الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

تذكرةٌ فهل من مدّكر  
سورة طه   الآيات 1 - 46


كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على هداية الناس، يبذل في سبيل ذلك كل غالٍ ونفيس، ينتهز الفرص، يوضّح الأمور، يرغّب الناس، فجاءت سورة طه تهديء من روعه، تقوي معنوياته، تعلمه الصبر وعدم الحزن على قلة مبالاة المدعويين وكثرة إعراضهم عنه وسعيهم في مصالحهم، بدأها بالحروف المقطّعة وبناها على حرفين، وثمة أقوال فيها لا أطيل بذكرها لأنها تطويل بلا دليل، ورأى بعض المفسرين أنها اسم للنبي صلى الله عليه وسلم مستندين إلى ما بعدها من خطاب، والظاهر أن طه مثل "حم" و"يس" و"طس"، وهي الأربعة عشر التي نظم منها تسعاً وعشرين سورة يتحدى بها العرب أن يعارضوا القرآن، وذكْر القرآن بعدها دليل على هذا، استفتح البيان (طه*مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى*إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى) إذا جمعنا الآيتين الأولى والثانية، قد يتبادر إلى الفهم أن طه من أسماء الرسول، وقد قدمت ما فيه الكفاية، وعلى كلٍ فالمسألة محتملة، وما يتعلق بعلم التجويد من إمالة أو تفخيم لا أتعرض له إذ كان غرضي في هذا التفسير الموجز أن أذكر من القراءات ما يؤثر على المعنى دون ما لا، ما هي النافية والجملة فيها إخبار أن القرآن منزلٌ وأن تنزيله لم يكن لإتعاب محمد وإزعاجه، وإنما أنزل مذكراً يعرف الناس على الله ويذكرهم به ويدعوهم إلى الإيمان بالله الواحد القهار، ثم وصف القرآن بأنه منزلٌ ممن خلق الأرض والسموات العلى، وما فيهما وما بينهما من مخلوقات (تَنزِيلا مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى*الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) فخّم شأن القرآن وعظّمه ليدعو الناس إلى الإيمان به والعمل بما فيه، فحكم بأنه منزلٌ وأن الذي أنزله الخالق وعلى مخلوقين لعبادته لأنه خالق عظيم، يدل على عظمته آثار صنعته، ولما دعاهم بالكلمة ناسب أن يدعوهم بالقدوة فذكر العرش الذي هو أعظم المخلوقات، وأخبر أن الرحمن عليه استوى ليدل على أن العرش خلقه الله ولا زال خاضعاً لأمره يتحكم به كما يشاء، وجاءت هذه الآية ليدل على عادة الملوك فإن لكل ملك عرشاً عليه استوى، وإذا كان استواء الله خلاف استواء المخلوق فإن الآية تدل بظاهرها على أن لهذا الكون إلهاً له الخلق والأمر، بل له أكثر من ذلك (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) له ما في السموات من مخلوقات نعلم بعضها ولا نعلم أكثرها، وما في الأرض كذلك، وما بين السماء والأرض مخلوقات مختلفات لا يعلمهن إلا الله وما تحت التراب، كل ذلك مخلوق له، لم يساعده في خلقه أحد وكلهم مربوبون له، تكفّل برزقهم لأن الرزق حق الربوبية، فهؤلاء المخلوقون مملوكون لله، اطلع على خفايا وخبايا أحوالهم صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، حتى ما يخطر ببال أحدهم، وشرّف النبي فأخبره أنه يعلم ما يسر به من القول وما يجهر به، بل وما هو أخفى من السر، لأنه الله الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص لا مستحق للعبادة إلا هو، له الأسماء الحسنى والصفات العليا، وهذه مقدمةٌ للقصة التي سيسوقها (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى*اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى). لسرد القصة طريقة اتبعها القرآن ليجعل محمداً شريكاً في الحديث، يزيل وحشته ويؤنسه، طرح عليه سؤالاً فقال:(وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى) أسمعت بخبر موسى؟ من موسى؟ ما خبره؟ يحرك في نفسه الشوق، وهذا السؤال يمكن أن يكون موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً، ولمن يقرأ القرآن على مر الليالي وتوالي الأيام، يحرك فيه الرغبة إلى معرفة تفاصيل قصة موسى فإن فيها عبراً: النبي فمن بعده في أمس الحاجة إلى الإستفادة منها، عن أي حال من أحوال موسى تسأل وأي وقت من أوقاته، يأتي الجواب (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) المراد من حديث موسى حين كان مسافراً بين مدين ومصر، في ليلة ماطرة شديدة البرد، شديدة الظلام، ربما يكون لشدة الظلام أضاع الطريق فأراد أن يبحث عن من يدله على الطريق، أو ربما احتاج إلى مَعْلم فأراد أن يبحث عنه في نور لاح له، ولما كانت النار سبب النور عبّر بها عنه، وقت أن رأى ناراً فأمر زوجته بالبقاء في مكانها وأخبرها أنه رأى رأي عين ما يسره ويسرها، ناراً ليدفع بها برد الليل وظلامه، فيأمن على نفسه وأهله الحيوانات البريّة، ووعد زوجته أن يأتيها منها بقبس، شعلة تتدفأ بها، ولعله يجد على النار مرشداً يرشده إلى الطريق، طريق مصر أو طريق النجاة من غضب الله، فكان له ما أراد (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى) وصل إلى النار ووجد شجرةً مضيئةً من أسفلها إلى أعلاها لكنها لا تحترق، تعجب وأخذته الدهشة فسمع النداء يا موسى، من المنادي؟ أتاه الجواب (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى*وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) أجابه رب العزة بأن المنادي هو الله ربه ورب آبائه، وأمره أن يخلع نعليه لأن التخلي عن النعلين فيه تواضعٌ مع الزائر ومزيد احترام، وقيل لأن نعليه كانتا نجستين لأنهما مصنوعتين من جلد حمار غير مدبوغ، وأياً ما كان فإن القرآن علل الأمر بإخبار موسى أنه في الوادي المقدّس أو بالوادي المقدّس طوى، وطوى عطف بيان أو بدل، حدد له المكان الذي هو فيه زيادةً في تأنيسه والتخفيف من روعه، وأخبره أن الله اختاره وخصّه بأن يخلق فيه القدرة على سماع الكلام النفسي، أما كيف علم موسى أنه يسمع كلام الله فالظاهر أنه سمع الكلام من جميع الجهات وبجميع حواسه فعلم علماً يقينياً أن المتكلم هو الله، وهنا يسأل القارئ ما مضمون الرسالة التي أوحى الله بها إلى موسى، كلاماً نفسياً قبل أن ينزل كلاماً لفظياً في الألواح، يأتيك الجواب (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي*إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى*فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) أول هذا الشرع الإيمان بالله وأنه لا مستحق للعبادة إلا هو، لذلك رتّب على الإخبار بأن المتكلّم هو الله الذي لا إله إلا هو الآمر بالعبادة، ولما كان رأس العبادات وأهمها إقامة الصلاة، نصّ عليها لأنها المذكّر بالله المنبّه إلى وجوب عبادته، وفي ضمن ذلك دعوة لمن نام عن صلاته أو نسيها أن يصليها إذا ذكرها، لأن ذكرها كفارتها كما روي في الحديث الصحيح، ثم جاء بقضية مؤكدةٍ ب"إن" وإن كانت خفيةً على الناس لا يعلمون متى تكون حتى تفجأهم، فتظهر الصالح من غيره والمطيع من غيره، وإذا كانت خافية على الناس فلا يُستغل خفاؤها لصرف الناس عن الإيمان بها واتباع الهوى، فإن الإعراض عن الإيمان بالآخرة والإشتغال عنها بالهوى يوشك أن يوقع من فعل ذلك بالردى، ثم سأله ثانيةً (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) السائل علام الغيوب ولكنه مهد لذكر المعجزة بهذا السؤال، ولما كان موسى مستأنساً بالحديث إلى الله سعيداً بالمناجاة، ناسب أن يسعى في إطالتها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فالجواب الطبيعي أن يقول عصا أو هي عصا، لكنه أجاب (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) فبدل أن يجيب بكلمة واحدة أجاب ببضع عشرة كلمة، سأشير إلى الزيادة: الضمير المنفصل "هي"، الضمير الموصول "ياء" الجمل "أتوكأ عليها" جملة فعلية تامة، "أهش بها على غنمي" جملة فعلية تامة، "ولي فيها مآرب أخرى" جملة إسمية تامة، والله لم يسأله عن هذا ولكنه أطنب ليطيل المناجاة، أمره الله بإلقائها على الأرض، ففعل فانقلبت حيةً حقيقيةً (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى*فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) فلما صارت حيةً حقيقية صار لها فم وأسنان فكيف يستطيع أن يدخل يده في فمها لتعود عصا؟!، (قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى) أدخل يده في فمها وحملها فعادت عصا كما كانت أول الأمر، ثم أمره أن يدخل يده في فتحة ثوبه أو أن يضم يده إلى صدره أو تحت ابطه، فتحولت من سمراء إلى بيضاء دون أن يكون فيها أثر للمرض أو عيب خلقي بالجلد "البرص" (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) فعلنا ذلك (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى)، وهاتان الآيتان تدلان على أن موسى رسول الله، وذا هو التشريف، ولما كان كل تشريف يتبعه التكليف جاء التكليف (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) أمر شاق على شاب في مقتبل العمر، ومفاجأة سعيدة حصلت لموسى، فردّ (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي*وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي*وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي*يَفْقَهُوا قَوْلِي) إن مواجهة طاغية ظالم تحتاج إلى قوة بأس وقدرة على التحمل وصبر عجيب، لذلك طلب موسى من ربه أن يشرح له صدره فلا يحس بالضيق ولا بالقلق ويواجه فرعون بصدر منشرح وقلب مطمئن، وطلب التيسير من الله وأن يجعل في صدره طلاقةً تمكنه من إيصال الرسالة إلى فرعون بوضوح وحجّة قوية، وكان موسى عصبي المزاج إذا غضب توقف تفكيره، فخشي على نفسه إن كُذّب أن يغضب فيفقد قدرته على الخطاب ورد الشبهة بالدليل، فطلب إلى الله أن يجعل له وزيراً من أقربائه، عيّنه بأنه أخوه هارون، وطلب من الله أن يكون هارون عوناً له يشد من أزره ويقوي معنوياته، يثبّته إذا اضطرب ويذكره إذا غفل ويشاركه تحمل أعباء الرسالة، ووعد الله أنه سيكون بذلك سعيداً متفرغاً لتسبيح الله عز وجل وذكره كثيراً، وأن يعترف بفضله عليه لأنه كان به وبأحواله بصيرا (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي*هَارُونَ أَخِي*اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي*كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا*وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا*إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا) حقق الله أمنية موسى وأجاب الله دعوته فوهب له أخاه هارون وزيراً ومساعداً، وكما أطنب موسى الكلام حين سُئل عن عصاه، أطنب القرآن الحديث عن نشأة موسى وتربيته وعناية الله به في صغره (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى*وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى) أعطاه الله سؤله، ومنّ عليه بإجابة دعوته وتحقيق أمنيته، فكانت منةً ثانيةً على موسى بعد المنة الأولى التي منها عليه في صغره، حين يسّر له سبل حفظه من كيد فرعون وبطشه، فقد كان مهدداً بالقتل فألهم الله أمه أن تضعه في صندوق وترتب أمره ثم تلقيه في نهر النيل، فيصل الصندوق إلى يد فرعون عدو الله وعدو موسى، لكنّ الله ألقى على موسى محبته فأحبه فرعون، وألقى محبة موسى في قلب امرأة فرعون وتربى موسى في بيت فرعون، أرضعته أمه على مرأى ومسمع من فرعون، اسمعه يصف ما كان من أمر موسى من ولادته إلى أن وصل إلى الطور، يقول اذكر (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى*أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) لم يصرّح بما أوحى به إلى أم موسى، وهذا الوحي هو تعليم لأم موسى ما تصنع بوليدها حتى تحفظه، فوجوده في بيتها يحقق هلاكه، ووضعه في نهر النيل ربما يكون سبب نجاته، ففعلت ذلك ليربى موسى برعاية الله في بيت فرعون، وأوكلت إلى أخته مراقبة ما يحدث في قصر فرعون، فلما امتنع الوليد عن الرضاع من أحد من النساء وبكى بكاءً شديداً أشفق عليه فرعون وزوجه، وأرادوا أن يساعدوه ويسكتوه بأي وسيلة، ولما علمت أخته بذلك عرضت عليهم أن تدلهم على من يكفله، وأمام عجزهم وضعفهم وخوفهم وحنوهم على الولد وافقوا، فعاد موسى إلى أمه تقر عينها به، وشبّ موسى وكبر، وفي يوم من الأيام قتل موسى رجلاً من أهل مصر، لم يقصد إلى قتله ولكنه قتله خطئاً، لأن وكز الرجل أي دفعه برفقٍ لا يقتل غالباً، ثم صبّره الله وصرف عنه الغم وقواه وأشغله بالسفر إلى مدين، وبقي فيها عشر سنين أو عشرين سنة، نسي كل شيء ثم جاء إلى الطور على قدر قدّره الله وموعد حدده (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) ثم أخبره أنه رباه على عينه واصطنعه لنفسه فحماه ورعاه ليكون رسوله إلى فرعون، فرعون الذي تربى في بيته وأكل من طعامه، فامتن عليه وقال (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) وكل هذا تشريف بعد التشريف الأول والتكليف الأول، وجاء التكليف الثاني لموسى وهارون (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي*اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى*فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) أمره أن يذهب هو وأخوه مؤيدين بالمعجزتين وأن يراقبا الله في حركاتهما ولا ينشغلا في شيء عن مراقبة الله، أمرهما أن يذهبا إلى فرعون وعلل أمره بطغيان فرعون ومجاوزة الحد، فيكونان رسول الله إليه، يخاطبانه برفق ولين، راغبين في مساعدته في الخروج من ظلمات الجهل والكفر والتسلط إلى نور المعرفة والعلم والإيمان، يخاطبانه برفق ولينٍ حتى يتذكر وربما يخاف الله عز وجل، أحس موسى بالخوف من فرعون بعدما سمع ما يشعر بطغيانه، فعبّر القرآن عن هذا (قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى) وهذا تعبير عن مكنون نفسيهما وأنهما يخافان بطش فرعون وتسلطه عليهما، أو يسيء إليهما، جاء جواب رب العزة لإدخال الطمأنينة إلى نفسيهما (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) نهاهما عن الخوف لأن الخوف إذا دخل قلب الداعية جعل لسانه يعجز عن الكلام، فلما طمأنهما أنه مطلع على حالهما مراقبٌ بعلمه ما يدور في مجلس فرعون، وعبّر عن ذلك بصفتين من صفات الجمال (أَسْمَعُ وَأَرَى)، ثم علّمه كيف يبدأ الحديث مع فرعون برفق ولين ويستخدم معه الصراحة، يظهران له صفتهما ويطلبان إليه أن يخلّي بينهم وبين بني إسرائيل، ويجعلان له علامةً تدل على صدقهما ويدعوان بالسلامة لمن اتبع الهدى، فماذا كان من أمره مع فرعون؟، اللهم بصرنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة