الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

العقل لماذا  
سورة الشعراء   الآيات 69 - 149


ولما ختم قصة موسى وأشار إلى ما فيها من عبر، ناسب أن يذكر قصة نبي آخر من أولي العزم، إنها قصة إبراهيم عليه السلام، وإذا كان إبراهيم قبل موسى فإن بلاءه كان أقل من بلاء موسى من جهة، وأشد من جهة أخرى، لذلك قدّم موسى عليه لأنه عانى من الكفار الأصليين ومن بعدهم من بني إسرائيل، أما إبراهيم فإليك تفصيل ما عانى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ*إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) قص على قومك قصة إبراهيم عليه السلام حين قال لأبيه آزر وقومه ما الذي تعبدونه من دون الله، سألهم عن ماهية ما يعبدون وكأنه يسألهم عن السبب الذي يدفعهم إلى عبادته، وماذا صنع ليستحق كل هذا التقدير والإحترام منهم (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) أجاب القوم نعبد أصناماً فنظل مقيمين على عبادتها ملازمين لها (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ*أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) قال إبراهيم هل تسمع الأصنام دعاءكم حين تدعونها؟ أو ينفعونكم إن أطعتموهم؟ أو يضرونكم إن عصيتموهم؟ كأني به يسألهم عن فائدة عملية يرجونها من عبادة تلك الأحجار، أو عمن شرع لهم هذه العبادة، أو كيف ولماذا شرعت؟ لم يجد عندهم جواباً يبرر عبادتهم، جل ما أجابوا به التقليد الأعمى لآبائهم، ها هو يقول:(قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) أجابوه أن الأصنام لا يسمعونهم إذا دعوهم ولا ينفعوهم إن أطاعوهم، ولا يضرونهم إن عصوهم، بل كل ما فعلوه أنهم قلدوا آباءهم فعملوا عملهم وساروا سيرتهم، أراد إبراهيم أن يبين لهم السبب الحقيقي لعبادة الإله والصفات التي تؤهله ليكون معبوداً فقال:(قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ*أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ*فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ) قال إبراهيم أخبروني عن ما كنتم تعبدون، أتأملتم فرأيتم ما كنتم تعبدون من دون الله من أصنام، أنتم وما كان يعبده آباؤكم الأولون فإنهم كلهم أعداء لي، لأنهم باطل لا حقيقة له إلا الله رب المخلوقات كلها، وهذا شروع منه في بيان صفات الإله الحق المستحق للعبادة، فأولى هذه الصفات الخلق، فإن الإله لا يصح عقلاً أن يكون إلهً حتى يخلق، وإذا خلق زوّد مخلوقاته بالآلات التي تعينهم على معرفة الحق من الباطل، والخير من الشر، والهدى من الضلال، وما ينفع في الدنيا وما ينفع في الآخرة كل ذلك لخصه في آية واحدة (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ). ولما كان الإله الحق لابد أن يؤمّن لمخلوقه ما تستقيم به حياتهم من الضروريات والحاجيات وعلى رأسها وفي مقدمها الماء والطعام، وصف إلهه بأنه (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) يطعمني إذا جعت ويسقيني إذا عطشت، يخلق فيّ الجوع لآكل والشبع لأتوقف، لتستمر حياتي ويقوى جسمي وأتقوى على طاعة الإله الذي أعبده (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) من حق الربوبية أن يرعى الرب مخلوقه، فيؤمن له الراحة إذا تعب، والشفاء إذا مرض، لذلك قال فإذا مرضت فهو وحده الذي يشفيني من المرض، لا شافي لي غيره لأنه خالق الداء والدواء، ومصرف الأقدار والمتصرف بجميع الخلق، وإذا عاش الإنسان عمره لابد أن يموت، فالله وهبه الحياة ولا يستطيع أحد أخذها منه إلا الذي وهبه إياها (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) والذي هو وحده يتوفاني إذا انقضى أجلي ويحييني بعد موتي للحساب والثواب أو العقاب، وهذا يعني أن الإله الحق خلق الخلق ليبتليهم، فيثيب من أطاع ويعاقب من عصاه، وقد لا يعاقبه في هذه الدنيا، فلابد من يوم آخر يحاسب فيه الخلق على أعمالهم (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) فيثيب المطيع ويعاقب العاصي، وإني لأرجو الله وحده أن يغفر لي خطيئتي يوم الحساب والجزاء، وبعد أن قدّم الثناء حان الوقت للدعاء، وأثمن ما يطلب العلم، وأثمن العلم الفقه، وأثمن الفقه ما يقوّم السلوك والأخلاق ويورث العمل المفيد في الدنيا والآخرة، لذلك قال:(رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) قال إبراهيم داعياً ربه، يا رب أعطني فقهاً في الدين أعرف ما يصلحني ويصلح حالي ومآلي، ووفقني لأعمل به فألتحق بالصالحين من الأنبياء قبلي، حتى أستحق أن تدخلني الجنة معهم، من فوائد الآيات:

  • 1- الله مع عباده المؤمنين بالنصر والتأييد والإنجاء من الشدائد.
  • 2- ثبوت صفات الرحمة والعزة لله.
  • 3- خطر التقليد الأعمى، فإنه يورث الإنسان مصاعب لا حصر لها ويوقعه في مهالك لا ينجو منها.
  • 4- أمل المؤمن في ربه عظيم.
ويتابع إبراهيم أدعيته إلى ربه فيقول:(وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ) يطلب أن يجعل الله له ذكراً جميلاً وثناءً حسناً فيمن يجيء من الأمم بعده، وكأنه يدعو لنفسه بالصلاح والثبات على ذلك، حتى إذا مات مات صالحاً إماماً يقتدى به ويسار على نهجه (وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) فيطلب من الله أن يجعله ممن يرث منازل الجنة التي ينعم فيها عباد الله المؤمنون، وكأنه يطلب من الله أن يسكنه جنة الخلد، ولما تمم الدعاء لنفسه، وقدّم جميع ما يحتاج إليه، ناسب أن يدعو إلى أبيه أصله، وعلة وجوده فقال:(وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) وضلاله إن كان المقصود به عمّه فظاهرٌ لأنه كان يعبد الأصنام، ولعله هو الذي ذكر القرآن حواره معه، وأطلق عليه الأب مجازاً لأن اللغة تتسع لذلك، وعندي أن أبا إبراهيم الصلبي لابد وأن يكون مؤمناً، لأن الأنبياء عادة ما يكونون خياراً من خيار، ولا خيار في المشرك الذي يعبد غير الله وحده أو معه، وقوله من الضالين على هذا نوع تواضع كما يفعله بعض العلماء، على أن بعض المفسرين تمسك بظاهر الآية وحكم على أبي إبراهيم بالكفر وخلدّه في النار، ولا أرى هذا فالله أعلم بالصواب، وأياً ما كان فالله جازى أبا إبراهيم وحكم عليه بما حكم، ولن يؤثر حكمي في شيء لكن أردت أن أبرئ ساحة نبي من أنبياء الله عسى أن يبرأني الله يوم القيامة، فأصيب من دعوة إبراهيم الأخيرة (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ*يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ*إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) فأنا أسأل الله مع إبراهيم لي ولكافة المسلمين أن لا يفضحني بالعذاب يوم يبعث الناس لرب العالمين فلا يخزني بإدخالي النار، ففي ذلك اليوم لا ينفع فيه مال قد جمعه الإنسان في دنياه ولا بنون كان يستنصر بهم في الدنيا، لكن ينفعه قلب سليم لا شرك فيه ولا نفاق ولا رياء ولا عجب، فإنه ينتفع بماله الذي أنفقه في سبيل الله، وينتفع بأبنائه الذين يدعون له، وبعد الموت والحساب يأتي الجزاء، وكأني بالقرآن يستحضر ذلك الموقف وينتهزها مناسبة ليذكّر بها ويحض على العمل لها، فإن الدعوة بالقدوة من أهم الوسائل التي إتبعها القرآن في الإقناع، لذلك تراه يقول:(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ*وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ*وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ*مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ*فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ*وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) كأن الجنة قد نصبت في منظر رائع يراها القاصي والداني، قربت للصالحين لأنهم امتثلوا أوامر ربهم واجتنبوا نواهيه، وأظهرت النار في المحشر للذين ضلوا عن دين الحق كما وصفها في موضع آخر (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيرا) وهناك بين الجنة والنار ينادي المنادي، يوبّخ العصاة ويقول لهم أين ما كنتم تعبدون من الأصنام والأوثان والأشخاص، تركتم الله وعبدتموهم من دونه، هل ينصرونكم على الله؟ بمنعكم من عذابه، هل يستطيعون أن يمنعوا عن أنفسهم عذابه، يأتي الجواب بكلمة غريبة عجيبة يقف الشعر لها إجلالاً، فرمي بعضهم في الجحيم فوق بعض هم ومن أضلوهم من بني آدم الأصنام وعابدوها، ومن زيّن للناس عبادتها ومن ناصر الباطل وحارب الحق، كلهم لا يستثنى منهم أحد، ولما صاروا إلى جهنم قالوا وهم فيها يختصمون، قال المشركون الذين كانوا يعبدون غير الله ويتخذونهم شركاء من دونه وهم يتخاصمون مع من كانوا يعبدونهم من دون الله، فقد انقلب السحر على الساحر، انقلب الأصدقاء أعداء، والحب بغضاء وكراهية (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ*تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ*إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ*وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ) أقسم المشركون أنهم كانوا في ضلال واضح عن الحق لأنهم لم يعقلوا عقولهم ولا اهتدوا بحواسهم، ولا عرفوا بفطرتهم فقد كان ضلالهم واضح وبعدهم عنه بعيد، حين سووا الخالق بالمخلوق، فاعترفوا في ذلك الموقف لقد كنا في ضلال مبين في الوقت الذي ساوينا بينكم وبين الله رب المخلوقات كلها، فنعبدكم كما نعبده ونرجوكم كما نرجوه، وما أضلنا عن طريق الحق إلا المجرمون، دعونا إلى عبادتهم من دون الله فسمعنا قولهم وأطعنا أمرهم، مع أن الباطل كان واضحاً فأقبلنا عليه وتركنا الحق البين (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ*وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) فلابد لنا أن نبحث عن شافع يضم صوته إلى صوتنا فيشفعون لنا عند الله لينجينا من عذابه، ولا من يشفع لنا لأن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع فيه، وليس لنا صديق خالص المودة يدافع عنا، إذاً الحل إنما يكون بإعادتنا إلى الدنيا فنتوب ونؤمن، وعبروا عن هذا التمني المستبعد ب"لو" (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فلو أن لنا رجعة إلى الحياة الدنيا فنكون من المؤمنين بالله، ولكن قضت حكمة الله أن لا عودة لأن العاصي يتمنى العودة، ولو أعيد لعاد إلى ما كان عليه من ضلال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) إن في ذلك المذكور من قصة إبراهيم عليه السلام ومصير المكذبين به لعبرة للمعتبرين، وما كان هؤلاء القوم الذي أخذهم الله بالعذاب مؤمنين، وإن ربك أيها الرسول لهو العزيز الغالب الذي لا يغلب، ينتقم من أعدائه بما شاء وكيف شاء، الرحيم بمن تاب منهم بالوقت المحدد فلا يعاقبه. ولما ختم قصة إبراهيم عليه السلام وذكر شيئاً من أهوال يوم القيامة وندم العصاة، ناسب أن يذكر قصة نبي كان قبل إبراهيم، فذكر نوحاً (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ*إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) كذبت قوم نوح المرسلين، إنما هو رسول واحد لكن مدته على الأرض طالت، فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فحين كذبوه كأنهم قد كذبوا جمعاً من المرسلين، أضف إلى هذا أن تكذيب رسول كتكذيب الكل، لأن تصديقه تصديق الكل، فإن سألت متى كان ذلك يأتيك الجواب وقت أن قال لهم نوح ألا تتقون الله بترك عبادة غيره كعبادته، وتخافون أن يبطش بكم كما فعل بغيركم، ما علاقتك؟ لماذا تأمرنا؟ أتى جوابه إني لكم رسول أرسلني الله إليكم أمين على الرسالة لا أزيد على ما أوحاه الله إلي ولا أنقص، فإذا كنت رسول الله مؤتمناً على رسالته فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، ويتابع نوح كلامه قائلاً (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ*فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) وما أطلب منكم مكافأة على ما أبلغكم من ربي، إنما أطلب الثواب من الله رب المخلوقات، عليه لا على غيره إعتمادي وطلب الثواب منه، ثم كرر الأمر بتقوى الله وطاعته فقال اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ) قال له قومه أنؤمن بك يا نوح ونتبع ما جئت به ونعمل، والحال أن اتباعك هم السفلة من الناس فلا يوجد فيهم سادة ولا أشراف (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ) قال لهم نوح وما علمي بما كان هؤلاء المؤمنون يعملون، فلست وكيلاً عليهم أحصي أعمالهم، إنما حسابهم على الله الذي يعلم سرائرهم وعلانياتهم، وليس إلي شيء من ذلك، لو تشعرون لما قلتم ما قلتم (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ*إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) ولست بطارد المؤمنين عن مجلسي استجابةً لطلبكم كي تؤمنوا بي، ما أنا إلا نذير واضح النذارة أحذركم عذاب الله، هنا تحمس القوم للرد عليه فهددوه وأوعدوه (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ*قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ*فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قال له قومه لإن لم تكف عما تدعونا إليه لتكونن من المشتومين والمقتولين بالرمي بالحجارة، فالرجم إما للسب والشتم أو للضرب بالحجارة، توجه نوح إلى ربه بالدعاء قال رب إن قومي كذبوني ولم يصدقوني فيما جئت به من عندك، فاحكم بيني وبينهم حكماً يهلكهم لإصرارهم على الباطل، وأنقذني ومن معي من المؤمنين مما تهلك به الكفار من قومي (فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ*ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ) فاستجاب الله دعاءه وأنجاه ومن معه من المؤمنين في السفينة المملؤة من الناس والحيوان، ثم أغرق بعدهم الباقين وهم الكفرة من قوم نوح، فكان في هذا دليلاً حسياً على صدق نوح وكذب قومه، لذلك عقّب القرآن (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) إن في قصة نوح وقومه ونجاة نوح ومن معه من المؤمنين وهلاك الكافرين من قومه لعبرةٌ للمعتبرين، وما كان معظمهم مؤمنين، وإن ربك أيها الرسول هو العزيز الغالب الذي لا يغلب، ينتقم من أعدائه ويتوب على من تاب من أوليائه. ولما ذكر نوحاً ناسب أن يذكر عاداً بين نوح وإبراهيم فقال:(كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ*إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) كذبت قبيلة عاد المرسلين، حين كذبوا رسولهم هوداً عليه السلام، فإن جئت تسأل متى أتاك الجواب حين قال لهم نبيهم هود ألا تتقون الله بترك عبادة غيره خوفاً منه وطمعاً فيما عنده، إني لكم رسول أمين أرسلني الله إليكم لا أزيد على ما أمرني الله بتبليغه ولا أنقص منه، فإذا كنت رسول الله ملتزماً بأمره ممتثلاً له، يجب عليكم أن تطيعوني فيما آمركم به وفيما نهيتكم عنه (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) وما أطلب منكم مقابلاً على دعوتي بل احتسب ثوابي عند الله على ما أبلغكم من ربي، ليس ثوابي إلا على الله رب المخلوقات لا على غيره، ولابد من القول إن مواطن عاد جنوبي جزيرة العرب، ولعلها كانت أرضاً غنية مليئة بالخيرات، وتحولت إلى صحراء قاحلة كما يدل عليه السياق، ها هو يقول:(أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ*وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ*وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ*فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ*وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ*أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ*وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) أتبنون بكل مكان مشرف مرتفع بنياناً علماً كالجبل عبثاً دون فائدة، تعود عليكم في دنياكم أو أخراكم، وتتخذون حصوناً وقصوراً كأنكم تخلدون في هذه الدنيا ولا تنتقلون عنها، وإذا سطوتم بالقتل أو الضرب سطوتم جبارين لا ترحمون من تظفرون به أو ترأفون بحاله، وكان الأليق بكم أن تتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، وخافوا من سخط الله الذي أعطاكم من نعمه ما تعلمون، فاشكروه على ذلك بالإحسان إلى خلقه، ولما كان في تعلمون إجمالاً فصّله بقوله أعطاكم أنعاماً وأعطاكم أولاداً، وأعطاكم بساتين وعيوناً جارية، نعم عظيمة يوشك أن ينزعها منكم إن لم تقبلوا عليه وتقلعوا عن باطلكم، فإني أخاف عليكم يا قومي عذاب يوم القيامة، وعذاب الدنيا بسلبكم ما أنعم به عليكم (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). إن الإنسان حين تُفتح عليه الدنيا وينغمس في ملذاتها يتحكم فيه الهوى وتعميه الشهوات المادية، لذلك رد قوم هود رداً بارداً فيه قلة حياء ووقاحة ما فيه (قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ*إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ*وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) رد عليه قومه الأمر يستوي عندنا، تذكيرك لنا وتخويفك إيانا وعدم كلامك، فلن نؤمن بك ولن نرجع عما نحن عليه من الباطل، ليس هذا إلا دين الأولين وعاداتهم وأخلاقهم، ولسنا بمعذبين وتجرؤا فاستمروا على تكذيب نبيهم هود عليه السلام، فأهلكهم الله بسبب تكذيبهم بالريح العقيم التي سلطها عليهم أسبوعاً إستأصلتهم فلم تبق منهم بقية، وفي إهلاكهم عبرة لأن أكثرهم ما كانوا مؤمنين، ولكن رحمة الله تداركت بقية الخلق فجعلت في مساكنهم خيراً للأجيال الآتية التي لم تذنب، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الله جل جلاله يعذب خلقه برحمة وينتج عن عذابهم فوائد عاجلة وآجلة، فهو الرحيم حقاً وصدقاً (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) من فوائد الآيات:
  • 1- أفضلية أهل السبق للإيمان حتى ولو كانوا فقراء أو ضعفاء.
  • .2- إهلاك الظالمين وإنجاء المؤمنين سنة إلهية.
  • 3- خطر الركون إلى الدنيا.
  • 4- تعنت أهل الباطل وإصرارهم عليه.
ولما أتم الحديث عن قوم هود ومواطنهم جنوبي جزيرة العرب، ناسب أن يتحدث عن قوم صالح في شمال مكة، قريباً من حدود المملكة الحاضرة مع الأردن فقال:(كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ*إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ*وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) كذبت ثمود رسل الله لتكذيبهم صالح عليه السلام حين قال لهم أخوهم في النسب لأن صالحاً من نفس القبيلة، ألا تتقون الله بترك عبادة غيره فتخافونه، إني لكم رسول أمين فيما أبلغكم عن الله لا أزيد عليه ولا أنقص منه، فإذا كانت رسالتي كاملة شاملة فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب ما نهاكم عنه، وأطيعوني فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه، وما أطلب منكم ثواباً على ما أبلغكم من ربي، ليس ثوابي إلا على الله رب المخلوقات لا على غيره، إنها دعوة الرسل كل الرسل يدعون إلى منهج واحد وعقيدة واحدة، إن اختلفت في الفروع فأصولها ثابتة، إنه الإيمان بالله إلاهاً واحداً لا شريك له، والإيمان بالنبوة والرسالة، والإيمان باليوم الآخر يوم الحساب والجزاء أو العقاب (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ*فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ) أتطمعون أن تتركوا فيما أنتم فيه من الخيرات والنعم العظيمة لا تخافون، ثم ذكر شيئاً من الخيرات التي كانوا فيها في بساتين مليئة بالخيرات وعيون جارية، وزروع ونخل ثمرها ليّن نضج، وتقطعون الجبال لتصنعوا بيوتاً تسكنونها وأنتم ماهرون في نحتها (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ) فماذا كان جواب قومه وبماذا أمرهم؟ هل قبلوا دعوته وخضعوا لرسالته؟ هذا ما سأبينه بعد، فاللهم نور الأبصار ووفقنا لطاعتك. يتضح من ذلك أن القرآن يخاطب العقل فيدعوه إلى التفكر والتدبر، ويقيم له الحجة بعد الحجة ليصرفه عن باطله ويثبته على الحق، لأن كثيراً من الناس قد لا تقنعه الأدلة المادية على ما سأبينه في قوم صالح.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة