الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

قصة منكرة لم تثبت بعقل ولا نقل 
سورة الحج   الآيات 52 - 78


قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم في المسجد الحرام بمحضر من المسلمين والمشركين، وما إن سجد حتى سجد بسجوده جميع من في المسجد إلا رجلاً واحداً أخذ حفنة من تراب ووضعها على جبهته وقال تكفيني هذه، سجدوا جميعاً مؤمنين ومشركين تأثراً ببلاغة القرآن، ما أزعج أعداء الإسلام فبدأوا يبحثون عن مبرر لهذا السجود، لماذا سجد المشركون؟ فاخترعوا قصةً عجيبة لا يقبلها عقل ولا تتوافق مع النقل، قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ مترسلاً (أفرأيتم اللات والعزى..الآيات) فحاكى الشيطان صوته وأدخل في كلامه كلاماً، ولو صح لم تسجد قريش ولأقامت عليه الدنيا ولم تقعدها، لما في ذلك من تناقض وجمع بين المتخالفات، ولكن أعداء الإسلام تمادوا في ذلك ونزّلوا هذه الآيات على تلك القصة مع بعد المسافة بينهما (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وما بعثنا من قبلك أيها الرسول من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى، كلمة تمنى تطلق في اللغة على معنيين: تمنى أي أحب واشتهى ورجا، وعلى معنى قرأ، والظاهر المعنى الأول، والثاني عدول إلى المعنى المرجوح، ففسروا كلمة تمنى هنا قرأ، ألقى الشيطان في أمنيته يعني في قراءته ما يلبّس به على الناس أنه من الوحي، فيبطل الله ما يلقيه الشيطان ويثبّت آياته والله بكل شيء عليم لا يخفى عليه شيء، حكيم في خلقه وتقديره وتدبيره، واستدلوا على هذا المعنى بشعر منه تمنى كتاب الله آخر ليله..البيت، وهذا المعنى عدول عن الحقيقة، والأصل في الكلام الحقيقة وأن لا نعمد إلى التأويل إلا لضرورة يتعذر معها حمل اللفظ على ظاهره، وكلمة تمنى في اللغة تدل على الرغبة وأقصى ما يتمناه الرسول أو النبي هداية قومه، فيبذل النفس والنفيس من أجل بيان الحق وإقامة الدليل عليه والترغيب فيه، وسياق الآيات وسباقها يدل على ذلك، فقوله ألقى الشيطان في أمنيته العراقيل، ليصرف الناس عن دعوته، ونسخ الله رفع للعراقيل وإزالة لها، وإحكام الله آياته تثبيتها وتبيانها ورد الأباطيل، ولكن من اخترع هذه القصة سار بها إلى الآخر مستنداً إلى القصة الأخرى التي لم تثبت، ولو ثبتت لكان فيها تناقض بيّن ومدح للأصنام وذم لها في وقت واحد (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) ليجعل العراقيل التي يلقيها الشيطان إبتلاءً من الله للذين في قلوبهم مرض ونفاقٌ وعدم ثقة بالرسول، والقاسية قلوبهم الذين لم تخالطه بشاشة الإيمان، وهو فريق الظالمين لذلك تراه يقول إن الظالمين في شقاق بعيد شق غير شق الله ورسوله، وإن البلاء الذي يبتلى به المؤمن يصفي نفسه ويقوم سلوكه ويصوّب مساره ويبيّن فضله، وهذا ما أشار إليه بقوله:(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) فإذا نزل البلاء تبيّن بواسطته المؤمن من الكافر، والمحق من المبطل، وذا الفضل ممن لا فضل له، ويتيقن الذين أعطاهم الله العلم أن القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي أوحى به الله إلى النبي فيزدادوا إيماناً به وتخضع له قلوبهم وتخشع، وإن الله الذي أنزله لموفق الذين آمنوا بالقرآن إلى طريق الحق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه جزاء استقامتهم، ثم بيّن أن العداوة بين أهل الحق وأهل الباطل مستحكمة فقال:(وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) ولا يزال الذين كفروا بالله وكذبوا برسوله في شك مما أنزل الله عليه من القرآن مستمرين على خلقهم الذميم حتى تأتيهم الساعة فجأة، وهم على ذلك أو يأتيهم عذاب يوم لا رحمة فيه ولا خير للكفار والعصاة، وهو يوم القيامة بالنسبة إليهم (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ*وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) الملك يوم القيامة لله وحده لا منازع له فيه، هو سبحانه يحكم بين المؤمنين والكافرين، فيحكم لكل منهم بما يستحقه، فالذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات لهم ثواب عظيم هو جنات النعيم المقيم الذي لا ينقطع، والذين كفروا بالله وكذّبوا بآياته المنزّلة على رسوله صلى الله عليه وسلم لهم عذاب مذل يذلهم الله به في جهنم، أما الذين تركوا ديارهم وأوطانهم طلباً لمرضاة الله وإعزازاً لدينه ثم جاهدوا حتى قتلوا في سبيل الله أو ماتوا ميتة ربهم، ليرزقنهم الله في الجنة رزقاً حسنا دائما لا ينقطع، وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم الله موضعاً يرضونه وهو الجنة، وإن الله لعليم بأفعالهم ونياتهم، حليم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة على ما فرطوا في حياتهم الدنيا (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ*لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ). ثم لما أوضح عاقبة المهاجرين في سبيل الله ناسب أن يذكر الإذن لمقاتلة المعتدي لرد الإعتداء ومنع الظلم، فإن عاود الإعتداء فإن الله ينصر المعتدى عليهم فقال:(ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) جاء بكلمة ذلك لربط الجمل بعضها مع بعض، فإدخال المهاجرين في سبيل الله الجنة والإذن بمقاتلة المعتدي بمثل ما اعتدى به بحيث لا إثم عليه في ذلك، فإن عاود الإعتداء فإن الله ينصر المعتدى عليهم ويعفو عن ذنوب المؤمنين ويغفر لهم، لأنه المتصرف الوحيد في هذا الكون، ومن انتصر للمعتدى عليه قادر على ما يشاء، ومن قدرته إدخال الليل في النهار والنهار في الليل، بزيادة أحدهما ونقص الآخر، وإن الله سميع لأقوال عباده عليم بأفعالهم، لا يخفى عليه شيء منها وسيجازيهم عليها (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ*ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ذلك المذكور من إدخال الليل في النهار والنهار في الليل لأن الله هو الحق، فدينه حق ووعده حق ونصره للمؤمنين حق، وأن ما يعبده المشركون من دون الله أوثاناً كان أو أصناماً هو الباطل الذي لا أساس له، وأن الله هو العلي على خلقه قدراً وقهراً وصفات، الكبير الذي له الكبرياء والعظمة والجلال.
ثم جاء الوقت المناسب لذكر الأدلة المنتزعة من الطبيعة القريبة فقال:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ*لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) جمع بين الإستفهام والنفي ليقرر أن المسألة المتحدث عنها قطعية الثبوت يقينية الدليل مستندة إلى الحس، أنزل من السماء مطراً فتصبح الأرض بعد نزول المطر خضراء، بما أنبتته من نبات، إن الله لطيف بعباده حيث أنزل لهم المطر وانبت لهم الأرض، خبير بمصالحهم لا يخفى عليه منها شيء، له وحده ملك ما في السموات وملك ما في الأرض، وإن الله لهو الغني غناً كاملاً لا يفتقر إلى أي مخلوق من مخلوقاته المحمود في كل حال على الدوام، ومن فوائد الآيات:

  • 1- مكانة الهجرة في الإسلام وبيان فضلها.
  • 2- جواز العقاب بالمثل.
  • 3- نصر الله المعتدى عليه إما في الدنيا أو في الآخرة.
  • 4- إثبات الأسماء الحسنى والصفات العليا لله عز وجل على ما يليق به.
مرة ثانية يذكرنا بالآيات الكونية فيقول:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ*وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ) ألم تعلم علماً يقينياً أيها النبي أن الله ذلل لك وللناس ما في الأرض من الدواب والجمادات لمنافعكم وحاجاتكم، ويسر لكم السفن تجري في البحر بتقديره وتسخيره من بلد إلى بلد، ويمسك السماء حتى لا تسقط على الأرض إلا بإذنه، فلو أذن لها أن تسقط لسقطت على الأرض، لكنه بالناس رؤوف رحيم، حيث سخر لهم أشياء مع ما فيهم من ظلم، والله هو الذي أحياكم، أوجدكم بعد أن كنتم معدومين، ثم يميتكم إذا انقضت أعماركم، ثم يحييكم بعد موتكم ليحاسبكم على أعمالكم ويجازيكم عليها، إن الإنسان كثير الجحد بنعم الله مع أنها ظاهرة، وجحده عبادته غير من خلق ورزق وأعطى ومنع.
ولما أقام الأدلة الحسية المنتزعة من الطبيعة القريبة أو البعيدة ناسب أن يعود بنا إلى العبادة وما كان من أمرها عبر القرون فقال:(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ*وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ*اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) وإن أصروا على معاندتك وأبوا إلاّ أن يجادلوك بعد ظهور الحجة ووضوح الدليل، ففوض أمرهم إلى الله وقل لهم على سبيل الوعيد الله أعلم بما تعملون، لا يخفى عليه من أعمالكم شيئاً وسيجازيكم عليها، فالحكم العدل هو الله يحكم بين عباده مؤمنهم وكافرهم يوم القيامة في الأشياء التي كانوا فيها يختلفون في الدنيا من أمور الدين، ثم ذكر سعة علمه فقال:(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) نفي واستفهام وكأنه علم قطعي ودليل حسي على سعة علم الله، يعلم ما في السماء ويعلم ما في الأرض، لا يخفى عليه شيء مما فيهما، بل ذلك كله مسجّل في اللوح المحفوظ، والله محيط بعلم ذلك كله، فهل رعى الناس ذلك في عباداتهم؟ أم تركوا الأصل واتبعوا الفرع؟ إن الناس متمسكون بالباطل مصرون عليه، قد لا يتكلمون ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم من أصنام لم ينزل الله حجة على عبادتها في كتبه وليس لهم دليل على ذلك من عقل أو نقل، مستندهم في ذلك التقليد الأعمى لآباءهم، وقد اقتضت حكمة الله أن لا ينصر الظالمين لا هو ولا غيره مما سيحل بهم يوم القيامة من عذاب الله ولا من يدفع عنهم (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ*وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وإن تقرأ عليهم آيات الله في القرآن واضحات المعنى بينات لا يعجبهم ذلك، بل تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر بمظاهر تظهر عليها وعلامات تعرف بها عند سماعهم لها، يكادون من شدة الغضب يبطشون بالذين يقرأون عليهم آيات الله، قل لهم أفأنبئكم بشر من غيظكم وعبوسكم النار التي وعد الله بها الكفار يدخلهم فيها، وساء المصير الذي يصيرون إليه، وفي الآيات فوائد:
  • 1- من نعم الله على الناس تسخير ما في السموات وما في الأرض لهم.
  • 2- إثبات صفتي الجمال الرأفة والرحمة لله.
  • 3- إحاطة علم الله بما في السموات والأرض وما بينهما.
  • 4- التقليد الأعمى هو سبب تمسك المشركين بشركهم.
ثم ضرب لهم مثلاً يبين جهلهم وغباءهم وضعف عقولهم فقال:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ*مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) ضرب مثل: قصة عجيبة فاستمعوا له واعتبروا به، إن ما تعبدون من دون الله من أصنام وغيرها لن يخلق ذباباً على صغره لعجزهم وضعفهم، ولو اجتمعوا كلهم على أن يخلقوه ما خلقوه، وإذا أخذ الذباب شيئاً مما عليهم من طيب وما أشبهه لم يقدروا على إنقاذه منه، وبعجزهم عن خلق الذباب وإنقاذ أشيائهم منه تبيّن عجزهم عما هو أكبر من ذلك، فكيف تعبدونها مع عجزها وضعفها من دون الله، وتتركون القوي الغني المعطي المانع، ضعف الطالب والمطلوب وهو الصنم الذي لا يستطيع إنقاذ ما استلبه الذباب منه، وضعف الذباب المطلوب، مثلٌ رائع يصوّر ضعف المعبودات وعجزها وضعف عقول العابدين وعجزهم، ما ينتج عن ذلك أنهم ما قدروا الله حق قدره، ما عظموه حق تعظيمه حين عبدوا معه بعض مخلوقاته، مع أن الله قوي عزيز، وقوته وقهره لا يغالبه أحد فيهما، بخلاف أصنام المشركين فهي ضعيفة عاجزة لا تخلق شيئاً ولا تدفع شيئاً، والله يخلق ويرزق ويعطي ويمنع (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ*يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى الناس ويختار من الناس رسلاً كذلك، فيرسل بعض الملائكة إلى الأنبياء من البشر ويرسل الرسل من البشر إلى الناس، يختارهم على علم بما يصلحهم ويصلح لهم، لأن الله سميع لما يقوله المشركون في رسله بصيرٌ بمن يختاره لرسالته، يعلم سبحانه ما عليه رسله إن كانوا من الملائكة أو كانوا من الناس قبل خلقهم وبعد خلقهم وبعد موتهم، وإلى الله لا إلى غيره ترجع الأمور يوم القيامة حيث يبعث عباده فيجازيهم على ما قدموا من عمل، وختم السورة بذكر العبادة التي هي أساس التكليف وثمرة الدعوة ونتيجة الإيمان فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أمر الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرع لهم من الشرائع، أمرهم أن يركعوا ويسجدوا في صلاتهم لله وحده، وأن يفعلوا الخير من صدقة وصلة وبر وعمل صالح ينفع أو يدفع وهم يرجون أن يفوزوا بالمطلوب وينجوا من المرهوب، ثم أمرهم بالجهاد فقال:(وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) وجاهدوا في سبيل الله جهاداً خالصاً لوجهه لا طلباً لجاه، ولا نصرة لمذهب، ولا حمية لعصبية، لأن الله اختاركم وجعل دينكم سمحاً لا ضيق فيه ولا شدة، هذه الملة السمحة هي ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام، وقد سماكم الله المسلمين في الكتب السابقة وفي القرآن ليكون الرسول شهيداً عليكم أنه بلغكم ما أمر بتبليغه من الفرائض والنوافل والمستحبات، لتكونوا أنتم شهداء على الناس في الماضي والحاضر والمستقبل، ويكون الرسول شهيداً عليكم فاشكروا ذلك بالإتيان بالعبادات على أكمل وجه، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة والجأوا إلى الله واعتمدوا عليه في أموركم، فهو سبحانه نعم المولى لمن تولاه من المؤمنين ونعم النصير لمن استنصره منهم، فتولوه يتولكم واستنصروه ينصركم، ومن فوائد الآيات:
  • 1- أهمية ضرب الأمثال لتوضيح المعاني، وهي طريقة تربوية جليلة.
  • 2- عجز الأصنام عن خلق الأدنى دليل على عجزها عن خلق الأعلى.
  • 3- الإشراك بالله سببه عدم تعظيم الله.
  • 4- إثبات صفتي القوة والعزة لله، وأهمية أن يستحضر المؤمن معاني هذه الصفات.
تمت سورة الحج، فالحمد لله وهو حسبي ونعم الوكيل.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة