الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الفوز لمن؟!  
سورة الفرقان   الآيات 34 - 77


لما قرر فيما سبق أنه الحامي للقرآن، المدافع عنه، يرد شبه المعاندين ويكشف زيف المخادعين، ناسب أن يتحدى الكافرين ويهددهم فقال:(الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا) الذين يساقون يوم القيامة مسحوبين على وجوههم إلى جهنم، أولئك شرٌ مكاناً لأن مكانهم جهنم، وأبعد طريقاً عن الحق لأن طريقهم طريق الكفر والضلال، ولما كان من حق الناس أن تقام عليهم الحجة ويبين لهم الحق بالدليل ناسب أن يذكر جماعةً من الأنبياء تولوا بيان الحق ونشره ونصره والوقوف إلى جانبه، إلى أن ظهر واضحاً جلياً وخذل أعداؤه، وذكر من أولئك موسى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا*فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا) أعطينا موسى التوراة وحياً متلواً، وصيرنا معه أخاه هارون رسولاً أو وزيراً ليكون له معيناً، فقلنا لهما إذهبا إلى فرعون وقومه الذين كذبوا بآياتنا، فامتثلا أمرنا وذهبا إليهم، فدعوهما إلى توحيد الله، فكذبوهما فأهلكناهم إهلاكاً شديدا، هكذا لخص القصة فذكر مفاصلها الرئيسية وأجملها بناءً على ما سبق، ولما كان موسى من أولاد نوح ناسب أن يذكر بعد الإبن أباه فقال:(وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا) وقوم نوح لما كذبوا الرسل سمى نوحاً رسلاً وهو واحد لأنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وعلى طول هذه المدة لم ينتفعوا ولا ارتدعوا بل أصروا على باطلهم فأغرقهم الله في البحر وصار إغراقهم دليلاً على قدرته على استئصال الظالمين في الدنيا، وأعد للظالمين يوم القيامة عذاباً أليما، ثم ذكر (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا*وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) ذكر أنه أهلك عاداً قوم هود، وثمود قوم صالح، وأصحاب البئر وأهلك أمماً كثيرة بين هؤلاء الثلاث، وكل أمة من هؤلاء المهلكين، بين لهم إهلاك الأمم السابقة وأسبابه ليتعظوا، ثم أهلكم إهلاكاً شديداً لكفرهم وعنادهم (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا) ولقد أتى المكذبون من قومك في ذهابهم -إلى الشام- على قرى قوم لوط التي أمطرت بالحجارة، عقاباً لها على فعل الفاحشة ليعتبروا، أفعموا عن هذه القرية فلم يكونوا يشاهدونها، لا بل كانوا لا يتوقعون بعثاً يحاسبون بعده على أعمالهم (وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا*إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا) وإذا قابلك -أيها الرسول- هؤلاء المكذبون، سخروا منك قائلين على سبيل الإستهزاء والإنكار أهذا الذي بعثه الله رسولاً إلينا، لقد أوشك أن يصرفنا عن عبادة آلهتنا لقوة بيانه ووضوح حجته وثقته بدعوته، لولا أن صبرنا على عبادتها لصرفنا عنها بحججه الواضحة وبراهينه المقنعة، قال الله وسوف يعلمون حين يعاينون العذاب في قبورهم ويوم القيامة من أضل طريقاً أهم أم هو، وسيعلمون أيهم أشد خسارة وأمكن في الضلال، ترى لماذا لم يقبلوا الحق ويقبلوا على الرسول، مع اعترافهم له بالصدق وقوة البيان وقوة الحجة، ما ذاك إلا أنهم اتبعوا أهواءهم ولا أضل ممن ترك الحق واتبع هواه، لذلك جاء السؤال (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا) أخبرني عن حال من جعل هواه إلهاً فحكّمه ورضي بحكمه واتّبعه وسار وراءه، أتستطيع أنت أن تكون حافظاً له ترده إلى الإيمان وتمنعه من الكفر، ربما لو كان يسمع أو يعقل ولكن إذا فقد العقل من يقنعه ومن يردعه، ثم أضرب عن القضية الأولى إلى قضية ثانية فقال:(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا) بل أتظن أيها الرسول ومن بعده يا من قرأ القرآن وعكف على فهم معانيه، أتظن أن أكثر الذين تدعوهم إلى توحيد الله وطاعته يسمعون سماع قبول، أو يعقلون الحجج والبراهين، ليسوا إلا مثل الأنعام في السماع والتعقل والفهم، بل هم أضل طريقاً من الأنعام، لأنهم عطلوا جوارحهم وإحساسهم وعقلهم، من هنا كان لابد للقرآن من أن يقيم الأدلة المقنعة، ينبّه الغافل ويعلّم الجاهل ويوقظ البعيد فقال:(أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا*ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا) الرؤيا قلبية، وخاطب هنا الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ورائه كل قارئ للقرآن، يلفت نظره إلى آثار خلق الله حين بسط الظل على وجه الأرض، ولو شاء أن يجعله ساكناً لا يتحرك لجعله كذلك، ثم صيّر الشمس دالة عليه يطول بها ويقصر، ثم قبض الظل بالنقص يتدرج شيئاً فشيئاً قبضاً قليلا، حسب ارتفاع الشمس وانخفاضها، وهكذا كان الظل دليلاً على بعض المخلوقات، دليل ثانٍ أشار إليه بقوله:(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) والله الذي صيّر لكم الليل بمنزلة اللباس يستركم ويستر الأشياء فلا ترون في الليل فتتم لكم الراحة والطمأنينة فتنامون فيه، تجددوا النشاط لتستأنفوا الحياة في اليوم التالي، فحين ينام الإنسان ينشط للعمل بعده، فيصبح قوياً نشيطاً قادراً على العمل يسعى إليه ويرغب فيه، دليل ثالث (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا*لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا*وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا) أنعم الله على الخلق بالماء ولا ينزل الماء من السماء حتى تتحرك الرياح فتجمع السحاب وترصه فوق بعضه البعض، تبشّر بنزول المطر الذي هو من رحمة الله بعباده، فالماء النازل من السماء طهورٌ أي طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، وهو أفضل أنواع الماء، يحيي الله بذلك الماء النازل من السماء أرضاً قاحلةً لا نبات فيها، بإنباتها بأنواع النبات وبث الخضرة فيها، ولنسقي بذلك الماء من خلق الله أنعاماً وبشراً كثيرا، ولما كان الماء يحيي الأجسام الحية وغير الحية، ناسب أن يذكر بعده القرآن الذي يحيي القلوب وينور البصائر ويجمع الكلمة ويوحد الصف، يقول ولقد بينا ونوعنا في القرآن الحجج والبراهين ليعتبروا بها، فأبى معظم الناس إلا كفوراً بالحق وتنكراً له، والدليل على أنه أراد بقوله (ولقد صرفناه) أي القرآن، (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا*فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) ولو شئنا لبعثنا في كل قرية رسولا ينذرهم ويخوفهم من عذاب الله، لكنا لم نشأ ذلك وإنما بعثنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى جميع الناس، لنجمع الناس على منهج واحد ونوجههم إلى هدف واحد، نقربهم من بعضهم البعض، ونثبت لهم الهدف بالدليل، فلا تطع الكفار فيما يطالبونك به من مداهنتهم وفيما يقدمونه من اقتراحات، وجاهدهم بهذا القرآن المنزل عليك جهاداً عظيماً، بالصبر على أذاهم وتحمل المشاق في دعوتهم، وهذه دعوة إلى الرسول وإلى من يسير سيرته في المجتمع، يثبته على الحق، يقوي يقينه، يصوب مساره، يقوِّم ما اعوج من أخلاقه، دليل آخر إليه الإشارة بقوله:(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا) والله سبحانه هو الذي خلط ماء البحرين، خلط العذب منهما بالمالح، وصيّر بينهما حاجزاً وستراً ساترا يمنعهما من التمازج، فلا المالح يطغى على الحلو فيجعله مالحاً ولا الحلو يطغى على المالح فيجعله حلواً، ولكن يبقى كل واحد على حاله التي خلقه الله عليها، وفي بيروت في قلب البحر عين ماء حلوة ماؤها عذب تخرج من قلب البحر، تنشر الماء العذب في مسافة كبيرة لا بأس بها، وسط الماء المالح، تريست بمائها الحلو على الماء المالح فسميّت عين المريسة، وهذا معنى البرزخ والحجر المحجور، أي فاصل وحاجز يحجز بين المائين فلا يطغى أحدهما على الآخر، ولم ذكر الماء المعروف وذكر آية فيه، ناسب أن يذكر آية في ماء من نوع آخر هو ماء الإنسان فقال:(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا) وهو الذي خلق من مني الرجل والمرأة بشراً، ومن خلق البشر أنشأ علاقة القرابة وعلاقة المصاهرة، وكان ربك أيها الرسول قديراً لا يعجزه شيء، ومن دلائل قدرته خلق الإنسان من مني يمنى، فهل خضع الخلق له؟ هل أفردوه بالعبادة؟ هل وحدوه وناصروه ووقفوا معه يدفعون الظلم؟ يأتي الجواب (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) ويعبد الكفار من دون الله أصناماً لا تنفعهم إن أطاعوها ولا تضرهم إن عصوها، وكان الكافر تابعاً للشيطان على ما يسخط الله سبحانه وتعالى عليه، من فوائد الآيات:

  • 1- إنحطاط الكافر إلى مستوى دون مستوى الحيوان بسبب كفره بالله.
  • 2- ظاهرة الظل آية من آيات الله الدالة على قدرته.
  • 3- تنويع الحجج والبراهين أسلوب تربوي ناجح.
  • 4- الدعوة بالقرآن من صور الجهاد في سبيل الله.
ولما قدم الأدلة ناسب أن يلفتنا إلى موضوع الرسالة، إذ كانت الآيات تدور حول موضوع العقيدة بين الإلهيات والنبوات والسمعيات، ولما ذكر السمعيات ناسب أن يعرض إلى الرسالة فيبين الغرض من إرساله وما يثبت ذلك وما الفائدة من إرسال الرسل فقال:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا*قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا) ما أرسلناك أيها الرسول إلا لتبشر من أطاع الله بالإيمان والعمل الصالح، وتنذر من عصاه بالكفر والعصيان، ويكون ذلك دأبك لا تطلب منهم أجراً على هذا العمل تؤديه حسبة، قل لهم أيها الرسول لا أسألكم على تبليغ الرسالة من أجر أي أجر، إلا أني أبلغكم الطريق التي توصل من أراد أن يتخذ إلى مرضاة الله سبيلا، بالإنفاق على المحتاجين والفقراء وبذل جهده في نصر الدين ونشره والدفاع عنه، ليكن اعتمادك كله على الله (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) توكل أيها الرسول في جميع أمورك على الله الحي الباقي الذي لا يموت أبدا، ونزهه مثنياً عليه سبحانه، وكفى به بذنوب عباده خبيرا لا يخفى عليه منها شيء وسيجازيهم عليها، والدليل على سعة علمه وعظيم قدرته قوله تعالى:(الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) الله الذي خلق السموات وخلق الأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، تعبير أطلقه الله في غير ما موضع، ليدل به على أن أعظم المخلوقات لا زال خاضعاً له وسيبقى، وفيه تعريض بابن آدم الذي تمرد على طاعة مولاه، وإنما قال الرحمن لينبه على سعة رحمته التي عم بها البر والفاجر، والمطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، فاسأل به أيها الرسول خبيراً هو الله الذي يعلم كل شيء، لا يخفى عليه شيء، وإنما قلت يعرض بابن آدم للآية الآتية التي تدل على أن ابن آدم يعرض عن الخضوع لله، يظن نفسه أهلاً للتعالي على الله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا) وإذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن قالوا لا نسجد للرحمن، ما الرحمن لا نعرفه ولا نقر به، أنسجد لما تأمرنا بالسجود له ونحن لا نعرفه، وزادهم أمره لهم بالسجود بعداً عن الإيمان بالله. ولما قرر ذلك ناسب أن ينزه الله، فيذكر صفتين من صفات الجمال فقال:(تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا) تبارك الذي جعل في السماء منازل للكواكب والنجوم السيارة، وجعل في السماء شمساً تشع النور، وجعل فيها قمراً ينير الأرض بما يعكسه من ضوء الشمس (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) وهو الذي صيّر الليل والنهار متعاقبين يعقب أحدهما الآخر ويخلفه، لمن أراد أن يعتبر بآيات الله فيهتدي، أو أراد شكر الله على نعمه، ولما عرف عباد الرحمن الله معرفة حقيقية بالأدلة التي نصبها لهم، والبيان الذي بينه، ناسب أن يختم السورة بالثناء عليهم والإشادة بهم فقال:(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) لما ذكر الله الكفار المعرضين عن الإيمان بالله، ذكر صفات عباده الصالحين المقبلين على طاعته فقال وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض بوقار متواضعين، وإذا خاطبهم الجهال لم يقابلوهم بالمثل بل يقولون لهم قولاً معروفاً لا يجهلون فيه عليهم (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) يبيتون لربهم ساجدين على جباههم وقائمين على أقدامهم يصلون لله خائفين راجين (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا*إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) والذين يقولون في دعائهم لربهم ربنا أبعد عنا عذاب جهنم إن عذاب جهنم كان دائماً ملازماً لمن مات كافرا، إنها ساءت مكان استقرار لمن استقر فيها، وساءت مقاماً لمن يقوم فيها، لما فيها من أنواع العذاب (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) والذين بذلوا أموالهم لم يصلوا في بذلهم إلى حد التبذير، ولم يضيقوا في بذلها على من تجب عليهم نفقته من أنفسهم أو غيرها، وكان إنفاقهم بين التبذير والتقتير عدلاً وسطا، من فوائد الآيات:
  • 1- الداعي إلى الله لا يطلب الجزاء من الناس.
  • 2- الرحمن اسم من أسماء الله لا يشاركه فيه أحد قط، دل على صفاته وهي الرحمة.
  • 3- إعانة العبد بتعاقب الليل والنهار على تدارك ما فاته من الطاعة في أحدهما.
  • 4- من صفات عباد الرحمن التواضع والحلم وطاعة الله عند غفلة الناس والخوف من الله وإلتزام التوسط في الإنفاق وفي غيره من الأمور.
  • 5- في ذكر العرش دليل على عظيم ملك الله وتنبيه إلى غفلة الناس عن مراعاة جنابه في تصرفاتهم.
ولما ذكر هذه المجموعة من صفات عباد الرحمن ناسب أن يبرئهم عن الأعمال القبيحة التي تخل بالإيمان وتؤثر عليه، ليحذرهم من الوقوع بها وينشطهم على مجالدة الكفار فقال:(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا*يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا*إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا*وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) وصف عباد الرحمن بأنهم الذين لا يدعون مع الله معبوداً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرّم الله قتلها إلا بما أذن الله به من قتل القاتل أو المرتد، أو الزاني المحصن، ومن يفعل هذه الكبائر يلقى يوم القيامة عقوبة ما ارتكبه من الإثم، يضاعف له العذاب يوم القيامة لأن من يقدم على الحرام عامداً متعمداً عالماً أنه حرام يعذّب ويخلّد في العذاب ذليلا حقيرا، لكن من تاب إلى الله وآمن وعمل عملاً صالحاً يدل على صدق توبته فأولئك يبدّل الله ما عملوه من السيئات حسنات وكان الله غفوراً لذنوب من تاب من عباده رحيماً بهم، ومن تاب إلى الله ودلل على صدق توبته بفعل الطاعات وترك المعاصي، فإن توبته توبة مقبولة، وهكذا بين أن عباد الرحمن ليسوا ملائكة لا يخطؤون ولكنهم أولياء يخطئون فيسارعون إلى التوبة والإنابة، يقبلون على الله يرجون رحمته ويخافون عذابه، ثم بين أن من صفات عباد الرحمن الذين لا يشهدون الزور (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) والذين يحضرون الباطل كمواطن المعاصي والملاهي المحرمة، وإذا مروا باللغو الساقط من الأقوال والأفعال مروا مروراً عابراً مكرمين أنفسهم بتنزيهها عن مخالطته، لا يلوثون آذانهم بسماع الباطل ولا أعينهم برؤيته، ولا يتعاطون أسبابه (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) والذين إذا ذكروا بآيات الله المسموعة والمشهودة لم يصموا آذانهم عن سماعها ولم يعموا أبصارهم عن رؤيتها، ولم يقفلوا قلوبهم عن التفكر فيها، ثم ختم أوصافهم بذكر دعائهم الذي يصلح الدنيا والآخرة، ليخلص منه إلى بيان جزائهم فقال:(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا*أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا*خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) والذين يقولون في دعائهم لربهم ربنا اعطنا من أزواجنا ومن أولادنا من يكون قرة عين لنا لتقواه واستقامته على الحق، وصيرنا للمتقين أئمة في الحق يقتدى بنا، أولئك المتصفون بهذه الصفات يجزون الغرفات العالية في الفردوس الأعلى من الجنة، بسبب صبرهم على طاعة الله، ويلقون فيها من الملائكة تحية وسلاماً يسلمون فيها من الآفات والعذاب، ماكثين فيها أبدا حسنت مكان استقرار يستقرون فيه ومكان مقام يقومون فيه (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) قل أيها الرسول للكفار المصرين على كفرهم، ما يبالي بكم ربي لنفع يعود إليه من طاعتكم لولا أن له عباداً يدعونه دعاء عبادة ودعاء مسألة، لما بالى بكم فقد كذبتم الرسول فيما جاءكم به من ربكم، فسوف يكون جزاء التكذيب ملازماً لكم، من فوائد الآيات:
  • 1- من صفات عباد الرحمن البعد عن الشرك وتجنب قتل الأنفس بغير الحق، والبعد عن الزنا، والبعد عن الباطل والإعتبار بآيات الله والدعاء.
  • 2- التوبة النصوح تقتضي ترك المعصية وفعل الطاعة.
  • 3- الصبر سبب دخول الفردوس الأعلى من الجنة.
  • 4- غنى الله عن إيمان الكفار، لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، يدعو الناس إلى ما فيه مصلحة لهم ليردهم عن باطلهم فيصوب مسارهم ويسدد طريقهم.
فاللهم وفقنا وخذ بنواصينا إليك، دلنا بك عليك.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة