الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

فاعل لا منفعل 


  
 
   لما كان العلم قبل القول والعمل وجب على العاقل أن يعلم ما يريد، ثم يخطط لتحقيق ما أراد ليصل إليه من أقرب طريق وأيسر سبيل، وقاريء القرآن يعلم أهمية التخطيط لبلوغ الهدف، ففي ما قص علينا من قول الحق:  (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) تذكير بنعم الله على الإنسان: من ذكر له في الملأ الأعلى بعد خلق جميع ما في الأرض له، أوجده من العدم ورباه بالنعم، وكلفه بعبادته وعمارة الأرض، فعبادة الله تصلح نفس المكلف: تقوّم سلوكه وتصوّب مساره، تعرف بالحق وترغب فيه، وعمارة الأرض تهيء البيئة الصالحة لإقامة مجتمع فاضل يعرف كل فرد من أفراده ما يجب عليه لنفسه ولغيره فيتناصر الناس ويتناصحوا، فذكر الإنسان في الملأ الأعلى وخلق الأرض له وإرسال الرسل وإنزال الكتب دليل على التخطيط.

    المشهد الثاني الذي يدل على التخطيط ما قصه علينا في خبر غزوة بدر (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ  ●  يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ).
    كان بعض المؤمنين يكره الخروج لملاقاة العدو وإنقاذ الأموال التي تسلط عليها المشركون ظلماً وعدواناً، ولما أفلتت القافلة من قبضة المسلمين فكر بعضهم في العودة إلى المدينة، ذلك أنهم كانوا يودون الغنيمة التي لا قتال معها، لكن الله – جل وعز – أراد أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ولا يكون ذلك إلا بالجهاد الذي يحمي الحق ويمنع الظلم، وفي الحوار الذي كان بين النبي وبين أصحابه يؤسس لمبدأ التخطيط واستعراض الخيارات المتاحة للأخذ بأفضلها وتقوية روح الجماعة وجمع الكلمة حتى إذا ما حاربوا حاربوا مجتمعين يداً واحدة وقلباً واحداً وهدفاً واحداً.
     وعندما مال النبي إلى رأي أبي بكر: قبول الفداء من أسرى بدر، كان يخطط لإقامة مجتمع نظيف تسوده الرحمة والعفو والتراحم، وما عتاب الله له إلا تربية للمؤمنين أن لا يلتفتوا إلى الدنيا ولا يقبلوا عليها، يريد منهم أن تكون الدنيا وسيلة في اليد لا غاية يسعى إليها ويبذل في تحصيلها النفس والنفيس.
    وفي قوله (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) دعوة إلى إعمال الفكر فيما يرى ويسمع فإن النبي ومن بعد أي حاكم إذا شعر الأعداء بأنه رحيم لا يقتل، أقبل عليه الأعداء ليأسرهم بأعداد كبيرة فيرهق بتأمين الحاجات الضرورية لهم وحراستهم فيضعف عن إقامة العدل، من هنا كان التخطيط السليم إلحاق الضرر البالغ بالعدو فيهرب منه لشدة خوفه، هكذا نرى في عتاب النبي على أخذ الفداء، دعوة الأمة إلى التنبه إلى ما يراد بها ولها وأن تعمل على وفق هذا.

    المشهد الثالث: أمر النبي جرحى أحد بالسير لملاقاة الأعداء، لأنه هدف إلى إرهاب الأعداء ورفع روح المؤمنين المصابين المعنوية فلا يضعفون عن نصرة الحق وإقامة العدل (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ).
    وحفر الخندق في غزوة الأحزاب تخطيط محكم لحماية المدينة، فاجأ الأعداء، واجتماع المؤمنين وثقتهم بالله حقق لهم النصر بغير قتال (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) .
    وعقد صلح الحديبية وما فيه من ظلم ظاهر وتسمية القرآن له بالفتح يدل على أهمية التخطيط في حياة الإنسان، عليه يتوقف نجاحه في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
    فوضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس على أنفسهم، ينشط فيها الدعاة، ويدخل الناس في دين الله أمر مرغوب فيه، مقصود شرعاً، لا يخلو عن فائدة، ورد المؤمن الذي ترك مكة بغير إذن وليه ابتلاء له إن صدق مع الله جعل الله له فرجاًَ ومخرجاً والواقع يؤكد هذا، ولما كانت المرأة ضعيفة تعجز عن حماية نفسها لم يردها.
    وهذا الصلح كان السبب المباشر لفتح مكة وإتباعها لحكم الله، والعفو عن أهل مكة الذين بالغوا في إيذاء النبي وأصحابه، واجتهدوا في إبطال الحق وإطفاء نور الله فعل ناشيء عن تخطيط محكم، حقق ما هدف إليه، فكان من نتيجة هذا العفو دخول الناس في دين الله أفواجا.

    كان رسول الله عارفاً ما يريد وخطط لتحقيقه من اليوم الأول لدخوله مدينته التي نورها الله بإقامة نبيّه فيها، واستطاع أن يحقق ما أراد بعون الله وتوفيقه.

واليوم ونحن في القرن العشرين بل الحادي والعشرين هل نعرف ما نريد وما يراد بنا وهل نخطط لما نريد تحقيقه، أو نسير لما يراد بنا، وننفذ ما يراد بنا ولنا بأيدينا ونحن غافلون.

    أضعنا الأندلس بخلافاتنا واستعانتنا بالعدو الطامع على أهلنا وإخواننا، ولا خططنا للعودة إليه، ولو بالدعوة، بل صار نسياً منسياً. وقس على ذلك جميع قضايانا العامة والخاصة.

    نبحث عن ... لا ندري عما نبحث، نخاف من كل شيء، ونسعى لتحقيق كل شيء لا شيئاً معيناً، أقصى ما يتمناه الشاب منا الحصول على عمل ثابت بأجر كبير، الشباب مشغول بنفسه: بمعاشه ناسياً أن الرزاق هو الله ذو القوة، الكل يبحث عن المال، ويسعى إلى تحصيله من جميع السبل، ويبذل في ذلك النفس والنفيس، ماذا لو جاءه المال وفقد الصحة، أو فقد العقل، أو فقد الحياة، ماذا يفعل بالمال! أيأخذه معه إلى قبره، ماذا ينفعه؟.

    فيا معشر الشباب الحاصلين على البكالوريا اللبنانية القسم الثاني، هذه كلية الشريعة تفتح ذراعيها لتستقبلكم وتحنو عليكم حنو الأم على ولدها، وترعاكم رعاية الأب العالم البصير بما يصلح أبناءه، لتجعل منكم علماء ربانيين لا تتأثرون إلا بالحق، ولا تتولون إلا الله، ولا تخضعون إلا له، مواطنين صالحين، وعلماء عاملين، تعرفون الحق بالدليل وتدعون إليه بالحكمة، تنشرونه وتنصرونه؛ والله الموفق.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة