الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ما المؤمنون 
سورة المؤمنون   الآيات 1 - 52


سورة المؤمنون ذكرت الإيمان وبينت حقيقته وثمرته وعواقب مخالفته وذمت الكافرين، من هنا افتتحها ببيان فلاح المؤمنين ليدل به على عدم فلاح الكافرين (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) قد فاز المؤمنون بالله العاملون بشرعه من أجل الحصول على ما يطلبون من الفوز في الدنيا والنجاة في الآخرة مما يرهبون، ثم وصفهم فقال:(الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) الذين هم في صلاتهم متذللون قد سكنت فيها جوارحهم وفرغت قلوبهم من الشواغل والصوارف التي تصرفهم عن الله وعن تدبر آيات القرآن، والذين هم عن الباطل واللهو وما فيه معصية من الأقوال والأفعال معرضون، (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) والذين هم لتطهير أنفسهم من الرذائل، وتطهير عقائدهم من الأمور الباطلة التي تخالف ما شرعه الله، وتطهير أموالهم بإخراج جزء محدد منها يصرف لأناس مخصوصين من أموال مخصوصة، (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) والذين هم لجوارحهم حافظون فلا يمتد نظرهم إلى حرام ولا يشتهون إلا الحلال، قد حرصوا على فروجهم أن تبقى طاهرة فأبعدوها عن الزنى والفواحش والشذوذ، حافظون لها فلا يطلقونها في محرم، لكن فيما أحل الله من قناة نظيفة على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإن الله أحل لهم ذلك، لذلك قال إنهم لا يلامون في الإستمتاع بهن وبما أحل الله، فمن طلب الإستمتاع بما عدا الزوجات أو إيمائه التي يملكها فهو متجاوز لحدود الله، قد تجاوز ما أحله الله من التمتع إلى ما حرمه، (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) والذين هم لما ائتمنهم الله عليه أو ائتمنتهم عليه عباده، حافظون للأمانة مؤدونها لأصحابها لا يخونون ولا يغدرون، حافظون لها لا يضيعونها ولكن يوفون بها، ولما كانت الصلاة إحدى الأمانات ناسب أن يذكرها فقال:(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) أي والذين يداومون على الصلاة في أوقاتها المحددة مراعين شروطها وأركانها وسننها وهيئاتها، يراقبون الله في أدائها في أوقاتها تامة، حتى لكأنها قائمة فيهم وهم قائمون فيها، صفات عشرة اتصف بها المؤمنون فاستحقوا أعلى درجات الجنة لذلك قال:(أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ*الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) اولئك المتصفون بهذه الصفات هم الذين يرثون الفردوس، أوسط الجنة وأعلاها وخير مكان هم فيها خالدون، مقيمون لا يخرجون ولا يخرجون، هم هناك ماكثون لا ينقطع نعيمهم فيها.
ولما وصف المؤمنين بما وصفهم به من الصفات ورتب على ذلك ما أعد لهم من نعيم، ناسب أن يذكّر بالخلق الأول فقال:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ*ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ*ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) خلق الله آدم أبا البشر من طين تراباً وماء ًكما خلق سائر النباتات، يذكرون في تفاصيل ذلك أموراً لم يدل عليها دليل واضح، المهم أن أصل الإنسان من تراب عليه ماء، وإذا ألقي الماء على التراب صار طيناً، وهذا يعلم الإنسان التواضع والطمأنينة وعدم التعالي على خلق الله، ثم تناسل من الماء نطفة تستقر في الرحم إلى حين الولادة، وهذه النطفة قطرة ماء تتكامل مع الأيام وتتوالد وتمر في أطوار أشار إليها علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأه خلقاً آخر. كان عبد الله ابن سعد ابن أبي السرح أحد كتبة الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب له هذه الآية، إلى أن وصل (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) قال في نفسه (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال اكتبها، قال ما اكتب قال (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) دخل عليه الشيطان من خلال هذا فقال في نفسه إن كان محمد صادقاً يوحى إليه فأنا كذلك، وإن كان كاذباً يخترع كلاماً وينسبه إلى الله فأنا أستطيع أن أخترع كلاماً ككلامه، وارتد ولحق بالمشركين، فلما فتحت مكة استأمن له عثمان ابن عفان رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنه أول الأمر، وكان هدر دمه، ثم بعد ذلك أمّنه وأخبر الناس أن ما دعاه إلى عدم تأمينه رجاء أن يقوم أحد المسلمين فيقتله، قالوا لم تشر لنا فأخبرهم أن النبي لا يغدر، وهكذا أمّن الله عبد الله ابن سعد لحكمة يعلمها الله، فقد كان له الفضل في فتح إفريقيا ومصر ونشر الإسلام بعيداً من جزيرة العرب، ولما ذكرت الآيات أول الطريق تابعت المسير فقال:(ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ) ثم إنكم أيها الناس بعد ما مررتم به من تلك الأطوار وخرجتم إلى الحياة ستموتون عند انقضاء آجالكم، (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) ثم إنكم بعد موتكم تبعثون من قبوركم يوم القيامة بعد النفخة الثانية لتحاسبوا على ما قدمتم من عمل وتجزون على ذلك، هي الطريق التي يسيرها كل إنسان من لدن أن يكون تراباً إلى أن يصير إنساناً في الدورة الثانية من الحياة، حيث يحاسب على ما قدمت يداه من عمل ويجزى عليه نعيماً مقيما أو عذاباً أليما، هذه طريق الإنسان يسلكها من المبدأ إلى المعاد، أما الدليل من الطبيعة الذي يدل على إمكان ذلك فهو قوله:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) يقسم الله أنه خلق فوق الناس سبع سماوات بعضها فوق بعض، بين كل سماء وسماء فراغ، وما كان الله بغافل عن خلقه ولا ناسياً إياهم، من فوائد الآيات:

  • 1- للفلاح أسباب متنوعة يحسن معرفتها والحرص عليها.
  • 2- التدرج في الخلق والشرع والأحكام سنة إلهية.
  • 3- إحاطة علمه بمخلوقاته.

ولما ذكر السموات ناسب أن يذكر المطر وأثره في الأرض فقال:(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ*فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) يخبر أنه أنزل المطر من السماء بمقدار الحاجة لا كثيراً فيفسد الزرع ولا قليلاً فلا يكفيه، فجعله يستقر في الأرض ينتفع به المخلوقون من الناس والدواب، ويبقى تحت سلطانه، فإذا أراد إذهابه أذهبه فلا تقدرون على الإنتفاع به، وذكر شيئاً من فوائد الماء، وجود الأشجار فلولا الماء ما كانت الأرض لتنبت، والماء والتراب أخرج بساتين كثيفة الأشجار مختلفة الثمار، نخيل وأعناب وفواكه كثيرة منها تأكلون، فالتراب والماء يخرج ألواناً من الفواكه كالتين والرمان والتفاح وغيره، الأصل واحد وذلك يدل على فاعل مختار، ثم ذكر شجرة متميزة كلها خير في ثمرتها، في عروقها، في أوراقها، في كل شيء منها دليل على القدرة فقال:(وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ) وأنشأنا لكم بالماء والتراب شجرة الزيتون التي تخرج في منطقة جبل سيناء، تنبت بالدهن الذي يستخرج من ثمرها، يدهن به ويؤتدم، وللزيت فوائد لا مجال لذكرها في هذه العجالة، ولما ذكر بديع صنعه في الطبيعة القريبة والنباتات المختلفة من أصل واحد، ناسب أن يذكر دليلاً آخر من الحيوان، فيه دليل على القدرة وتحويل الخبيث إلى طيب إشادةً بالمنعم ودعوة الناس إلى الإقتداء به في تحويل الخبيث طيباً، فذكر الأنعام (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ*وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) وإن لكم - أيها الناس - في الأنعام لعبرة ودلالة وهي "الإبل والبقر والغنم والماعز" تستدلون بها على قدرة الله ولطفه بكم، نسقيكم بما في بطون هذه الأنعام لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، حوّل فيه القبيح إلى طيّب، فاللبن يخرج ما بين الفرث والدم، لا يطغى عليه لون الفرث ولا لون الدم، لكن يبقى أبيضاً ناصع البياض طيّب الرائحة، فيه شفاء من بعض الأمراض وغذاء ودواء، وصدق الله (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ) تنتفعون بها كالركوب عليها والإفادة من صوفها ووبرها وشعرها، وتأكلون لحومها، وعلى الإبل من الأنعام في البر وعلى السفن في البحر تحملون، هكذا قدّم الحديث عن الأنبياء في هذه السورة، ليجتمع إلى الإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان بالنبوة والرسالة فتتحد أدلة الإيمان وتجتمع في السورة الواحدة أركان الإيمان الثلاثة، الإيمان بالله واليوم الآخر والنبوة، قال تعالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) وعزة الله لقد أرسل نوحاً إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله فقال لهم يا قوم يا من تعطون الأرض قيمة ويقوّم بكم المجتمع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، ما لكم من معبود بحق غيره، أتعلمون ذلك فلا تتقون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإن حقيقة التقوى هي وضع وقاية بين العبد وربه، ولا تكون إلا بطاعته، رد القوم (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ*إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) فقال الجماعة الذين يملؤن المجالس ويحركون المجتمع، الذين كفروا بالله من قومه لأتباعهم وعامتهم، يريدون صرفهم عن النبي، ما هذا الذي يزعم أنه رسول الله إلا بشر مثلكم، يريد الرياسة والسيادة عليكم بهذه الدعوة، فلو شاء الله أن يرسل إلينا رسولاً لأرسله من الملائكة ولم يرسله من البشر، ما سمعنا بمثل ما ادعاه عند أسلافنا الذين سبقونا، وما هو إلا رجل به جنون لا يعي ما يقول، فانتظروا به حتى يتضح أمره للناس وتعلم حقيقته (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) قال نوح عليه السلام رب انصرني عليهم بأن تنتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياي، علم الله صدقه وحرصه ومبالغته في الدعوة (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ*فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ*وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) فأوحى الله إلى نوح أن اصنع السفينة بتعليمي إياك كيف تصنعها ومراقبتي لك، فإذا حان الوقت وصدر الأمر بإهلاكهم جعلت لك علامةً هي خروج الماء من التنور الذي يخبز فيه، عندها فادخل فيها من كل الأحياء زوجين ذكراً وأنثى ليستمر النسل، وأدخل أهلك المؤمنين إلا من سبق عليه القول من الله بالإهلاك لكفره، مثل زوجتك وابنك، ولا تخاطبني في شأن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر تطلب نجاتهم وعدم إهلاكهم لأنهم مهلكون لا محالة بالغرق في ماء الطوفان، فإذا تم لك ذلك علوت على السفينة أنت ومن معك من المؤمنين الناجين فقل الحمد لله الذي أنقذنا من القوم الكافرين فأهلكم وأنجانا، وقل رب أنزلني من الأرض منزلاً مباركاً يكون فيه الخير لي ولذريتي ولمن آمن بي، واحمنا من شر كل ذي شر وأنت وحدك خير المنزلين (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) إن في إنجاء نوح وأولاده الثلاثة والمؤمنين من قومه معه وإهلاك الكافرين لدلالات جليّة على قدرة الله نصر رسله وإهلاك المكذبين بهم، وإن كنا لمختبرين قوم نوح بإرساله إليهم ليظهر المؤمن من الكافر والمطيع من العاصي والبر من الفاجر، وفي الآيات فوائد:
  • 1- لطف الله بعباده ظاهراً بإنزال المطر وتيسير الإنتفاع به.
  • 2- التنويه بمنزلة شجرة الزيتون.
  • 3- إعتقاد المشركين ألوهية الحجر وتكذيبهم بنبوة البشر دليل على سخف عقولهم.
  • 4- نصر الله تعالى لرسله ثابت عند تكذيب أممهم لهم.

(ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ*فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) ثم أنشأنا من بعد إهلاك قوم نوح أمة ثانية فبعثنا فيهم رسولاً منهم يدعوهم إلى الله فقال لهم اعبدوا الله وحده ما لكم من معبود بحق غيره، أتعلمون ذلك فلا تتقون الله!! باجتناب ما نهاكم عنه وامتثال ما أمركم به، ومثلما قال الأولون قال الأشراف والسادة من قومه الذين كفروا بالله وكذبوا بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب وأطغاهم ما أكرمهم الله به من توسعة في أرزاقهم وما أكرمهم به من النعم في الحياة الدنيا، قالوا لأتباعهم وعامتهم ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون منه، فليس له مزية عليكم حتى يبعثه الله رسولاً إليكم (وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ*وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ) وعزة الله لإن أطعتم بشراً مثلكم وتركتم تراث آبائكم إنكم إذاً لخاسرون، لأن طاعته لن تفيدكم لأنكم لم تؤمنوا به وليس له فضيلة عليكم يستحق بها أن تخضعوا له (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ*هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) أيعدكم هذا الذي يزعم إنكم إذا متم وصرتم تراباً وعظاماً بالية أنكم تخرجون من قبوركم أحياء أيعقل هذا!! من يصدقه!! كيف يصير الميت حيا!! هكذا سوّلت لهم أنفسهم فاستبعدوا البعث بعد الموت، لذلك استخدموا إسم الفعل لاستبعاد البعث، أمر بعيد جداً ما توعدون به من إخراجكم من قبوركم أحياء بعد موتكم ومصيركم تراباً وعظاماً بالية (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) إذاً ما حقيقة الحياة الدنيا إن هي إلا حياة نحياها ونموت بعدها وما نحن بمبعوثين، ليست الحياة إلا الحياة الدنيا لا للحياة الآخرة، تموت الأحياء منا ولا تحيا، ويولد آخرون فيحيون، ولسنا بمخرجين بعد موتنا للحساب يوم القيامة (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) توصلوا إلى نتيجة مؤداها أن الرسول ما هو إلا رجل افترى على الله كذبا ورفضوا أن يؤمنوا به ويخضعوا له، قالوا ما هو إلا رجل إختلق على الله كذباً بادعائه هذا ولسنا بمصدقين له، إنها القصة عينها والناس أنفسهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ*قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ*فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ*ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ) قال الرسول رب انصرني عليهم بأن تنتقم منهم لي بسبب تكذيبهم إياي، بعد زمن قليل سيصبح هؤلاء المكذبون بما جئت به نادمين على ما وقع منهم من التكذيب بالنبوة والرسالة، وما هي إلا لحظات فأخذهم صوت شديد مهلك باستحقاقهم العذاب لتعنتهم فصيرهم هلكى مثل غثاء السيل، أبعد الله القوم الظالمين بسبب ظلمهم وتكذيبهم، ثم بعد إهلاكهم أنشأ الله أقواماً وأمماً مثل قوم لوط وقوم شعيب وقوم يونس (مَاتَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) لا تتقدم أي أمة من هذه الأمم المكذبة الوقت المحدد لإهلاكها ولا تتأخر عنهم مهما كان عندها من الوسائل التي تستخدمها لحماية نفسها (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لّا يُؤْمِنُونَ) ثم بعثنا رسلاً متتابعين رسولاً يليه رسول، كلما جاء أمة من تلك الأمم رسولها المبعوث إليها كذبوه، فأتبعنا بعضهم بعضاً بالهلاك فلم يبق لهم وجود، اللهم إلا أحاديث الناس عنهم، فهلاكاً لقوم لا يؤمنون بما جاءتهم به رسلهم من عند ربهم (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ*إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) ثم بعثنا من بعد اولئك موسى وهارون الأخوين، بآياتنا المؤيدة لهما العصا، يده، الجراد، القمل، الضفادع، الدم، الطوفان، السنين، نقص الثمرات، وبحجة واضحة وبرهان قاطع أن موسى وهارون رسولا رب العالمين، بعثناهما إلى فرعون والأشراف من قومه الذين يعتد برأيهم ويستمع قولهم، فاستكبروا عن قبول الحق ورفضوا الإيمان بموسى، فلم ينقادوا لهما وكانوا قوماً مستعلين على الناس بالقهر والظلم والتسلط (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ*فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا، لا مزية لهما علينا، وقومهما لنا مطيعون خاضعون خضوع العبد لسيده، وخضوع المستكين لمن أمره بيده، فكان من نتيجة ذلك أن كذبوهما فيما جاءا به من عند الله، فكانوا بسبب تكذيبهم من المهلكين بالغرق (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) هكذا ذكر قصة موسى مختصرةً تتوافق والغرض الذي سيقت له والهدف الذي أراده منها القرآن الكريم، فوضعت حداً فاصلاً بين الإيمان والكفر فكان الدليل واضحاً يبين من يستحق الإيمان ومن لا، ثم ذكر ما أكرم به موسى من النبوة والرسالة فذكر التوراة التي هي عبارة عن الوحي المتلو، يهتدي بها قومه إلى الحق ويعملون بها إلى ما فيه صلاحهم في عاجل أمرهم وآجله، ولما ذكر معجزات موسى ناسب أن يذكر معجزات عيسى فقال:(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) صيّرنا عيسى ابن مريم وأمه مريم علامةً دالة على قدرة الله فقد حملت به من غير أب، فجاءت على القسم الثاني من ولد من أم بغير أب، وأواهما إلى مكان مرتفع من الأرض مستوٍ صالحٍ للإستقرار عليه، فيه ماءٌ جارٍ متجدد، ثم خاطبهما وحدهما أو مع غيرهما فقال:(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) فأمر المرسلين بما أمر به المؤمنين قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) فأباح لهم ولجميع المؤمنين أن يأكلوا مما يستطاب أكله، لأن الطيب يطلق على الحلال وعلى المستلذ، ولما كان المتكلم المشرع ناسب صرف اللفظ إلى المستلذ، إذ كان لا يبيح الأكل من غير الحلال، وأمرهم أن يعملوا عملاً صالحاً موافقاً للشرع لأنه بما يعملون محيط، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فما دام رزقهم من الطيبات فإن واجبهم أن يعملوا الأعمال الصالحات شكراً للمنعم وحفظاً للحياة من أن تضيع عبثاً أو لهواً ويدخل المؤمن النار بسبب تقصيره أو كفره، وأخبرهم أن ملتهم ملة واحدة هي الإسلام، وأن ربهم واحد لا رب لهم غيره، وأمرهم باتقائه ويتحقق ذلك بالتزام أوامره واجتناب ما نهى عنه، ثم حكم حكماً مبرماً فقال:(وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) هذه الملة الحنيفية السمحة ملة أبيكم إبراهيم بل ملة الأنبياء قبله ملة واحدة هي الإسلام، لأن الدين عند الله الإسلام، ورب هذه الملة هو الله الواحد القهار، فاتقوه وأطيعوه، إئتوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه تفلحوا في الدنيا والآخرة. هكذا جمع الناس على ملة واحدة ودين واحد وعقيدة واحدة كما سبق وقال في سورة الأنعام (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) فأصل الأديان دين واحد لأن العقيدة لا تتغير ولا تنسخ، فإنه يستحيل عقلاً أن يأمر الله طائفة باتباع اليهودية، وثانية باتباع النصرانية، وثالثة باتباع الإسلام، لأن المصدر واحد وأما الشريعة فتختلف باختلاف الزمان والمكان لأنها بمثابة الدواء لأمراض المجتمع، فقد تختلف الأمراض فيختلف الدواء، ولكن العقيدة واحدة، فاللهم ثبتنا عليها وأعنا فلا نقول إلا حقا ولا نعمل إلا ما فيه مصلحة لنا أو لغيرنا، أو دفع مضرة عنا أو عن غيرنا، أما ما كان من أمر الناس هل التزموا بالمنهج أم خالفوه فيأتي جوابه إن شاء الله.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة