الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

آيات في آية  
سورة الشعراء   الآيات 1 - 68


مقاصد السورة مواجهة المصرين على التكذيب بالرسول صلى الله عليه وسلم، الطاعنين برسالته وتوهين شأنهم، ذكر فيها قصة موسى ابتداءً فقال:(طسم*تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ*لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) استفتحها بالحروف المقطعة، على غرار ما فعل في سورتي البقرة وآل عمران وص ويونس وهود، ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر، ومريم وغيرها من السور، وفي كل هذه الأماكن أتبع الحروف المقطعة بذكر آيات الكتاب أو الكتاب أو القرآن، أو ما يدل على ذلك، ليدل على أن هذه الحروف فيها معنى التحدي والإعجاز، ذلك أن آيات القرآن المبيّن للحق من الباطل، والهدى من الضلال، والخير من الشر، لعلك أيها الرسول بحرصك على هدايتهم قاتلٌ نفسك حزناً عليهم وحرصاً على هدايتهم، ورغبةً في إيمانهم (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ*وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ*فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون) إن نشأ إنزال آية عليهم من السماء أنزلناها عليهم فتظل أعناقهم خاضعة لها ذليلة، لكنا لم نشأ ذلك إبتلاءً لهم أيؤمنون بالغيب، وما يجيء هؤلاء المشركين من تذكير محدث إنزاله من الرحمن بحججه الدالة على توحيد الله وصدق نبيه إلا أعرضوا عن سماعه والتصديق به، فقد كذبوا بما جاءهم به رسولهم فسيأتيهم تحقيق أنباء ما كانوا به يسخرون، ويحل عليهم العذاب حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، فقد كذبوا بما جاءهم به رسولهم فسيأتيهم تحقيق أنباء ما كانوا به يسخرون ويحل عليهم العذاب فلا ينجون منه، ولما كان هذا إخباراً بالغيب ناسب أن يقيم لهم الأدلة الحسية التي تلزمهم باتباع الحق، فلفت نظرهم أولاً إلى الأرض (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ*إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أَبقيَ هؤلاء مصرون على كفرهم فلم ينظروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل صنف من أصناف النبات، حسن المنظر، كثير المنافع، طيب الطعم، إن في إنبات الأرض أنواعاً مختلفة من النبات لدلالة واضحة على قدرة من أنبتها على إحياء الموتى، وما كان معظمهم مؤمنين، وإن ربك – أيها الرسول – لهو الغالب الذي لا يغلبه أحد الرحيم بعباده، ثم بدأ بذكر قصة موسى فقال:(وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ*قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ*قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ*وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ*وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ) اذكر أيها الرسول حين نادى ربك موسى آمراً إياه أن يذهب إلى القوم الظالمين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها، كفروا بالله وعبدوا فرعون واستعبدوا قوم موسى، ولما كان في قوله (القوم الظالمين) نوع إبهام، ناسب أن يفسّر ذلك فأبدل منه قوم فرعون، عليه أن يأمرهم برفق ولين بتقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لأنهم لا يعرفونه أو ربما لا يصدقونه، إذ كان فيهم وفرّ منهم، لذلك عبّر عن كوامن نفسه فقال موسى عليه السلام إني أخاف أن يكذبوني فيما أبلغهم به عنك، ويضيق صدري لتكذيبهم إياي، وينحبس لساني عن الكلام لأني عصبي المزاج فإذا كذّبت إنفعلت، وإذا انفعلت ربما عجزت عن الكلام أو تلعثمت به، إذا كان كذلك فأسألك أن ترسل جبريل عليه السلام إلى أخي هارون ليكون معيناً لي، فيساندني، يشد من أزري، يقوي معنوياتي ويشهد برسالتي، ويثبت معي في مواجهة القوم، لأن الإثنين أقدر على محاربة الباطل من الواحد، ثم إني أخاف منهم أن يقتلوني بسبب قتل القبطي فيقتلونني به، رد الله مقالته بالحجة ووجهه بعد أن حقق له أمنيته (قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ*فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ*أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)قال كلا، رد الله على موسى مقالته، كلا لن يقتلوك، حقق له أمنيته التي طلبها، وثبته وأمره أن يذهب وأخوه هارون بآياته الدالة على صدقهما، وطمأنه أنه جل جلاله معهما بالنصر والتأييد يستمعون لما تقولون لفرعون ولما يقوله لكما لا يفوت الله من ذلك شيء، ثم أمرهم أن يأتيا فرعون برسالة موجزة، إنا رسولان إليك من رب المخلوقات كلها، أن ابعث معنا بني إسرائيل، اتركهم يعودوا إلى بلادهم يتفرغوا لشأنهم، ولا تتسلط عليهم فتحبسهم عندك، لا يدري فرعون ما يجيب موسى، فالرسالة واضحة والحجة قائمة، فحاد عن الجواب إلى جواب آخر يريد أن يشوه صورة موسى ويمن عليه بإحسانه إليه، ويذكره بفعله القبيح (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ*وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) قال فرعون لموسى عليه السلام ألم نربك لدينا في بيتنا صغيرا، ومكثت فينا من عمرك سنين، فما الذي دعاك إلى ادعاء النبوة بعد أن فعلت أمراً عظيما حين قتلت القبطي إنتصاراً لرجل من قومك، وأنت من الجاحدين لنعمتي عليك، اعتبر أنه أنعم على موسى ورباه تربية صالحة وأحسن إليه، فليس من حقه أن يدعوه إلى الإيمان بالله ويفسد عليه تألهه واستعباده لبني إسرائيل، من فوائد الآيات:

  • 1- حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على هداية الناس.
  • 2- إثبات صفة العزة والرحمة لله.
  • 3- أهمية سعة الصدر والفصاحة للداعية.
  • 4- دعوات الأنبياء تحرير من العبودية لغير الله.
  • 5- إحتج فرعون على رسالة موسى بوقوع القتل منه عليه السلام، فأقر موسى بالفعلة مما يشعر بأنها ليست حجة لفرعون بالتكذيب.
وهنا ناسب أن يرد موسى على فرعون رداً مفحماً لفرعون، معترفاً بذنبه تائباً منه، مبيناً السبب الذي دفعه إلى ذلك، ثم احتج على فرعون بأبلغ حجة على ما سترى (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ*فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ*وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) قال موسى عليه السلام لفرعون معترفاً بذنبه قتلت ذلك الرجل وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني الوحي، فهربت منكم بعدما قتلته إلى قرية مدين لما خفت من قتلكم إياي به، فأعطاني ربي علماً وصيرني من رسله الذين يرسلهم إلى الناس، وتربيتك لي دون أن تستعبدني مع استعبادك بني إسرائيل نعمة تمن بها علي بحق، إلا أن ذلك لا يمنعني من دعوتك امتثالاً لأمر الله وطاعةً له، فإن أحسنت إلي فقد استعبدت قومي وأهلي وهذا خطأ كبير (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) قال فرعون لموسى عليه السلام ما رب المخلوقات الذي زعمت أنك رسوله، قال موسى (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ) قال موسى مجيباً فرعون رب المخلوقات هو رب السموات والأرض ورب ما بينهما إن كنتم موقنين أن لهذا العالم رباً فاعبدوه وحده ولا تعبدوا معه غيره (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ) رد فرعون لمن حوله من سادة قومه يستعديهم ألا تستمعون إلى جواب موسى وما فيه (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ) قال لهم موسى الله ربكم ورب آبائكم السابقين (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) قال فرعون إن الذي يزعم أنه رسول إليكم لمجنون لا يعي كيف يجيب، ويقول ما لا يعقل (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) قال موسى الله الذي أدعوكم إليه هو رب المشرق ورب المغرب ورب ما بينهما إن كانت لكم عقول تعقلون بها فافهموا ذلك وآمنوا به (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) قال فرعون لموسى بعد عجزه عن محاجته لإن اتخذت معبوداً غيري لأصيرنك من المسجونين (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ) قال موسى لفرعون أتصيرني من المحبوسين ولو جئتك بما يبيّن صدقي فيما جئتك به من عند الله، آية أو معجزة تدل على ذلك (قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) قال فأت بما ذكرت أنه يدل على صدقك إن كنت من الصادقين فيما تدعي (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ) فرمى موسى عصاه في الأرض فانقلبت فجأةً ثعباناً واضحاً للعيان حقيقياً لا لبس فيه (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ) وأدخل يده في جيبه غير بيضاء فأخرجها بيضاء بياضاً نورانياً لا بياض برص يشاهده الناظرون كذلك (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) قال فرعون لسادة قومه من حوله إن هذا – يعني موسى – لساحر عليم بالسحر ماهر به متقن له (يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) يريد بسحره أن يخرجكم من أرضكم فما رأيكم فيما نتخذه في شأنه (قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) قالوا له أخره وأخّر أخاه ولا تبادر بعقوبتهما وأرسل في مدائن مصر من يجمع لك السحرة (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) يأتوك بكل سحّار ماهر في السحر، عليم بأصوله وفصوله قادر على الوقوف في وجه موسى ومقاومة سحره (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ*وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ*لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ) فجمع فرعون سحرته لمباراة موسى في مكان وزمان محددين، قال في طه يوم العيد ضحى، وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لتروا الغالب أهو موسى أم السحرة؟ رجاء أن نتبع السحرة في دينهم إن كانت الغلبة لهم على موسى، ولم يذكر الطرف الآخر ماذا سيفعل إن كانت الغلبة لموسى، إمعاناً في الجهل وثقة بالباطل ومخالفةً للحق، من فوائد الآيات:
  • 1- أخطاء الداعية السابقة والنعم التي أنعم بها عليه لا تعني عدم دعوته لمن أخطأ بحقه أو أنعم عليه.
  • 2- اتخاذ الأسباب للحماية من العدو لا ينافي الإيمان والتوكل على الله.
  • 3- دلالة مخلوقات الله على ربوبيته ووحدانيته.
  • 4- ضعف الحجة سبب من أسباب ممارسة العنف.
  • 5- إثارة العامة ضد أهل الدين أسلوب الطغاة.
(فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) فلما جاء السحرة إلى فرعون ليغالبوا موسى قالوا له: هل لنا جزاء مادي أم معنوي إن كانت الغلبة لنا على موسى؟ (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) قال لهم فرعون نعم لكم جزاء وإنكم في حال فوزكم عليه لمن المقربين عندي أعطيكم المناصب الرفيعة وأقدركم في المجالس مرة أخرى، لم يلتفت فرعون إلى الإحتمال الآخر، إنتصار موسى عليه السلام وغلبته السحرة، وقديماً قالوا من مأمنه يؤتى الحذر، فقد كان القضاء عليه من حيث لم يتوقع ولا حسب له حساب (قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ) قال موسى واثقاً بنصر الله ومبيناً أن ما عنده ليس سحراً، ألقوا ما أنتم ملقون من حبالكم وعصيكم، لتروا رأي عين معجزة حسية تفحمكم وتلزمكم الحجة (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) قالوا عند إلقائهم حبالهم وعصيهم بعظمة فرعون إنا لنحن الغالبون وموسى المغلوب، هكذا أهل الضلال لا يفكرون ولا ينظرون أبعد من أنفهم (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) فلما ألقى موسى بعصاه إنقلبت حيةً حقيقية وسارعت تبتلع ما يموهون به على الناس من السحر، فلما رأى السحرة ما كان من أمر العصا علموا علماً يقينياً أنه ليس سحراً ولكنه معجزة لموسى، وأنها أبعد ما يكون عن السحر، عندها خروا ساجدين لله الواحد القهار (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ*قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ*رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) آمن السحرة بنبوة موسى واعترفوا أن له رباً يعطي ويمنع، يضر وينفع، بيده الأمر وله الحكم، وأعلنوها في وجه فرعون إنهم مؤمنون برب العالمين رب موسى وهارون. جُن جنون فرعون وأخذ الغضب منه كل مأخذ، ورد عليهم إيمانهم قائلاً (قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) هكذا الطاغية إذا هزم جن، فرد على مخالفيه منكراً إيمانهم أآمنتم بموسى قبل أن آذن لكم، إن موسى لهو كبيركم الذي علمكم السحر وقد تآمرتم جميعاً عليّ، تريدون إخراج أهل مصر من مصر، فلسوف تعلمون ما أوقعه بكم من عقاب، فو الله لأقطعن رجل كل واحد منكم ويده مخالفاً بينهما، بقطع الرجل اليمنى مع اليد اليسرى، أو الرجل اليسرى مع اليد اليمنى، ولأصلبنكم اجمعين على جذوع النخل لا أستبقي منكم احدا، رد السحرة واثقين بالله معتمدين عليه (قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ) لا ضير فيما تهددنا به من القطع والصلب في الدنيا، فعذابك يزول ونحن إلى ربنا منقلبون، وسيدخلنا في رحمته الدائمة (إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) إننا نرجوا أن يمحوا الله عنا خطايانا السابقة التي ارتكبناها لأجل أن كنا أول من آمن بموسى وصدّق به، وطوى جانباً من القصة وهو ما كان من أمر فرعون وقومه مع بني إسرائيل، وما أنزل الله بقوم فرعون من البلاء لينتقل إلى خروج موسى من مصر فقال:(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ) وأوحينا إلى موسى آمرين إياه أن يخرج ليلاً ببني إسرائيل، فإن فرعون ومن معه متبعوهم ليردوهم إلى مصر، عبيداً يخدمونهم على ملئ بطنهم (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ*إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ*وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ*وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ) فبعث فرعون في المدائن جامعين يجمعون الجيش ليردوا بني إسرائيل لما علموا بمسيرهم من مصر، قال فرعون مقللاً من شأن بني إسرائيل، إن هؤلاء لطائفة قليلة خرجت من أرضنا وإنهم لفاعلون فعلاً يغيظنا عليهم، وإنا لمستعدون لهم متيقظون قادرون على ردهم رغم أنفهم (فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) فأخرجنا فرعون وقومه من أرض مصر ذات الحدائق الغناء والعيون الجارية بالماء، وذات خزائن المال والمساكن الحسنة، وكنوز ومقام كريم، وهكذا بعد أن كان قوم فرعون أعزاء في بلادهم، أغنياء بما رزقهم الله، أخرجهم الله من مصر إلى البحر ليموتوا فيه فقراء ضعفاء مشردين (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ*فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ) كما أخرجنا فرعون وقومه من هذه النعم صيرنا جنس تلك النعم من بعدهم لبني إسرائيل في بلاد الشام، عاقب الله بني إسرائيل أول الأمر بإذلالهم في مصر وأعز فرعون وقومه، لكن لما طغى فرعون إنتقم الله منه فأخرجه من مصر وعاد الخير لبني إسرائيل بعده، فسار فرعون وقومه في إثر بني إسرائيل، في وقت شروق الشمس (فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ*قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) فلما تقابل فرعون وقومه مع موسى وقومه بحيث صار يرى كل فريق الفريق الآخر، قال أصحاب موسى إن فرعون وقومه سيلحقوننا ولا قبل لنا بهم، قال موسى كلا ليس الأمر كما تصورتم فإن معي ربي بالتأييد والنصر سيرشدني ويدلني إلى طريق النجاة (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ*وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ*وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ*ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ) فأوحينا إلى موسى آمرين إياه أن يضرب البحر بعصاه فضربه فانشق البحر، وتحول اثني عشر مسلكاً بعدد قبائل بني إسرائيل، فكانت كل قطعة منشقة من البحر مثل الجبل العظيم بالضخامة والقوة والثبات لا يسيل منها ماء، وقربنا فرعون وقومه حتى دخلوا البحر ظانين أن الطريق سالك، وأنقذنا موسى ومن معه من بني إسرائيل فلم يهلك منهم أحد، ثم أهلكنا فرعون وقومه بالغرق في البحر (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) إن في انفلاق البحر لموسى ونجاته وإهلاك فرعون وقومه لآية دالة على صدق موسى، وما كان أكثر من مع فرعون بمؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الغالب الذي لا يغلب، الذي ينتقم من أعدائه الرحيم بمن تاب منهم. هكذا انتهت قصة موسى مع قومه، وهكذا نجاه الله ومن معه من المؤمنين، وأهلك أعداءه، فالله غالب لا راد لحكمه قادرٌ لا يعجزه شيء، فاللهم نصرك ورحمتك، وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة