الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

عقيدة الرسل واحدة  
سورة الأنبياء   الآيات 1 - 35


نزلت سورة الأنبياء لتبيّن للناس أن الرسل على مر الزمان وتوالي الأيام يدعون إلى شيء واحد، إلى الإيمان بالله الواحد واليوم الآخر، ولما قال في آخر سورة طه (قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) ناسب أن يبيّن من اهتدى وخير من اهتدى باتفاق العقلاء هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما كان الناس منهمكين في تحصيل منافعهم الشخصية العاجلة ناسب أن يضغط عليهم فيذكرهم بمنافع من نوع آخر ويوقظهم من غفلتهم، فاستفتح البيان ب(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ) قال عليه الصلاة والسلام:"بعثت والساعة كهاتين" فاقتراب الحساب كناية عن تحقق وقوعه وأنه آت لامحالة، ولما كان الإنشغال بغير المطلوب يشغل عن المطلوب ناسب أن يصفهم بأنهم في غفلة، تركوا ما يجب عليهم وأقبلوا على ما ضمنه الله لهم، فإن أردت دليلاً فهو حالهم في التنكر للحق ومخالفة أمره (مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) المراد بالذكر القرآن، والمحدث بالنسبة للنزول وإلا فالقرآن عبارة عن الكلام القديم، ونزول القرآن يوجب عليهم الإقبال عليه والإستماع له والتفكر فيه، وأن يكون سماعهم سماع قبول وحالهم على خلاف ذلك، يستمعون القرآن وهم يلعبون غير مبالين بما فيه من الوعد والوعيد والزواجر والأخبار، ولو أنهم فرغوا قلوبهم وأعملوا عقولهم لانتفعوا، لكن لما لم يفعلوا خابوا ووقعوا في المحظور (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ) فقلوبهم منشغلة بالتوافه عن الجوهر وبالأباطيل عن الحق وبمصالحهم العاجلة عن الإقبال على فهم القرآن، والإيمان به والدعوة إليه، لكن قلوبهم إنشغلت بالأباطيل والبحث عن السبيل الذي يشكك الناس في أن مصدر القرآن إلهيٌ، واختراع أكاذيب لصرف الناس عنه، لأنهم أشركوا بالله غيره، ذكر القرآن طرفاً من مناجاتهم، يتساءلون أليس محمد بشر مثلكم؟! فما الذي أهله لأن يكون الرسول هو لا أنتم، وإنما قالوا ذلك لفرط جهلهم فإن ميزة محمد صلى الله عليه وسلم أنه يوحى إليه، وأن الله اختاره ليكون رسوله إلى الناس كافة، إلا أن القوم لا يريدون أن ينتفع بالقرآن أحد، لذلك جعلوه سحراً أو نوعاً من السحر.
كان الرسول واعياً لما يدور حوله، قادراً على رد الشبهة بالحجة (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فالله جل جلاله لا تخفى عليه خافية، كانت قريبة أو بعيدة ظاهرة أو خفيّة، ولكن أهل الباطل يتحكمون في باطلهم ليزعجوا الرسول ويصرفوه عن الحق، فنسبوا القرآن إلى السحر أولاً ثم نسبوه إلى أنه أضغاث أحلام، أي خيالات وأوهام أو هو كلام اخترعه محمد ونسبه إلى الله ترويجاً له، ولربما كان شاعراً بارعاً، المهم أن لا يثبتوا له النبوة، لذلك طلبوا أن يأتيهم بآية كما أرسل الأولون (بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ) ترددوا بشأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فتارةً قالوا أحلام مختلطة لا تفسير لها، وتارةً قالوا بل اخترعه محمد من غير أن يكون الله أوحى له به، واتهموه ثالثةً بأنه شاعر، وطلبوا إليه رابعةً أن يأتيهم بمعجزة تؤكد صدقه وترشد إليه، وليأتنا بمعجزة كمثل عصا موسى وناقة صالح، يأتي الجواب الإلهي (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) إن الذين تقدموا طلبوا الآيات فلما جاءت أعرضوا عنها لماذا لا يكون حال هؤلاء كحال أولئك، يدل على هذا (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) حيث أدخل حرف العطف على همزة الإستفهام، وحذف المعطوف عليه، ألم يكفر غيرهم بالمعجزة فهم يؤمنون، فالناس هم الناس يطلبون ويعرضون، هدفهم إشغال الرسول وإتعابه بالطلبات الكثيرة، ولما كان الرسل من الذكور فكانوا بشراً كالبشر فرقٌ وحيد بينهم وبين سائر البشر يوحى إليهم، وكان السابقون عالمون بحال الرسل متأكدون من صدقهم، لذلك طلب إلى المسلمين أن يستشهدوا الأمم السابقة (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ*وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) إن المتتبع لتاريخ الرسل يجد أنهم رجال يوحى إليهم، لم يكونوا ملائكة ولا أشخاصاً متميزين إلا بالوحي، فإن كنت في شك من هذا فاسأل أهل العلم بالتاريخ تجد الجواب، وكلام الله تعالى خير دليل وخير شاهد، لم يجعل الله الرسل الذين أرسلهم ذوي جسد ضخم لا يأكلون الطعام ولم يجعلهم مخلدين لا يموتون، بل كان الرسل من البشر يجوز في حقهم ما كان يجوز في البشر من الأكل والنوم والعمل والزواج، ثم يموتون كما يموت سائر الناس.
ثم حقق الله للرسل ما وعدهم به فأنقذهم وأنقذ المؤمنين ومن شاء من الهلاك، وأهلك المتجاوزين للحد لكفرهم بالله وارتكابهم المعاصي (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) ثم أخبر الله الناس أنه أنزل إليهم القرآن فيه شرف للناس وفخر إن صدقوا به وعملوا بما فيه، أتعلمون ذلك فلا تسارعون إلى الإيمان به والعمل بما تضمنه! (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) في الآيات فوائد:

  • 1- قرب القيامة ما يستوجب الإستعداد لها.
  • 2- إذا اشتغلت القلوب باللهو صرفت عن الحق.
  • 3- علم الله بما يصدر عن عباده من قول أو فعل أحاط الله به لا يخفى عليه منه شيء.
  • 4- اختلاف المشركين في موقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على تخبط واضطراب.
  • 5- إن الله مع رسله والمؤمنين بالتأييد والعون على الأعداء.
  • 6- القرآن شرف وعز لمن آمن به وعمل به.
ولما كانت القصة غير المشخّصة عظيمة الأثر في النفس ناسب أن يعمد القرآن إليها، ينير بها الطريق ويقيم الحجة ويوضّح المسألة ويدعو الناس بالقدوة، فإن الدعوة بالقدوة أبلغ في التأثير من الدعوة بالكلمة، فها هو يخبرنا أنه أهلك كثيراً من القرى بسبب ظلمها وكفرها بالله وخلق بعدها قوماً آخرين، لكنهم لم يعتبروا ولم ينتفعوا ولم ينظروا في التاريخ ولا اعتبروا به، وعندما حان وقت إهلاكهم وشاهدوا عذاب الإستئصال إذا هم يهربون من قريتهم، يجرون بعيداً علهم ينجون من العذاب (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ*فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ) ولما كان الحذر لا ينجي من القدر، ولما كان العذاب إذا نزل لا تنفع معه توبة ولا ينجو منه إلا من آمن قبل نزوله، وهؤلاء الهاربين ينادون يقال لهم لا تهربوا وارجعوا إلى ما كنتم فيه من التنعم بملذات الحياة الدنيا، ارجعوا إلى مساكنكم الفارهة رجاء أن تسألوا عن دنياكم فتبرروا خطأكم (لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ*قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) قال الظالمون معترفين بذنبهم يا هلاكنا ويا خسراننا إنا كنا ظالمين بسبب كفرنا بالله وإعراضنا عن أوامره وتركنا طاعته، وارتكابنا معاصيه، واستمروا على ذلك إلى أن ماتوا لأن اعترافهم لا يدفع العذاب ولا يمنع الهلاك ولو كرروه مائة مرة (فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ) ما زالوا يكررون اعترافهم بذنبهم ودعاءهم على أنفسهم بالهلاك، دعوتهم تلك التي يكررونها لم تنفعهم ولم تدفع عنهم حتى أهلكهم الله وصيّرهم كالزرع المحصود ميتين لا حراك بهم ولا حياة، ثم انطلق بنا القرآن يسلط الضوء على الحكمة من خلق العالم وتكليف الناس ووجود الحساب والثواب أو العقاب فقال:(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ*لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ*بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) يخبر الله في هذه الآيات أنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما لعباً وعبثاً، بل خلقهم للدلالة على قدرته، وإقامة الحجة على خلقه، فالأثر يدل على المؤثّر والعلة على المعلول، وهذا العالم شاهدٌ على خالقه أنه موجود متصف بكل كمال منزه عن كل نقص لا تخلو أفعاله عن حكمة، ولو أراد التسلية واللهو ما فعل، لأن أفعال الإله منزهة عن السفه واللهو والعبث، و"إن" هذه هي النافية بمعنى ما، بل نضرب الباطل بالحق الذي نوحي به إلى رسولنا فيصيب دماغه وينهيه، فإذا باطلهم ذاهب زائل، ولكم الويل أي الهلاك أيها القائلون باتخاذه صاحبة لوصفكم له بما لا يليق به، فهو الغني عن كل ما سواه (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ*يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) لما كان اتخاذ الصاحبة والولد يدل على الإفتقار، بيّن سبحانه وتعالى أنه مالك هذا الكون وأن كل ما فيه مملوك له وحده، وأن الملائكة المقربين لا يتكبرون عن عبادته ولا يتعبون منها، بل ليلهم ونهارهم يسبحون الله ولا يضعفون عن ذلك، يواظبون على تسبيح الله ولا يملون منها، ثم أضرب عن هذه القضية إلى قضية ثانية فقال:(أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ*لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ*لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) بل أتخذ المشركون آلهة من دون الله من الأرض، لا يحيون الموتى فكيف يتركون القوي الغني المحيي المميت ويعبدون عاجزاً عن ذلك!! ثم جاء بقضية منطقية فيها الدليل العقلي على استحالة أن يكون لهذا العالم إله غير الله، وصدّرها ب"لو"، لو كان في السموات والأرض معبودات متعددة لفسدتا بسبب تنازع المعبودات في الملك، والخلاف الواقع في ذلك، فإذا تسلط على الممكن قدرتان إحداهما تريد إيجاده والآخر إعدامه، إحداهما يريد إحياءه والآخر إماتته، فالقسمة العقلية تقتضي إحدى ثلاثة أمور:
  • 1- أن تتحقق إرادتهما وهذا مستحيل عقلاً لأن الممكن الواحد يصير موجوداً معدوماً حياً ميتاً متحركاً ساكنا وهذا محال، وما أدى إلى محال فهو محال فبطل الأمر الأول.
  • 2- الأمر الثاني أن لا تتحقق إرادة واحد منهما فيكون الإله غيرهما، وهما لا شيء.
  • 3- أن تتحقق إرادة واحد منهما وهو الإله والآخر لا شيء، وهذا الكون تتحقق فيه إرادة الله ولا تتحقق إرادة غيره، فالله هو الإله.
وهناك دليلٌ آخر أشار إليه القرآن، تعدد الآلهة يلزم منه الإختلاف وينتج عن الخلاف دمار الكون، فسلامة الكون تدل على أن الإله واحد، هو الله المتفرد في ملكه وقضائه لا يسأله أحد عما قرره وقضى به وهو يسأل عباده عن أعمالهم ويجازيهم عليها، ثم انتقل إلى قضية أخرى يرد بها تعدد الآلهة ويثبت أن الإله واحد وأن القرآن جامع للأدلة العقلية والنقلية، ومن يتدبره يصل إلى الإعتقاد أن الله منزله وأن محمداً رسوله (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ) بل أتركوه واتخذوا من دونه معبودات أجبهم أيها الرسول، هاتوا حجتكم على استحقاق هذه المعبودات التي عبدتم الألوهية، ما دليل استحقاقها، أهو عقلي أم نقلي، ما الدليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى الدليل على أن القرآن جامع للكتب التي تقدمته على جميع الرسل، بل معظم المشركين لا يستندون إلا إلى الجهل والتقليد، فهم معرضون عن قبول الحق، وفي الآيات فوائد:
  • 1- الظلم سبب في هلاك الأفراد والجماعات.
  • 2- ما خلق الله شيئاً إلا لحكمة لأنه منزه عن العبث.
  • 3- الحق دائماً غالب والباطل مدحور، سنة إلهية ثابتة.
  • 4- إبطال عقيدة الشرك بدليل التمانع.
اقتضت سنة الله في الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى عقيدة واحدة كما سبق وأشرت إليه، وهذه الآية مقدّمة لما بعدها قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) لم يدع رسول من الرسل محمد فمن قبله إلا لعبادة إله واحد لا يستحق العبادة غيره، فكل الرسل يدعون إلى ذلك وينهون عن الشرك، وهذا رد على النصارى واليهود ومشركي العرب، رد عليهم أولاً رداً مجملا، ثم رد مفصلاً حين قال:(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ*لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) لم يصرح بالقائل لأنه معروف، فالعرب زعموا الولد الملائكة بنات الله، تنزّه ربنا وتقدّس عما يقولون من الكذب، الملائكة عباد مكرمون منه مقربون إليه، لا يتقدمون ربهم بقول فلا ينطقون بشيء حتى يأمرهم، وهم لا يعملون إلا بأمره، لا يخالفون أمراً أمرهم به، وصفهم الله فقال:(لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون) واختارهم على علم لأنه علم حاضرهم وماضيهم ومستقبلهم، وعلم أنهم خاضعون لأمره لا يشفعون إلا لمن ارتضى، يخافونه حق الخوف (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ*وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) يعلم سابق أعمالهم ولاحقها، ولا يسألون الشفاعة إلا لمن ارتضى الله له الشفاعة، وهم حذرون أن يغضب الله عليهم فلا يخالفونه في أمر ولا نهي، ولو فرض جدلاً أن أحد الملائكة قال إنه معبود من دون الله يجزيه الله جهنم على قوله يوم القيامة، يخلده فيها لأنه ظلم فوضع الأمور في غير موضعها فشابه الظالمين بالكفر والشرك بالله، هكذا رد القرآن قول القائلين بأن الله اختار ابناً له من الملائكة وسبق أن رد مفصلاً على النصارى أن المسيح ابنه وعلى اليهود الزاعمين العزير ابنه، فوفى الموضوع حقه بما لا يحتاج إلى مزيد.
ثم انتقل إلى الطبيعة يستخرج منها آية تدل على كمال القدرة فاستخرج معجزتين في آية واحدة فقال:(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) أكذب الذين كفروا ولم يعلموا أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين، السماء رتقاء لا تمطر والأرض رتقاء لا تنبت لأنه لا فراغ بينهما فينزل منه المطر، ففصل بينهما وجعل من الماء النازل من السماء إلى الأرض كل شيء حي، واستوى في هذا الحيوان والنبات أفلا يعتبرون بذلك ويؤمنون بالله وحده، دليل ثالث:(وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) خلق الله في الأرض جبالاً ثابتة ثقيلة تربط أطراف الأرض، تنزل تحتها تارةً وتظهر فوقها أخرى، تثبتها فلا تضطرب على أهلها، وجعل فيها مسالك وطرقاً واسعةً تهدي السائر فيها إلى هدفه المسافر والمقيم، يعرف مقصده ويسير إليه بيسر وسهوله، فلا ما يزعجه أو يعمّي عليه طريقه أو يوقعه في ما لا تحمد عقباه، دليل رابع:(وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) بناء السماء فوق الأرض يشبه الخيمة كما يراه الناظرون من أطراف الأرض، فالسماء تشبه سقف الغرفة حفظها الله من السقوط على الأرض، تارةً قال لنا من غير عمد، مرئية أو غير مرئية، وحفظ السماء من أن يسترق إليها السمع فيعلم الجن والإنس ما يدور في الملأ الأعلى فينقلونه إلى أوليائهم من الإنس، وحفظ السماء بما ركّب فيها من آيات على سبيل المثال الشمس كم تحتاج من الطاقة لتضيء الكون!! من الذي يرعاها ويؤمن لها الصيانة ويدبر أمرها مع عظم جرمها وشدة احتراقها، من الذي يقدر أن يقترب منها ليصلح من شأنها؟! وجعل القمر آلةً ينظر إليها الإنسان فيعرف التاريخ، يعرف اليوم الذي هو فيه، يعرف المواقيت أول الشهر وآخره، يعرف ما يضبط معاملاته واعماله وعباداته، ومع ذلك المشركون عن ذلك كله معرضون (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) جعل الله للشمس مساراً تسير فيه ومنزلاً تنزله، ومن يتتبع حركتها يعلم أنها تتحرك بين الشرق الجنوبي والشرق الشمالي، فتأخذ ستة أشهر منتقلة من اليمين إلى الشمال ومثلها من الشمال إلى اليمين، فلها مسار محدد على مر الأيام وتواليها، وتستطيع أن تعرف مواقيت الصلاة النهارية والليلية من خلال حركة الشمس، والقمر له مسارات قال في موضع آخر:(والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) فالله وحده هو الذي خلق الليل للراحة وخلق النهار لكسب المعاش وخلق الشمس تمد الأرض بالضوء والحرارة في النهار وتنشر الدفئ وتساعد في تكوين الطعام، وجعل القمر علامةً يتعرف بواسطته الناس إلى المواقيت، مواقيت المعاملات والعبادات الزمانية كالحج، وجعل لكل من الشمس والقمر مساراً يسير فيه ومداراً يدور حوله لا ينحرفه عنه ولا يميل، ولما كانت كل هذه العوالم موجدة بعد أن لم تكن كان لابد من أن يأتي يوم تنتهي فيه وتذهب إليه، ولما كان معرفة ذلك بالنسبة إلى الآيات الكونية أمر لا يتعلق به فائدة ولا تترتب عليه ثمرة، وكان المؤثر والمتأثر في هذا وذاك الإنسان، فالإنسان لوجوده بداية وله نهاية ولا يخلد إنسان على وجه الأرض كائناً من كان، لذلك قال:(وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ*كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) ما جعل لأحد من البشر البقاء الدائم الذي اشتاق إليه آدم عليه السلام وخالف الأمر الإلهي معتقداً أنه يحصل عليه، فهذه الحياة منغّصة بالموت والخلق كلهم مقهورون بسلطان الله، فإذا انقضى أجل مخلوق فلابد أن ينتهي، ثم يتحداهم يقول لهم أيعلمون ذلك فهم أيضاً يموتون ولا يخلد أحد منهم، ووضع القاعدة الكلية التي تقطع الحجة وتثبت الحقيقة وأن الموت ليس نهاية للحياة ولكنه انتقال من دار إلى دار ولابد أن يعود الأموات ليحاسبوا على أعملهم فيثابوا أو يعاقبوا. كل نفس مؤمنة أو كافرة ذائقة الموت في الدنيا وإنما كان ذلك كذلك إختباراً من الله للناس في هذه الحياة بالتكاليف والنعم والنقم، ثم بعد موت الخلق إلى الله يرجعون لا إلى غيره، فهناك يكون الجزاء والثواب أو العقاب، ومن فوائد الآيات:
  • 1- تنزيه الله عن الولد.
  • 2- منزلة الملائكة عند الله أنهم عباد خلقهم الله لطاعته، لا يوصفون بالذكورة ولا بالأنوثة بل عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون.
  • 3- خلقت السموات والأرض وفق سنن كونية محددة، فقد خلقتا ملتصقتين ثم فصل بينهما.
  • 4- الإبتلاء يكون بالخير كما يكون بالشر.
هكذا وفت الآيات موضوعها لتتولى فيما بعد الحديث عن الرسل مبتدئة بأشرفهم وأكرمهم عند الله، خاتم الرسل والأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، بعد أن تم الكلام في الألوهية أحسن ما يكون، فاللهم نور أبصارنا وبصائرنا لنفهم عنك ما تقول وصوّب مسارنا وسدد خطانا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة