الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بنو إسرائيل المتمردون  
سورة طه   الآيات 80 - 135


خرج بنو إسرائيل من البحر وكانت تجربةً قاسيةً لم ينتفعوا بها ولا انصلح حالهم، فما إن رأوا قوماً يعبدون الأصنام حتى رغبوا إلى موسى أن يصنع لهم صنما، فخوّفهم وهددهم، طوى القرآن هذا وامتن عليهم فقال:(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى*كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) امتن عليهم بأنه أنقذهم من فرعون وجنوده وذكر جملة من النعم حصلت لهم بعد ذلك وواعد نبيهم جانب الطور الأيمن ونزّل عليهم المن والسلوى، ثم أذن لهم فقال كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تسرفوا فيه حتى لا ينزل بكم غضبي وامتن عليهم ثانيةً بأنه يغفر لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى). ما إن اطمأن موسى إلى أمر بني إسرائيل ووعظهم وخوّفهم وركن إليهم حتى أسرع لمناجاة ربه فقال له ربه:(وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى*قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) أسرع إلى الله ليسعد بمناجاة ربه عله يرضى عنه ويتجاوز عن سيئاته، وغفل عما قد يفعله قومه في غيابه، إذ لم يكن أمرهم قد استقر، فلم يثبتوا على رأي بعد، لذلك وقعوا في فتنة عبادة العجل (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ*فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي) تقدّم أن بني إسرائيل طلبوا إلى موسى أن يصنع لهم إلاهاً كما لقوم مروا عليهم إلهٌ، فغضب ووبخهم فخمدوا، لكنهم لم يقتنعوا في دخيلة أنفسهم، فما إن غادر موسى إلى الطور حتى أخرجوا ما بأيديهم من ذهب أهل مصر وألقوها، فأخذها السامري وصنع لهم عجلاً ضخم الجثة وجعل الريح يدخل فيه ويخرج منه بطريقة تحدث صوتاً كصوت العجل، فما إن أخبره الله بما عمل قومه حتى رجع موسى إلى قومه ممتلئاً غضبا يتأسف من صنع قومه، فلما واجههم أنكر عليهم فعلهم وأظهر حزنه وسألهم لماذا أخلفوا موعده، لماذا تنكروا لما اتفقوا عليه، اعترف القوم بأنهم غيروا وقالوا خطأ ارتكبناه، قد حملنا أوزاراً من زينة القوم يعني قوم فرعون، فألقينا بها فأخذها السامري وصنع منها العجل الذي ترى (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ*فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) الخوار هو صوت العجل ووصفه بأنه جسد لضخامة جثته وعدم وجود روح فيه، فما إن رأوا العجل حتى قال بعضهم لبعض هذا إلهكم وإله موسى، قوم أغبياء جهلة لا يفكرون قد أعطوا عقولهم إجازة، لذلك ترى القرآن ينكر عليهم أشد الإنكار فإن هذا المصنوع لا يملك من صفات المخلوق شيئاً، اسمعه يقول:(أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا) ما الذي أهّل هذا الجسم ليكون إلاهاً، هل يسمع؟ هل يتكلم؟ هل يقدّم شيئاً من صفات الحيوان؟ إنه أبعد ما يكون عن الألوهية أصم أبكم لا يتحرك، لا يستطيع أن ينفع أو يدفع، وقد نصحهم هارون من قبل فأخبرهم أن هذا ابتلاء وأَن عليهم أن يثبتوا على طاعة الله وأن يطيعوا أمر هارون، رفضوا كل ذلك وأصروا على باطلهم (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي*قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) توجّه موسى إلى هارون (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا*أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) غضب على هارون ويروى أنه في بعض المرات أمسك رأسه يجره إليه، لكن هنا عنّفه ووبخه، كان واجباً عليه أن يصلح نفسه وأن يكون قدوة لبني إسرائيل، برر هارون موقفه واعتذر إلى أخيه (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) وهكذا واجه موسى الجميع وبقي ثابتاً رابط الجأش، ثم انتقل إلى كبير المفسدين السامري (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ*قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) يسأل موسى السامري ما شأنك؟ ما الذي دفعك إلى ما صنعت؟ قال السامري علمت ما لم يعلموا وتنبهت إلى ما لم يتنبهوا له، يقال إنه رأى جبريل على فرس فأخذ قبضة من تراب من أثر فرسه فطرحها على الحلي المذاب المسبوك على صورة عجل، فنشأ عن ذلك عجل له خوار، هكذا حسّنت له نفسه، وعندي أنه عرف اتجاه الريح حين رأى الملك يعرج إلى السماء أو عرف سر القوم الذين يعيش معهم فاستطاع أن يمّوه عليهم أو يخدعهم وأن يحرك في أنفسهم دواعي الخير والشر، فربما استطاع أن يركّب العجل بطريقة تتيح للريح أن يدخل من جهة ويخرج من جهة أخرى، وكان المخرج ضيقاً فصار الريح يحدث صوتاً يشبه خوار العجل، وإن لم يكن منه (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا*إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) قال موسى فاذهب فإن لك أن تقول ما دمت حياً لا أَمَس أحداً ولا أُمِس من أحد، فتعيش منبوذاً لشدة الذنب الذي أجرمه، وهذا العذاب لن يعفيه من عذاب الآخرة، فسيعذب مرتين مرةً في الدنيا ومرة في الآخرة، وأمره أن ينظر إلى العجل الذي صنعه وعبده من دون الله، وأقسم ليحرقنّه حتى ينصهر ثم يذره في اليم أي في البحر حتى لا يبقى له أثر، وقرر أن المستحق للعبادة هو الله الذي وسع كل شيء علما، أيها الناس إن معبودكم بحق هو الله الذي لا معبود بحق غيره، أحاط بكل شيء علما، فلا يفوته سبحانه علم شيء كائناً ما كان، من فوائد الآيات:

  • 1- خداع الناس عن طريق تغيير معنى الآيات مسلك أهل الضلال.
  • 2- الغضب المحمود في الدفاع عن محارم الله.
  • 3- في الآيات أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم.
  • 4- في الآيات وجوب التفكر في معرفة الله تعالى من خلال مفعولاته في الكون.

وهكذا انتقم موسى من جميع من خالف أمره وعاقب كلاً عقوبةً تتناسب وجرمه، وكانت عقوبة السامري أشد العقوبات إذ جعلت عداوةً مستمرة بين السامري واليهودي، فلا هذا يلقى هذا ولا هذا يتعامل مع هذا، وختم القصة واستلهم العبرة فقال:(كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا*مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا*خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا) يخبره أنه مثلما قص عليه ما تقدم من خبر موسى وفرعون وخبر قومهما، يقص عليهم أخبار من سبقوه من الأنبياء والأمم، لتكون تسليةً وقد أعطاه الله قرآناً يتذكر به من تذكر، فواجب المسلم أن يقبل عليه فيثاب ويؤجر، وإن أعرض عنه وتنكّر له، فإنه يحمل يوم القيامة وزراً، هو عبارة عن اثم عظيم ويستحق عقاباً مناسباً، هذا العقاب يمتد إلى نهاية حياته، وبئس العذاب الذي يستحقه المعرض عن القرآن يوم القيامة، بداية البعث تكون حين ينفخ في الصور فيحشر الله يومئذ المجرمين زرقا، لتغير ألوانهم وعيونهم من شدة ما لاقوا من أهوال الاخرة، إذا تحادثوا فيما بينهم تحادثوا بصوت منخفض يظنون أنفسهم ما لبثوا في العذاب إلا مدة يسيرة (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا*يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا*نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا) أي يوماً واحداً لا أكثر، لأن الميت إن كان من أهل العذاب فإن العذاب يرفع بين النفختين، وربما كان متعبا لذلك اضطرب رأيه في تحديد المدة التي لبثها في القبر، أهي عشرة ايام أم يوماً، ثم تحدّث عن الجبال وكيف أنه سيهدمها ليبني أرضاً جديدة تصلح لحساب الناس وتجعل طريقهم سهلاً يسيراً فقال:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا*فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا*لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا) يفتتها الله يوم القيامة من أصولها ويجعلها تطير في الهواء كالهباء، فيترك الأرض التي كانت تحملها مستويةً لا بناء فيها ولا نبات، ومستقيمة لا متعرجات ولا متحولات، بل مستوية استواء تاماً لا انخفاض فيها ولا ارتفاع، ثم حدثنا عن يوم الجمع حين يخضع الناس كل الناس لداعي الحق يجيبون صوته إلى المحشر، لا معدل لهم عن اتباعه، وسكتت الأصوات خوفاً من الله ومهابةً له فلا تسمع إلا همسا، أي صوتاً خفياً خفيفا، يوم القيامة لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة، كأنه قال لا تنفع من شافع شفاعةٌ إلا من أذن له الرحمن أن يشفع، ورضي قوله في الشفاعة والمشفوع فيه (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا*يَوْمَئِذٍ لّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا*يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) يعلم ما بين أيديهم، وإنما يأذن الله لمن يأذن بالشفاعة لأنه يعلم حاضره ومستقبله وما هو صائر إليه، يعلم إيمانه وصدقه وتأهله للطاعة، ويعلم ما عمل في دنياه وما قام به من أعمال، بخلاف الخلق فإنهم لا يعلمون الله حق العلم ولم يحيطوا بذاته ولا صفاته علماً يؤهلهم للحكم عليه أو معرفة شيء من عالم الغيب، فعلم الله كاشفٌ لما كان في الماضي وما يكون في الحاضر وفي المستقبل، وأنه سيأذن لرجل من أمة محمد أن يشفع في خلق الله وأنه سيقبل قوله ويحقق له ما يصبو إليه، ولماّ بين بعض ما يكون في الموقف العظيم ناسب أن يذكر أهمية العمل الصالح في الدنيا، ولما كان العدل أهم عمل يمكن أن يعمله المكلف ناسب أن يذكر حال الناس في ذلك اليوم فقال:(وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) أي ذلت وخضعت وجوه عباد الله لله الواحد القهار، واستكانت للحي القيوم القائم بتدبير أمور عباده وتصريفها، وخسر من حمل ظلماً، نكّر الظلم لتقليله والتهويل من شأنه، لأن الإنسان يحاسب في ذلك اليوم عن أقل ظلم اقترفه في حياته فضلاً عن أكثره، وقديماً هدد الظالمين تهديداً تنخلع له القلوب فقال:(ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون)، ولما بيّن خسارة من حمل ظلما أي قدر منه، وأنه أورد نفسه موارد الهلاك بعمله، ناسب أن يذكر من خالفه فقال:(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) إن من يعمل الأعمال الصالحة المبنية على الإيمان بالله ورسوله محمد وجميع ما يعتبر شرطاً في الإيمان فسينال جزاءً وافياً على عمله، لا يتعرض فيه إلى ما يوجب نقص الثواب على عمله الصالح، لأنه راعى الله في جميع تصرفاته ولازم الإيمان طوال حياته، فسعد برضوان الله في الآخرة، وإكرامه إياه بإسكانه في دار كرامته الجنة.
ولما ذكر الحساب وما يكون فيه من ثواب وعقاب ناسب أن يلفت النظر إلى ما في القرآن الكريم من آيات تحذّر من المعاصي وتبيّن أن الجزاء على قدر الذنب، وتفسح في المجال للناس أن يتوبوا ما داموا في الدنيا قبل أن يصلوا إلى دار العذاب فقال:(وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) ومثل ما أنزلنا إليك من قصص الأنبياء السابقين أنزلنا إليك هذا القرآن بلسان عربي مبين، وبينا فيه أنواعاً من الوعيد مختلفةً بحسب الحاجة وبقدر الضرورة من تهديد إلى تخويف إلى إنذار إلى نقل للدار الآخرة ورؤية المعذبين، كل ذلك لنعظ الناس في الدنيا وننبههم إلى ما ينتظرهم من خطر إن هم أصروا على باطلهم وتمسكوا به ولم يتبعوا المنهج الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، رجاء أن يخافوا فيقلعوا ويستقيموا أو يكون في القرآن ما يحرك مشاعرهم ويثبّت قلوبهم ويربط عليها فيثبتوا على الحق، متأثرين بما بيّن الله لهم من حوادث توقظ فيهم الخوف وترشدهم إلى الإستقامة على المنهج وتحضهم على طاعة الله وطاعة رسوله، ويمكن أن نلمس من الآيات المتقدمة فوائد:
  • 1- القرآن العظيم كله تذكير ومواعظ للأمم شعوباً وأفرادا، وفيه شرف وفخر للإنسانية.
  • 2- لا تنفع الشفاعة أحداً إلا من أذن الرحمن له ورضي قوله في المشفع فيه، فلا تكون نافعة إلا إذا أذن الله للشافع أن يشفع وللمشفوع فيه أن ينقذ بسبب تلك الشفاعة.
  • 3- القرآن مشتمل على أحسن ما يكون من الأحكام التي دل العقل والفطرة السليمة على حسنها وكمالها.
  • 4- من آداب التعامل مع القرآن تلقيه بالقبول والتسليم لما يأمر به ويدعو إليه، والتعظيم لما فيه ومحاولة الإهتداء بنوره إلى الطريق المستقيم الموصل إلى رضوان الله والجنة والسهر على تعلمه وتعليمه والصبر على ذلك.
  • 5- ندم المجرمين يوم القيامة لأنهم أضاعوا الأوقات الكثيرة في اللهو والعبث واتباع الهوى، وأمضوا الأيام والليالي ساهين لاهين معرضين عما ينفعهم مقبلين على ما يضرهم.

ولما ذكر أحوال القرآن وما فيه ودعا إلى الإقبال عليه والإعراض عما سواه وكان في ذلك دعوة للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو المبلّغ والداعي، ناسب أن يذكر شيئاً من أحواله فقد ضرب أروع مثل في حفظ القرآن والحرص عليه والتمسك به والإقبال بكليّته عليه، فأراد أن يضبط حركته فلا يكون اندفاعه عاطفياً ولكن إندفاعاً عقلياً قائماً على الحجة متبعاً منهجاً واضحاً وسطا بلا إفراط ولا تفريط فقال:(فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) تعالى الله أي تقدّس وتنزّه عن كل ما لا يليق به، لأنه الملك الذي يملك جميع الخلق فله الملك كل الملك وليس لأحد ملك بجانبه، والذي هو حق قوله حق وفعله حق وأمره حق، تعالى أي ترفّع وتنزّه عما يصفه به المشركون لأنهم يهرفون بما لا يعرفون، يتكلمون عن الخالق الرازق المعطي المانع بجهل وهوى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه القرآن يسابق الملاك في القراءة مخافة أن يتفلت عنه شيء من القرآن، فقال له هنا:(وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) أي لا تسرع أيها الرسول بقراءة القرآن مع جبريل قبل أن ينهي إليك إبلاغه، وقد استدل أهل العلم على أن الجمع بين اللسان والأذنين ربما يضعف الحفظ، وأن الحفظ دون إشغال اللسان يكون أقوى، فلربما كان هذا صحيح من وجه فإنه لا يلتفت إليه من وجه آخر، لأن الله الذي أوحى إليه بالقرآن سبق أن وعده أنه لا ينسى ما يُقرأ عليه فقال:(سنقرئك فلا تنسى) وقال:(لا تحرّك به لسانك لتعجل به إنا علينا جمعه وقرآنه)، فمن الأدب ألا يتكلم الطالب بين يدي أستاذه بل ينتظر أستاذه حتى ينتهي، فإن رأى شيئاً بحاجة إلى شرح أو بيان فليطلبه من أستاذه، وحتى لا يتواكل النبي فيتكاسل عن طلب المزيد من العلم حرّضه على طلب الزيادة من العلم لأن العلم يزيد بالمذاكرة والإنفاق، ويحفظ صاحبه ولأنه أثمن ما يطلب وأغلى ما يحرص عليه، ولربما فترت همة المتحمّس بسبب أو بلا سبب، جاءت هذه الشطرة من الآية تذكّره أنه يجب عليه أن يطلب المزيد من العلم، والقصة التي سيذكرها تربيه على لزوم المراقبة والحرص وعدم إهمال الواجبات التي أمر الله بآدائها فقال:(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) تقدّم في الآيات ذكر قصة موسى وما اشتملت عليه من إعراض فرعون عن موسى ودعوته، وغفلة بني إسرائيل عما حصل لفرعون أثناء إقامتهم معهم في مصر، وذكر هنا قصة آدم عليه السلام رغبةً في رجوع من نسي إلى طاعة الله فقال ولقد وصينا آدم من قبلك بعدم الأكل من الشجرة، أبحنا له جميع أشجار الجنة ونهيناه عن واحدة وبيّنا له عاقبة مخالفة النهي، فترك جميع أشجار الجنة ونسي الوصية وأكل من الشجرة المنهي عنها، ولم يصبر على الإمتناع، ولم نر له قوة عزم على حفظ ما وصيناه به، ولما ذكر طرفاً من قصة آدم ناسب أن يعيد الإشارة إلى قصة آدم ليبيّن ما فيها من فرق بين خطأ آدم عليه السلام وخطأ إبليس، فإبليس رفض طاعة الله وامتنع عن تنفيذ أمره، وآدم تأوّل واجتهد وأراد البحث عما هو أحسن ولو في نظره المادي البشري، ولم ينتبه إلى أن الشيطان عدو له فسمع كلامه، ولم ينتبه إلى ما في الجنة من نعم سيفقدها جميعها إن طرد منها (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى*فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى*إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى*وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى) اذكر أيها الرسول الوقت الذي قلنا فيه للملائكة اسجدوا لآدم سجود تحية لآدم، وطاعة تعظيماً لله لما فعل من تحويل المادة الصماء إلى حيّ يتحرك ويعقل، فسجد الملائكة كلهم وربما سجد جميع من في الجنة ممن لا نعلمه من خلق الله، مخلوق واحد تمرّد على الأمر الإلهي، إبليس وحده لم يفعل وهو وإن لم يكن من الملائكة فإنه كان موجوداً معهم في الجنة، وكان الأمر يشمله فامتنع عن السجود تكبراً لأنه رأى نفسه خيراً من آدم، فامتنع تكبراً وقال قولته المشهورة أنا خير منه، وهنا ناسب أن يحذر الله آدم من طاعته فأخبره أن إبليس عدو له وعدو لزوجه، وأنه إن أطاعه أخرجه وزوجه من الجنة فيتحمل أعباء المعصية ومكاره الخروج من الجنة والإقامة خارجها، وبيّن له محاسن ما في الجنة فبين له ما على الله أن يفعله له في الجنة، أن يطعمه فلا يجوع، وأن يسقيه فلا يعطش، وأن يظلله فلا يصيبه حر الشمس، نعيم لا شقاء فيه، ولكن آدم غفل عن ما أوحى الله به إليه واتبع وسوسة الشيطان فوقع من عليائه في جحيم الغفلة متأثراً بما أوهمه الشيطان من مصلحة في الأكل من الشجرة، فقد أوهمه أنه إن أكل منها لا يموت أبدا بل يبقى حياً مخلداً ويملك ملكاً لا ينقطع ولا ينتهي (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى*فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى*ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) صرّح هنا أن آدم وحواء أكلا من الشجرة التي نهيا عن الإقتراب منها، فلما أكلا ظهرت عليهما عوراتهما بعد أن كانت مستورة بلباس كساهما الله إياه من ثياب الجنة، ولما كانت هذه الثياب لا تستر عاصياً فقد زالت عنهما بمعصيتهما، وبحثا عن ساتر فلم يجدا إلا أوراق شجر الجنة، فسترا بها عوراتهما، وبهذا الإجتهاد خالف آدم أمر ربه إذ لم يمتثل أمره باجتناب الأكل من الشجرة، فتعدى إلى أن أكل مما حرّم عليه، فلما وقع المحظور رجع إلى الله فتاب فتاب الله عليه، لكن لكل ذنب عقوبة وكانت عقوبة آدم طرده من الجنة لأن الله خلقه في الأصل لعمارة الأرض لا لسكنى الجنة، ودخوله الجنة كان ابتلاءً له فلم يصبر على البلاء واستحق العقاب، خالف الأمر فوقع في الغواية، ثم اجتباه ربه بعد أن تاب فتاب عليه واختاره ووفقه إلى الرشد وطرده من الجنة (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) أخرج الله آدم وزوجه من الجنة وأخرج معهما ابليس عدوهما، فصار بنو آدم وبنو إبليس أعداء على الأرض، ومن عدل الله أن يرسل إلى الخلق من ينبههم يبين لهم سبيل الحق ليتبعوه وسبيل الضلال ليجتنبوه، ووعد الله آدم وذريته أن من اتبع سبيل الله وعمل بما أمر الله به ولم ينحرف عنه أنه لا يضل الحق ولا يشقى في ارتكاب المعاصي والذنوب في الدنيا، أما من أعرض عن الحق وتولى عن اتباع القرآن ولم يقبله هادياً ولم يستجب له فإن له معيشة ضيقة في الدنيا وفي البرزخ ويساق إلى المحشر يوم القيامة فاقداً البصر والحجة، يسأل ربه يقول لماذا حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا؟ يأتيه الجواب لأني أرسلت إليك الرسول ودعوتك إلى الإيمان فلم تقبل وأعرضت عن الحق واتبعت الباطل (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى*قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا*قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) والضنك أي الصعب الشاق كمثل الحياة في أيامنا منغصة بالمتاعب والخوف وغير ذلك، وأعمى كان في الدنيا أعمى البصيرة فعاقبه الله يوم القيامة بعمى البصر، وفي الآيات فوائد:
  • 1- أدب المتعلم في تلقي العلم، وأنه ينبغي على المستمع أن يتأنى في طلب العلم ويصبر على المعلم حتى ينهي كلامه، ولا يحاول استخراج المعاني منه فإن ذلك يشوش عليه ويقعده عن توفية الأمور المبحوثة حقها، فالكلام يتصل بعضه ببعض ويأتي متسلسلا، وطرح الأسئلة قبل فراغ المعلم من تعليمه يشوش عليه وربما ينسيه بعض ما يريد أن يقوله.
  • 2- إذا أخطأ الإنسان فيجب عليه المبادرة إلى التوبة، فإن التوبة تعيد للإنسان صلاحه وصفاءه، وإن كانت سريعةً كانت أدعى إلى القبول.
  • 3- نسي آدم فاتبعته ذريته على ذلك، وضعفت فيه وفيهم العزيمة، وفشى فيهم التردد والوهن، ومن يشابه أباه فما ظلم.
  • 4- المعيشة الضنك في دار الدنيا وفي البرزخ، وفي الدار الآخرة لأهل الكفر.

ولما فرغ من قضية آدم وخطئه وتوبة الله عليه وإكرامه له، ناسب أن يذكر خطأ ذريته ويبيّن جزاؤهم فقال:(وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) ومثل هذا الجزاء الذي جازينا به آدم، جازينا من اقتحم الشهوات المحرمة من ذريته وأعرض عن الإيمان بالدلائل الواضحة من ربه، نجزي كل من أسرف في الإعراض عن الحق ولم يؤمن بآيات ربه في الدنيا، ولعذاب الآخرة أفظع وأقوى في المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ وأدوم في دار الجزاء، وقد أقام الله الأدلة الملزمة التي يجب المصير إليها واتباعها، وبيّن العقوبة التي يستحقها المخالف فأهلك من أهلك بسبب معاصيهم، فهل تبيّن عصاة العرب اليوم الذين عاصروا النبي ولم يعتبروا بما حل بأسلافهم المكذبين!! ولا اعتبروا بما حصل لهم (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى) أغفل الناس فلم يتبين لمشركي العرب كثرة الأمم التي أهلكها الله قبلهم يمشون في مساكنهم ويعاينون آثار ما أصابهم، إن في الإعتبار بآثار الأمم الكثيرة وما لحقها من الدمار لعبراً لأصحاب العقول (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) لولا أن الله سبق في علمه أنه لا يعذّب أحداً قبل إقامة الحجة عليه، وجعل للحساب يوماً لابد منه، لعاجلهم العذاب لأنهم مستحقون للعذاب، إذا كان ذلك كذلك فاصبر على ما يقولون (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) الفاء هي الفصيحة، أمر الرسول أن يصبر على ما يقوله المكذّبون برسالته من أوصاف باطلة، كاتهامه بالسحر أو الشعر أو الكهانة، فإن ذلك بلاء يؤجر عليه ويظهر به فضله على سائر الخلق، وأمره بالتسبيح قبل طلوع الشمس المراد به صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر، وهما الصلاتان المعروفتان بالبردين، ومن آناء الليل صلاة المغرب والعشاء، وقيام الليل وأطراف النهار الظهر عند الزوال الطرف الأول من النهار، والمغرب نهاية الطرف الثاني منه، رجاء أن تنال من الله الثواب الذي ترضى به يوم القيامة، ولما ذكر الصلاة وما يتصل بها والتسبيح وما فيه من الأجر، وهذان يقويان اليقين ويثبتان الإيمان نهاه أن يلتفت إلى ما جعله الله من أصناف الخير للمكذبين متعةً لهم يتمتعون في الحياة الدنيا ليختبرهم، فإن ما جعله لهم زائل بترك الدنيا، والثواب الذي وعدك به يبقى معك إلى يوم القيامة فقال:(وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) نهاه أن ينشغل بما في أيدي الناس عما وفقه الله إليه، وجعله سبباً لرفع درجاته وزيادة فضله في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم أمره فقال:(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) أأمر أيها الرسول أهلك الأقربين من زوجٍ أو غيره بأداء الصلوات المفروضة، واصطبر على أدائها فالله تكفل لك بالرزق لنفسك ولمن تلزمك نفقته، لم يسألك شيئاً إنما يسألك عن العمل الصالح الذي به تفوز في الدنيا والآخرة، والفائز يوم القيامة من اتقى الله فخافه وعمل بطاعته، امتثل أوامره واجتنب نواهيه، ثم عاد القرآن إلى الحديث عن طلبات المشركين التي لا تنتهي، طلبوا المعجزات الدالة على صدقه فرد عليهم رداً لطيفاً جميلاً (وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى) هذه الآية جاءت رداً على الذين قالوا هلّا يأتينا محمد بعلامة من ربه تدل على صدقه وأنه رسول الله؟! أولم يأتِ هؤلاء المكذّبين القرآن الذي هو تصديق للكتب السماوية قبله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه يقول أيقرؤن القرآن ولم يتبينوا ما فيه، ثم يطلبون الدليل (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى) ولو أن الله أهلك المكذبين بالنبي صلى الله عليه وسلم بإنزال العذاب عليهم بسبب كفرهم وعنادهم قبل أن يرسل إليهم رسولا وينزّل عليهم كتاباً لقالوا يوم القيامة معتذرين عن كفرهم لماذا لم ترسل لنا يا ربنا رسولاً في الدنيا فنؤمن به ونتّبع ما جاء به من آيات قبل أن يحل بنا الهوان والخزي بسبب عذابك لنا (قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) رد عليهم أيها الرسول، قل لهؤلاء كل واحد منا ومنك منتظر ما يجريه الله، فانتظروا أنتم فستعلمون لامحالة من أصحاب الطريق المستقيم، من المهتدون نحن أم أنتم! ومن فوائد الآيات:
  • 1- الأسباب المعينة على تحمل إيذاء المعرضين، استثمار الأوقات الفاضلة في التسبيح بحمد الله وأداء العبادات.
  • 2- ينبغي على العبد إذا رأى من نفسه طموحاً إلى زينة الحياة الدنيا وإقبالاً عليها أن يوازن بين زينتها الزائلة ونعيم الآخرة الدائم.
  • 3- على العبد أن يقيم الصلاة حق الإقامة وإذا حزبه أمر صلى وأمر أهله بالصلاة وصبر عليها تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • 4- العاقبة الجميلة المحمودة هي الجنة لأهل التقوى.

فاللهم اجعلنا منهم، وفقنا لطاعتك ونصرة دينك.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة