الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين موسى وفرعون  
سورة طه   الآيات 47 - 79


انطلق موسى وأخوه راشدين إلى فرعون راغبين أن يكون التوفيق صاحبهما متفائلين بما أمرهما الله به (فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) دعاءٌ للمهتدي أن يسلمه الله من الآفات ومن الضرر، ومن جميع ما يزعجه، وفيه إلماح إلى أن فرعون لم يكن على هدى، ثم أخبراه بمضمون رسالتهما الإيمان بالله وباليوم الآخر للفصل بين الخلق والحساب بالثواب أو بالعقاب (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى) أي كذّب بالنبوة والألوهية واليوم الآخر وتولى عن اتباع الحق ورفض ذلك، أراد فرعون أن يفتح حديثاً مع موسى علّه يوقعه في الخطأ (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى) دائماً المبطل يحاول التفلت من الحق، وجرّ الداعية إلى معارك جانبية، وهذه الطريقة بينها القرآن في مواضع منه، فمرةً سأل عن ماهية الله، وهنا سأل عن الله نفسه، فأجابه موسى بالدليل الملزم لأن الله هو المؤّثر الحقيقي في هذا الكون، لكن موسى كان رابط الجأش ثابتاً على الحق، أجاب بكل تؤدة (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) هدى كلاً لما فيه صلاحه في عاجل أمره وآجله، وقال مرةً (ثم السبيل يسّره) فعدل عن هذا الجواب إلى سؤال ثانٍ (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى) قال ما قصتها؟ ما خبرها؟ من أين لموسى ان يعرف كل ذلك؟ وهو الذي تربى في بيت فرعون، أجابه جواب الواثق (قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لّا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى) تسأل عن أخبار القرون الماضية ماذا حصل لها؟ تفاصيل ذلك يعلمها الله عز وجل، وقد سجّل ذلك في كتاب مع عدم حاجته إليه، لأنه لا يضيع عليه شيءٌ من علمه ولا يترك ما يحتاج إلى البيان دون بيان، كأنه يريد أن يقول الذي أحسن كل شيء خلقه، يريح الإنسان طبيعة نظيفة، وأرض هادئة سهلةٌ لها معالم يهتدى بها، قادرةٌ على تنظيف نفسها وتأمين الطاقة للمخلوقات التي خلقها، انظر كيف لفت نظره إلى دليل منتزع من الطبيعة القريبة (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى*كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى) المهد بيت الطفل والأرض مهداً اي ثابتة مستقرةً جوّها معتدل، وفيها ما يخفف حرارة الشمس ويجعل ما في الأرض يفيد من الشمس، والهواء والماء نعمتان عظيمتان تكملان التراب، فالأرض تراب إذا نزل عليه الماء أنبت أزواجاً مختلفة من النبات، وهذا دليل آخر من الطبيعة القريبة، فالماء واحد والتراب واحد والثمار مختلفة، منها الحلو والحامض والمر والبين بين وما لاطعم له، صنع عالم، ثم وجّه الأمر إلى الناس فدعاهم أن ينتفعوا بما في الأرض، فيأكلوا من ثمارها وخضارها ومما ينتج عن خضارها من اللحم الأحمر، ثم بيّن أن في ذلك دلالات واضحة على وجود الصانع وعلمه وقدرته وأنه لا يفعل العبث بل لا يخلو فعله عن حكمة، وفي هذا تأكيد على أصول الإيمان، كل ذلك لا ينتفع به إلا أصحاب العقول، ثم زاده دليلاً آخر وحجةً واضحة فقال:(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) فمن الأرض المبدأ وإلى الأرض العودة، ومن الأرض يخرج الأموات للحساب كما قرر، ثم عقّب القرآن فبين موقف فرعون وأنه طاغيةٌ معاندٌ معارض لا تنفعه حجة ولا يقنعه دليل، وبعد ففي الآيات فوائد منها:


  • 1- كمال اعتناء الله بكليمه موسى عليه السلام والأنبياء والرسل لورثتهم نصيب من هذا الإعتناء على حسب أحوالهم مع الله.
  • 2- من الهداية العامة المخلوقات، أن تجد كل مخلوق يسعى لما خلق له من المنافع ويدفع عن نفسه المضار.
  • 3- فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة وضمنت له العصمة.
  • 4- الله هو المختص بعلم الغيب في الماضي والحاضر والمستقبل لا يشركه في ذلك أحد.

(وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى) كذّب بالوحي والنبوة وأبى الإنقياد إلى شرع الله، وردّ على النبي رداً طالما ردده الملحدون، إنه اتهام الرسول بأن له مطامع شخصية يجنيها من إيمان الناس (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى*فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى) عادة الكفرة أن يشوهوا الحق ويشيع الشائعات ضده، ليصرفوا الناس عنه، وطريقتهم تتشابه أو تختلف، في عصر موسى كان السحر رائجاً وكان الناس ينفّرون عنه، فرأى فرعون أن يشبّه موسى بالساحر لينفّر الناس عنه، وكان قبل قد أوهم المصريين أنه إنما جاء ليخرج الناس من مصر، وذلك لم يدل عليه دليل واضح، وطلب منهم أن يحددوا يوماً يتبارى فيه السحرة بما يقدمون من فنون السحر ويختبروا المعجزة فيكون لهم دليل حسي مقبول فيؤمنوا بالله وبموسى رسول الله، فطلبوا أن يجعل لهم ذلك اليوم ليجتمعوا فيه على حد سواء، هم وموسى وأخوه، فحدد لهم يوم العيد ليكون الناس متفرغين لا ما يشغلهم عن متابعة أمر السحرة والمعجزة (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) هنا تولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى) هيأ نفسه لمحاربة موسى وتشويه صورته وصرف الناس عنه ليبقى له جبروته وتبقى له مكانته ويبقى معبود قومه، اجتمع السحرة مغترين بسحرهم متعالين على موسى، يسعون لتحصيل المغنم من انتصارهم على موسى، وجاء موسى هادئ النفس واثقاً بالله معتمداً عليه، فلما اجتمعوا إليه (قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) من واجب الرسول أن يبيّن للمرسل إليهم الحق بالدليل ويحذرهم ما فيه هلاكهم قبل فوات الأوان علّهم يحذرون، وهكذا فعل موسى، فاستخدم كلمة ويل التي تستعمل بالشفقة على من يورد نفسه موارد التهلكة، كأنك ترأف به، يحرق نفسه أو يميتها أو يفعل فعلاً فيه هلاكه، وهنا حذرهم من الكذب على الله وعلى رسول الله لأن من يكذب على الله أو على رسوله يهلكه الله، ومعنى (يُسْحِتَكُمْ) يستأصلكم ويفنيكم، فتخسروا وتضيعوا كل شيء، لأن من افترى على الله الكذب خاب وخسر، اجتمع السحرة وتشاوروا بينهم وكان جدال قرروا على إثره مقولتهم القديمة الجديدة، اتهام موسى وأخيه بالسحر والهدف من هذا السحر تهجيرهم من مصر وإضاعة مجدهم وسلطانهم وملكهم (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى*قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى) "أن" هذه المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، واسم إن ضمير الشأن محذوف، دخلوا في مكنون نفس موسى وهارون، ليحكموا على نواياهما ويستخلصوا أنواعاً من التهم يبررون بها رفض طاعتهما والإيمان بما جاءا به حتى تبقى لهم الكلمة والسلطان، فقرّ رأيهم أن يجتمعوا على حرب موسى وهارون وأن يصروا على باطلهم، ويدخلوا المعركة مع الحق أملاً في الإنتصار عليه، فقال بعضهم لبعض (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى) شدوا من أزر بعضكم البعض ولينصر بعضكم البعض فاجتمعوا على الباطل وقرروا أن من يفوز اليوم يحصل على ما يريد ويحقق ما يصبو إليه، تشجعوا (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) سألوا موسى من يبدأ؟ أنبدأ نحن أم أنت؟ (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى*فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى) إن ضرورة أن يبطل موسى السحر في أن يكون السحر موجوداً، فأمرهم بالبدء حتى إذا تم سحرهم أخرج معجزته فرمى به في وجوههم يفحمهم ويقطع حجتهم ويدحض باطلهم، بدؤا السحر بطريقةٍ لا علم لنا بتفاصيلها، لكن نستطيع أن نخمّن أنهم حشوا الحبال زئبقاً وكذلك العصي، والزئبق ينتقل من الجامد إلى البخار دون أن يمرّ بالسيولة، ما إن تمسه النار حتى يحاول أن يطير، وربما كانت الأرض حارةً أو أن يكون السحرة أوقدوا تحت أرض المسرح ناراً، فما إن أحس الزئبق بالحرارة حتى ارتفع، فتحركت الحبال وتحركت العصي، كانوا أقوياء الشخصية قادرين على التأثير في أفكار الناس وجعلهم يخضعون لهم، فيرون ما يريد السحرة أن يُرونهم إياه، فجاء سحرهم من الناحية الصناعية مؤثراً حتى لقد أثروا في موسى عليه السلام، اسمعه يقول:(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى*فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى) كأن محمداً كان إلى جانب موسى بل في داخل نفسه يحس بما يحس به من خوف أو فرح أو حزن أو غير ذلك، فعبّر القرآن بدقةٍ عن ما أحس به موسى، فتداركته رحمة الله (قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى*وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) تداركه الله برحمته وشد من أزره وأدخل الطمأنينة إلى قلبه، وأعلمه أنه منتصر وأنه الغالب، وأمره أن يلقي ما في يمينه، فإن فعلت ذلك أكلت العصا جميع ما صنعوا من حبال وعصي، ولم تسمن لأن ما صنعوه تدبير مخلوق ولا يفلح تدبير مخلوق معاند للنبوة معرض عن الله، ولا يفلح متعاطي الباطل بما يصنع، أكلت عصا موسى الحبال والعصي التي ألقاها السحرة ولم تسمن، وهذا يدل دلالةً حسيةً على أن عصا موسى معجزةً وليست سحراً ولا هي منه في شيء، أدرك ذلك السحرة فخروا لله ساجدين (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) آمن السحرة وبنوا إيمانهم على دليل حسي هو ما عاينوا من المعجزة الدالة على صدق موسى وأقروا بألسنتهم وأيقنوا بقلوبهم أن موسى رسول الله وهارون كذلك، وأن الله هو الذي أيد موسى بهذه المعجزة فآمنوا بالله وبرسول الله وبما جاء عن الله، هنا جن جنون فرعون، جاء بالسحرة لينصروه فخذلوه، وأراد أن يحارب بهم موسى فنصر الله موسى عليهم، الإتهام حجة الضعيف، دائماً نراه إذا عجز شتم أو اتهم أو انتقص أو شوّه الصورة (قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى) لام السحرة أن آمنوا بموسى وهارون قبل أن يستأذنوا فرعون، بناءً على اتهامه لهم بأنهم أنصار موسى وتلاميذه، وأن موسى هو رأسهم ومعلمهم، وأوعدهم شأن كل طاغية يعجز عن إخضاع مخالفيه فيحاول اخضاعهم بالقهر والتسلط، أقسم ليقطعنّ أيديهم وأرجلهم من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى، وليصلبنهم في جذوع النخل أي يشد قيدهم إلى الجذوع حتى لكأنهم والجذوع كشيء واحد، أو كأن أجسادهم دخلت في الجذوع، وهددهم ثالثاً بأن يعذبهم أشد العذاب، عذاباً باقياً يحسونه ويشعرون به ويتألمون زمناً طويلا، لكن السحرة عرفوا أن لا تاثير لفرعون إلا في هذه الحياة ولا تأثير له على هذا الجسم إلا ما داموا أحياءً، فإذا ماتوا فلا تأثير لفرعون عليهم، وأنهم إنما آمنوا بالله ليحققوا السعادة الأبدية والنعيم الذي لا ينقضي، فردوا عليه رد المقتنع الواثق بإيمانه الذي تمكنت العقيدة في قلبه فلا يزل ولا يخزى، قالوا له بلسان واثق بالله معتمد عليه (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا*إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) واجهوا فرعون بالحقيقة التي لاشك فيها، لن نفضلك وباطلك على الحق الذي جاءنا، ورأينا البينات الواضحة عليه، وأقسموا بالله الذي فطرهم وأوجدهم من العدم ورباهم بالنعم، فافعل ما شئت، أو كما يقول أهل بيروت "اطبخ أحمض ما عندك" لم يكترثوا به ولا فكروا فيما يهددهم به، قدموا الدليل الواضح، حكمك يجري علينا ما دمنا في هذه الحياة الدنيا، ونحن لم نسعَ لها ولا رغبنا فيها، لكننا آمنا بالله ربنا طالبين أن يغفر لنا خطايانا وما ارتكبنا من آثام وما وقعنا فيه من الخضوع لسلطانك مكرهين على فعل السحر، وعلى كلٍ فالله خير من الدنيا وما فيها ومنك وأبقى، ثم وضعوا القاعدة التي يجب أن يجعلها المسلم نصب عينيه، تهوّن الحياة وتثبت القلب وتقوي الإيمان (إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى*وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى*جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) يردون على فرعون، يتوعدونه إن تجرأ على إيذائهم والإنتقام منهم تلميحاً لا تصريحاً، شأن وحال من يأت ربه مجرماً ظلم وقتل وبغى وطغى فإن له جهنم جزاءً وفاقا على ما قدم من الشر لا يموت فيها فيرتاح من العذاب، ولا يحيى حياةً هانئة ناعمة خالية من المنغصات، ومن الفوائد التي دلت عليها الآيات :
  • 1- لا يفوز الساحر في عمل يقوم به في أي مكان كان وفي أي زمان، ولا يحصّل مقصدوه خيراً أو شراً عن طريق السحر.
  • 2- الإيمان يقوي الشخصية ويثبّت النفس فلا تضطرب مهما نزل بها من أهوال.
  • 3- داب الطغاة التهديد بالعذاب لمخالفيهم أهل الحق لمحاولة إلحاق الذل بهم وإهانتهم.


وفي هذا دعوة له إلى التوبة والإنابة والكف عن إيذاء خلق الله والتسلط على عباد الله، وأكدوا على هذا بالدعوة عن طريق القدوة، ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات جملة شرطية شرطها اسم موصول ليعم في الزمان والمكان والناس، ومن شرط الإيمان ترجمته إلى عمل صالح ينفع العامل أو يدفع عنه أو ينفع غيره أو يدفع عنه، جواب الشرط تضمن بيان الجزاء درجات عالية في الجنة وأن الجنة دار إقامة دائمة تجري من تحتها الأنهار، لا موت فيها ولكن خلودٌ، وقرر أن ذلك جزاء من تطهر من الكفر والمعاصي وعمل بالطاعات فطابت نفسه وطاب عمله، وهذه دعوة إلى فرعون أن يقلع عن الباطل ويقبل على الخير، فيها نصيحة مخلصة له ولمن على شاكلته، فهل يتوب؟ إن الإنسان إذا تمرّس في المعاصي يصعب عليه التوبة، وإن بني إسرائيل عانوا من فرعون الشيء الكثير، حتى استطاع أن يخرجهم من مصر، لكن القرآن في هذا الموضع أضرب صفحاً عن التفاصيل واكتفى بذكر إخراج موسى، إذ كانت السورة تدور على موضوع إن الحق منتصر وأهله مفلحون فطوى الجانب البشع من قتل أولاد بني إسرائيل وإحياء بناتهم ومحاولة المصريين استعداء فرعون عليهم وتحريضه أن يبطش بهم، وما ابتلى الله به الفراعنة من الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم، وما كان من أمر بني إسرائيل حين تطاولوا على موسى عليه السلام، طوى القرآن كل ذلك بناءً على أنه فصّله في سورة الأعراف وذكر هناك ما كان من أمر فرعون وقومه مع موسى مستوفى فلم يعد إلى ذكره، بل بدأ من حيث انتهى في سورة الأعراف فقال:(وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لّا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى) أمره الله أن يسير بقومه ليلاً ويعبر بهم البحر، وهذا عين ما قال، جعلهم يمشون على أرض البحر، ونهاه أن يخاف من فرعون أن يدركه فيعيده إلى مصر، وأكّد على خوف العبادة فقال لا تخشى فاطمأن موسى لذلك، ولما رأى بنو إسرائيل فرعون يطاردهم وقالوا له قولتهم المشهورة إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين، وبالفعل أتبع فرعون بجنوده موسى، فلما وصل موسى إلى الضفة الثانية ضرب البحر بعصاه فأقفل وغرق فرعون وقومه في مياهه، مياه عمّته وصارت فوقه وتحته، وأنكر بنو إسرائيل أن يموت فرعون لأنه ركز في فكرهم أنه إله، فأراهم إياه ميتاً تحمله الأمواج، وهكذا كان فرعون مثالاً للمفسد الذي يوقع الناس في الضلال ويصرفهم عن الهداية، وأضلّ فرعون قومه بما حسّنه لهم من الكفر والطغيان وبما خدعهم به من الباطل ولم يرشدهم إلى طريق الهداية، (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ*وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) فاللهم نوّر أبصارنا وجنّبنا الزلل وارزقنا العمل.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة