الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

مكانة الكعبة في الإسلام 
سورة الحج   الآيات 25 - 51


لما قال في الآية السابقة (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) ناسب أن يبيّن أطيب القول وأقوم الصراط وأعدله، عنيت بذلك الحج لما فيه من الآيات والمنافع التي تقوم بها حياة أهل مكة، وبدأ بالمسجد الحرام فقال:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) بدأ بالإيمان لأنه أهم مقوم للأخلاق والسلوك، ونقيضه الكفر، فبدأ بأول عيوبهم، إن الذين كفروا بالله وعبدوا من دونه الأصنام التي لا تنفع ولا تدفع، وأرادوا أمراً منكراً فوق ذلك، أرادوا أن يصرفوا الناس عن الدخول في الإسلام، ويمنعونهم من دخول المسجد الحرام الذي جعله الله لجميع خلقه المقيمين فيه والقادمين إليه، وقد فعل المشركون ذلك عام الحديبية حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أداء مناسك العمرة، فالمكي والآتي إلى مكة من خارجها في أحقية التمتع بزيارة البيت الحرام والإقامة فيه سواء، وقد بلغ من عناية الله بالمسجد الحرام أن أوعد الذي يفكر في ظلم الناس في أقصى اليمن أو بلاد الشام وهو في مكة أن يذيقه عذاباً أليما، وهذه ميزة للبيت الحرام ليست لمكان غيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمله أو تتكلم به" هذا خارج الحرم، أما في الحرم فإن التفكير وإرادة السوء بالبعيد يعاقب عليه من يهم به، ولما كان المسجد الحرام غير موجود أيام إبراهيم وأراد الله أن يظهر لنا فضل إبراهيم ومكانته عند المسلمين، ناسب أن يشيد به باعتباره باني الكعبة الأول أو المعيد بناءها على خلاف بين أهل العلم فقال:(وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) اذكر يا أيها الرسول الوقت الذي بينا فيه لإبراهيم عليه السلام مكان البيت وحددنا له حدوده بعد أن كان مجهولاً لديك، ذلك لأن الله جعل فوق المكان الذي بنيت فيه الكعبة غيمة حددت حدود الحرم الحسية، وأوجبنا على أهله أن لا يشركوا بعبادة الله شيئاً، بل يعبدونه وحده ولا يعبدون معه غيره، وأمره أن يطهر البيت من الأنجاس الحسية والمعنوية للطائفين والمصلين فيه، أمر الله إبراهيم أن يبني بيتاً، فهو مكلف بقدر ما تصل إليه يده وبقدر طاقته، لكن إبراهيم أراد أن يسن للناس منهجاً في الطاعة، فوضع الحجر الذي وقف عليه لبناء حجر في بيت الله، زائداً على ما تصل يده إليه، ليعلمنا أن نتقن العمل إذا كان عملنا لله وطلباً لرضاه، الكل كان ينظر فلما إنتهى من بناء البيت أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج، قال إبراهيم وما يبلغ صوتي!! قال الله عليك الأذان وعليّ البلاغ، فرقى على مقام إبراهيم: الحجر الذي كان يقف عليه عند البناء، يقال إن الحجر ارتفع به فجاور أبا قبيس، وقيل بل وقف على أبي قبيس ونادى يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، مصداق ذلك قوله (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ*لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ*ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) يقول الله لإبراهيم نادِ الناس داعياً إياهم إلى قصد هذا البيت بالتعظيم وأداء نسك مخصوص مفتتح بالنية والتلبية، إنه البيت الذي أمرناك ببنيانه، إن تفعل يأتوك مشاة على أقدامهم أو ركباناً على كل بعير مهزول مما عانى من السير، ليشهدوا منافع لهم دينية ودنيوية، قطعوا المسافات الشاسعة وأتوا من الأماكن البعيدة، فإذا شهدوا المنافع التي في الحج ذكروا اسم الله في أيام معلومات هي أيام التشريق، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام حين ذبحها إن كانت من الخراف والشياة والبقر، أو حين نحرها إن كانت من الإبل، فيحضر ما يعود عليهم بالنفع من مغفرة الذنوب وحصول الثواب وتوحيد الكلمة وغير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية، وليذكروا اسم الله على ما يذبحونه من الهدايا في أيام معلومات هي أربعة أيام العاشر وما بعده، شكراً لله على ما رزقهم من الإبل والبقر والغنم والماعز، ثم أمر فقال فكلوا من هذه الهدايا وأطعموا منها من كان شديد الفقر والعوز السائل والمعترّ، إذا ذبح الهدي الحاج ووزع لحمه على الحجاج شعر بلذة غريبة وشعور يدق وصفه ويصعب تصويره بالكلام، لكن فيه لذة لا يشعر بها إلا من يمارسها، واليوم حين تؤخذ الأوراق وتدفع لا تكاد تحس بلذة تقديم الهدي ولا فائدة رؤيته يذبح أو ينحر لله الواحد القهار، ثم أوجب عليهم أن يزيلوا ما بقي عليهم من الأوساخ كتنظيف الجسم وتقليم الأظافر والإغتسال وإتمام مناسك الحج، ويتحللوا بحلق رؤوسهم أو تقصيرها وإزالة الوسخ المتراكم عليهم بسبب الحر والغبار، وليؤدوا ما أوجبوا على أنفسهم من نذور، أكانت عمرة أو هدياً أو صياماً أو طوافاً، وليطوفوا بالبيت العتيق الذي أعتقه الله من تسلط الجبابرة عليه، ثم أمر بتعظيم حرمات الله والمحافظة على هيبة بيت الله والتمسك بشعائر دين الله فقال:(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ*حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) ذلك كلمة تقال للربط بين جملتين أو بين موضوعين، كأنه قال ذلك الذي أمرتكم به من التحلل بحلق الرأس أو تقصيره وقص الأظفار وإزالة الأوساخ والوفاء بالنذر والطواف بالبيت هو ما أوجبه الله عليكم، فعظموا ما أوجبه الله عليكم، فإن من يجتنب ما أمره الله بإجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود الله أن يواقعها أو يقع فيها، وحرمات الله أن يستحلها فهو خير له في الدنيا والآخرة عند ربه سبحانه، وأبيح لكم أيها الناس الأنعام من الإبل والبقر والغنم والماعز، فلم يحرّم عليكم منها حامٍ ولا بحيرة ولا وصيلة، فلم يحرم منها إلا ما تجدونه في القرآن مما حرمه الله كالميتة والدم ولحم الختزير وما أهل لغير الله به، فابتعدوا عن القذر الذي هو في الأوثان وابتعدوا عن كل قول باطل كذب على الله أو على خلقه، اجتنبوا ذلك مائلين عن كل دين سوى دين الإسلام الذي ارتضى الله لكم، غير مشركين بالله في العبادة، لأن من يشرك بالله فكأنما سقط من السماء فإما أن تخطّف الطير لحمه وعظامه فلا يصل إلى الأرض منه شيء، أو تقذفه الريح في مكان بعيد فيتكسّر وربما ينتهي قبل أن ينتهي إلى الأرض (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) ذلك ما أمر الله به من توحيده والإخلاص له واجتناب الأوثان واجتناب قول الزور، ومن يعظم معالم الدين والأشياء التي أمر الله بتعظيمها والتي جعل الله تعظيمها دليلاً على تعظيمه، ومنها الهدي ومناسك الحج، فإن تعظيمها من تقوى القلوب (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) لكم في الهدايا التي تنحرونها بجوار البيت منافع مثل الركوب والصوف والنسل واللبن إلى أجل محدد ينتهي بوقت ذبحها قريباً من بيت الله الحرام الذي أعتقه الله من تسلط الجبابرة.
ثم ذكر اختلاف الناس ليعلمنا التعايش مع المختلف وكيف نواجه الباطل وكيف ننصر الحق وكيف ندافع فقال:(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ*الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) لكل أمة من الأمم الماضية جعل الله طريقة عبادة لإراقة الدماء تقرباً إلى الله ليكون لهم سبيل يذكرون عنده اسم الله على ما يذبحونه من تلك القرابين عند الذبح شكراً لله على ما رزقهم من الأزواج الثمانية، فعليكم أيها الناس أن تعلموا علماً يقينياً أن معبودكم بحق واحد لا شريك له، فله وحده انقادوا وأذعنوا له بالطاعة، وأخبر أيها الرسول الخاشعين المخلصين بما يسرهم فيحرك بشرتهم بأنهم إن التزموا المنهج وخضعوا لله قلباً وقالبا، فإذا ذكر الله خافوا عقابه فابتعدوا عن مخالفة أمره وأدوا الصلاة تامة الأركان مستوفية الشروط حتى لكأنها حية فيهم وهم أحياء فيها، ويصبرون على ما أصابهم من البلاء وينفقون في وجوه البر مما رزقهم الله ما تيسّر وطيبة به أنفسهم.
ولما ذكر صفات الصالحين ناسب أن يذكرهم بعمل يتقربون به إلى الله، يصوّبون مسارهم ويحققون مطلوبهم فقال:(وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ*لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) جعل الله البدن والبقر والغنم والماعز التي تهدى إلى بيت الله، جعلها من شعائر الله لأن نحرها وذبحها فيه تعظيم لله، ولأن الإهتمام بها تعظيم عملي لشعائر الله، لذلك جعل لنا فيها منافع دينية ودنيوية، فعند ذبحها أو نحرها يقول الذابح باسم الله، فقولوا ذلك عند نحرها بعد أن تصفوا قوائمها لأن الجمل ينحر وهو مربوط إحدى رجليه الأمامية اليمنى أو اليسرى، فإذا نحر هجم على ناحره فيسقط على الأرض، ولو لم تعقل رجلها لربما قتل عشرة أو أكثر، لذلك نبّه القرآن إلى هذه الحقيقة فقال:(فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) أي قائمة على ثلاثة أرجل، من أجل هذا فلا تميت معها عددا، فإذا سقطت بعد النحر على جنبها وتوقفت عن الحركة تبين أنها ماتت، فكلوا منها أيها المهدون وأطعموا الفقير الذي يتعفف عن السؤال والفقير الذي يتعرض ليعطى منها، كما سهلنا لكم قيادها وركوبها ذللناها لكم لتحملوا عليها وتركبوها، وذللناها لكم فانقادت إلى حيث تنحرونها تقرباً لله لعلكم تشكرون نعمة تذليلها لكم، فالبعير قوي لا يستطيع أن يحركه عشرة رجال، وربما ساقه طفل صغير، ثم بيّن أن فائدة النحر والذبح إنما تعود على الذابح وأن الله لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، لأن بعض العرب كان يلطّخ الكعبة بالدم اعتقاداً منه أن الله يأكل من ذلك، لن يصل إلى الله لحوم ما تقدمون من هدايا ولا دماؤها، ولن ترفع إليه لكن يرفع إليه طاعتكم لله فيها بأن تخلصوا له في سعيكم للتقرب بها إليه، كذلك ذللها لكم لتكبروا الله شاكرين إياه على ما وفقكم له من الحق، وأخبر أيها الرسول المحسنين في عبادتهم لربهم وفي تعاملهم مع خلقه بما يسرهم.
ولما وصف المؤمنين بالطاعة والإلتزام وأسعدهم بما بشرهم به في الآخرة، ناسب أن يذكر شيئاً من حديث الدنيا يشد به أزرهم، يقوي معنوياتهم، يثبتهم على الحق فقال:(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) إن الله يدفع عن الذين آمنوا بالله شر أعدائهم، لأنه لا يحب كل كثير الخيانة للأمانة، كثير الكفر بنعم الله، فلا يشكر الله عليها، وإذا كان الله لا يحبه لا يثيبه في الآخرة، وفي الآيات فوائد:

  • 1- ضرب المثل لتقريب الصور المعنوية بجعلها في ثوب حسي ومقصد تربوي عظيم.
  • 2- فضل التواضع.
  • 3- الإحسان سبب للسعادة.
  • 4- الإيمان سبب لدفاع الله عن العبد ورعايته له.
مكث الناس في مكة بضع عشرة سنة يعانون من ظلم واضطهاد ما يعانون وضاقت الأرض عليهم بما رحبت ومات كثيرون تحت التعذيب إلى أن أذن الله (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ*الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ*الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) خرج المسلمون من مكة بثيابهم التي عليهم وتركوا أموالهم وبيوتهم ولم يسمح لهم أن يخرجوا معهم شيئا، وذهبوا إلى المدينة فأسس الدولة وبنى المجتمع على أساس سليم، وترك المشركين فلم يتركوه، وما زالوا يسيرون إليه السرايا في المدينة حتى يخضعوه، فكان لابد من أن يكون للقرآن موقف يضع النقاط على الحروف ويضبط حركة الحياة، يرد كيد المعتدين فجاء الإذن، إذن الله للمؤمنين الذين يقاتلهم المشركون، أذن لهم بمقاتلتهم لدفع ما وقع عليهم من ظلم أعدائهم لهم، وإن الله على نصر المؤمنين على أعدائهم دون قتال لقدير، لكن حكمته اقتضت أن يختبر المؤمنين بعمل يظهر فضلهم ويشيد بمكانتهم، فإن جئت تسأل من المقصود بالمؤمنين، أكل من يُقاتل أم بعضهم؟ من منهم؟ يأتيك الجواب الذين أخرجهم الكفار من ديارهم ظلما وعدوانا لا لجرم أجرموه ولا لذنب ارتكبوه، إلا أنهم قالوا ربنا الله ولا رب لنا غيره، ولولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال أعدائهم لاعتدوا على مواطن العبادة فهدموا صوامع الرهبان وكنائس النصارى ومعابد اليهود ومساجد المسلمين المعدة للصلاة فيها بذكر الله، فيها يذكر المسلمون الله كثيرا، ثم أقسم الله أنه لينصرن دينه ونبيه لأنه القوي على نصرة من ينصر دينه عزيز لا يغالبه أحد إلا غلبه، ثم وصف المنصورين بأنهم قوم صالحون لم يتمردوا على خلق الله، لم يسيؤا إلى عباد الله، لم يتسلطوا على أولياء الله، لكنهم كانوا متواضعين طيبين قريبين، ثم وصف المؤمنين الذين استحقوا نصر الله وتأييده فقال الذين إن مكنا لهم في الأرض بأن جعلنا لهم مكانا يأوون إليه ويقيمون فيه ومكانةً بالنصر على أعدائهم، أدوا ما كلفهم الله به على أكمل وجه، وذكر أهم العبادات، أقاموا الصلاة وأعطوا زكاة أموالهم على أكمل وجه، وأمروا بالمعروف مما عرف حسنه بالشرع ونهوا عن المنكر مما اتفق العلماء على إنكاره، ولله وحده مرجع الأمور جميعها، هو الذي يثيب وهو الذي يعاقب، ثم واسى النبي فأخذ بيده ومسح على رأسه وحنا عليه فقال:(وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ*وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ*وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) وإن يكذبك قومك يا محمد صلوات الله وسلامه عليك فاصبر فلست أول من كذبه قومه من الرسل، فقد كذب قبل قومك قوم نوحٍ نوحاً، وكذب عادٌ هوداً، وثمود صالحاً، وكذب قوم إبراهيم إبراهيم، وكذب قوم لوطٍ لوطاً، وكذب أصحاب مدين شعيباً، وكذب فرعون وقومه موسى، فأخرت عن أقوامهم العقوبة استدراجاً لهم، فلم أعاجلهم ثم أخذتهم بالعذاب، فتأمل كيف كان إنكاري عليهم، فقد أهلكتهم بسبب كفرهم.
فما أكثر القرى التي أهلكها الله وهي ظالمة بكفرها (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) أهلكها بعذاب مستأصلٍ فديارهم مهدمة خالية من سكانها، وما أكثر الآبار الخالية من ورادها لهلاكهم، والقصور العالية المزخرفة التي لم تحصّن ساكنها من العذاب، فتأمل كيف كان إنكار الله عليهم فقد أهلكهم بسبب كفرهم أولاً وبسبب ما ارتكبوه من إساءات إجتماعية ثانياً (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (أ) كذبوا وأنكروا فلم يسر هؤلاء المكذبين بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في الأرض ليعاينوا آثار تلك القرى المهلكة، فيتفكروا بعقولهم وينظروا بأبصارهم ليعتبروا ويسمعوا قصصهم سماع قبول ليتعظوا، فإن العمى ليس عمى البصر، بل العمى المهلك الموقع في الردى هو عمى البصيرة، بحيث لا يكون لصاحبه اعتبار ولا اتعاظ، ومن فوائد الآيات:
  • 1- إثبات صفتي القوة والعزة لله.
  • 2- إثبات مشروعية الجهاد: للحفاظ على مواطن العبادة.
  • 3- إقامة الدين سبب لنصر الله لعباده المؤمنين.
  • 4- عمى القلوب مانع من الإعتبار بآيات الله المرئية.
(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ*وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) ما أكثر القرى التي أمهلها الله فلم يعاجلها بالعذاب، وهي ظالمة لكفرها، تركها استدراجاً لها على حد قوله:"إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت"، ثم أخذها بعذاب استأصلها فإلى الله وحده مرجع الجميع يوم القيامة، فيثيب المحسنين بإحسانهم والكافرين بالعذاب الدائم، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ*فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ*وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يواجه الناس كل الناس قائلاً لهم إنما أنا لكم منذر أبلغكم ما أرسلت به بشكل واضح بيّن لا لبس فيه ولا اعوجاج، يقطع عذركم ويقيم الحجة عليكم ويستوجب حسابكم يوم القيامة، فالذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات الموافقة لما شرع الله، وبيّن رسول الله لهم من ربهم مغفرة لذنوبهم، ولهم رزق كريم في الجنة لا ينقطع أبدا، والذين سعوا في التكذيب بآيات الله مقدرين أنهم سيعجزون الله ويفوتونه فلا يعذبهم، اولئك أصحاب الجحيم يلازمونه كما يلازم الصاحب صاحبه، هكذا فصّل القول في بيان مكانة الكعبة وأنها ملتقى المؤمنين ومتوجههم في اليوم والليلة خمس مرات يستقبلونها، ويقصدونها بحج وعمرة، ينحرون عندها ويذبحون تقرباً لله، يؤدون ما كلفهم الله به بنفس راضية وقلب مطمئن، يذهبون إليها ويعودون ما تيسر لهم ذلك، فالحج إلى الحج كفارة، والعمرة إلى العمرة كفارة، والله المسؤول في قبول ذلك والتوفيق له، فاللهم تمم بالخير.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة