، شأن المجرمين لا يؤمنون بأن القرآن حق وأن محمداً حق وأن الجنة حق حتى يروا العذاب الأليم الموجع، أخبرهم بأنه سيأتيهم بغتة وهم في غفلة عنه لا يعلمون بمجيئه حتى يفجؤهم، فإذا فاجأهم يقولوا هل نحن منظرون؟ حين ينزل عليهم العذاب بغتة من شدة الحسرة يقولون هل نحن ممهلون فنتوب إلى الله؟ (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ*أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ*ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ*وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ*ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني أيها الرسول إن متعنا هؤلاء الكافرين المعرضين عن الإيمان بما جئت به، متعناهم بالنعم زمناً ممتداً مدةً طويلة، ثم جاءهم بعد ذلك الزمن الطويل الذي نالوا فيه تلك النعم ما كانوا يوعدون به من العذاب، ما نفعهم تمتعهم ولا دفع عنهم، ماذا ينفعهم ما كانوا عليه من نعم في الدنيا، فقد انقطعت تلك النعم ولم تجد شيئاً، وما أهلكنا من أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليها بإرسال الرسل وإنزال الكتب، عظةً وتذكيراً لهم، وما كنا ظالمين بتعذيبهم بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ*وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ*إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ*فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) وما تنزلت الشياطين بهذا القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن سلطان الشيطان لا يمكن أن يصل إلى نبي يوحى إليه، لذلك أردف قائلاً وما ينبغي لهم أن يتسلطوا على رسل الله، وما يصح أن يتنزلوا على قلبه وما يستطيعون ذلك، لأنهم معزولون عن مكانة السماء فكيف يصلون إليه ويتنزلون به، فإن القرآن في اللوح المحفوظ في مكان لا يستطيع الشيطان أن يصل إليه، مهما يكن من أمر فلا تعبد مع الله معبوداً آخر تشركه معه فتكون بسبب ذلك من المعذبين، حاشاه أن يفعل ذلك وهو المعصوم العالم المعلم، ثم أمره أن يبدأ بدعوة أقرب الناس إليه وأحناهم عليه وأن يتواضع للمؤمنين فقال:(وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ*وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أنذر أيها الرسول الأقرب فالأقرب إليك من قومك، حتى لا يصيبهم عذاب الله إن بقوا على الشرك، وألن جانبك فعلاً وقولاً لمن اتبعك من المؤمنين رحمةً بهم ورفقا، فإن عصوك ولم يستجيبوا لما أمرتهم به من توحيد الله وطاعته فقل لهم إني بريء مما تعملون من الشرك والمعاصي (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ*وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ*الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ*وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ*إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فإن عصوك ولم يستجيبوا لما أمرتهم به من توحيد الله وطاعته فقل لهم إني بريء مما تعملون من الشرك والمعاصي، واعتمد في أمورك كلها على العزيز الذي ينتقم من أعدائه، الرحيم بمن أناب منهم إليه، ووصف العزيز الرحيم بصفتين تورث كل واحدة منهما المراقبة فقال الذي يراك حين تقوم إلى الصلاة ويرى سبحانه تقلبك من حال إلى حال في المصلين لا يخفى عليه شيء مما تقوم به ولا مما يقوم به غيرك، إنه هو السميع لما تتلوه من قرآن وذكر في صلاتك العليم بنيتك. وآن الأوان ليسألهم سؤالاً يفحم المخالفين ويرد على من ادعى أن الشياطين تنزلت بالقرآن، يقطع العذر فقال:(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ*تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ*يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ*وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ*أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ*وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ*إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) لما زعموا أن الشياطين تنزلت بالقرآن وأن محمداً صلى الله عليه وسلم شاعر، رد الله عليهم زعمهم فقال هل أخبركم على من تتنزل الشياطين؟ الذين زعمتم أنهم تنزلوا بهذا القرآن، تنزل الشياطين على كل كذاب احترف الكذب ومارسه حتى لا تكاد تظفر منه بكلمة صدق واحدة، ومن كثر كذبه كثرت آثامه ومعاصيه، وربما تكهّن، فإن الشياطين تسترق السمع من الملأ الأعلى فيلقونه إلى أوليائهم من الكهان، وأكثر الكهان كاذبون إن صدقوا في كلمة كذبوا معها مائة كذبة، والشعراء الذين زعمتم أن محمداً صلى الله عليه وسلم منهم يتبعهم المنحرفون عن طريق الهدى والإستقامة، فيرمون من يقولون من شعر، والقرآن أبعد ما يكون عن ذلك، ألم تعلم أيها الرسول أن من مظاهر غوايتهم أنهم تائهون في كل واد يمضون في المدح تارة وفي الذم تارة وفي غيرهما مرات، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، فربما قال فعلت كذا ولم يفعله، واستثنى من الشعراء طائفة جمعت خصال الخير والتزمت المنهج وتابعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع تصرفاتها، فقال إلا الذين آمنوا من الشعراء وعملوا الأعمال الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من أعداء الله بعدما ظلموهم مثل حسان ابن ثابت رضي الله عنه، وسيعلم الذين ظلموا بالشرك والإعتداء على عباد الله أي مرجع يرجعون إليه، يرجعون إلى موقف عظيم وحساب دقيق، من فوائد الآيات:
  • 1- إثبات العدل لله ونفي الظلم عنه.
  • 2- تنزيه القرآن عن قرب الشياطين منه.
  • 3- أهمية اللين والرفق في الدعاء إلى الله.
  • 4- الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح.
وهكذا تمت سورة الشعراء، أسأل الله أن ينفعنا بما فيها، وأن يتجاوز عما وقعت فيه من أخطاء إن وجد، فاللهم وفق وثبّت.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة