الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

خمس نتائج على مقدمات  
سورة الحج   الآيات 1 - 24


سورة الحج مختلف فيها لأنها جمعت بين الندائين يا أيها الناس التي اعتبرها جمهور المفسرين من علامات السور المكية، ويا أيها الذين آمنوا من علامات السور المدنية، فاجتمع النداءان في هذه السورة، وذكر الجنة والنار امتازت به السور المكية، والتشريع امتازت به السور المدنية وكلاهما موجود في سورة الحج، وبالجملة فإن من مقاصد هذه السورة ذكر التعظيم والإستسلام لله من خلال عرض مظاهر العظمة والقدرة الإلهية. استفتح البيان (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) هذه المقدمة الأولى، لما قال آخر سورة الأنبياء (قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) ناسب أن يذكّر الناس بذلك اليوم العظيم بذكر شيء من مقدماته، أعني الزلزلة، وقال هنا اجعلوا بينكم وبين عذاب الله ساتراً يستركم وحاجزاً يقيكم غضبه وانتقامه بامتثال ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه، لأن ما يصاحب يوم القيامة من زلزلة الأرض وأهوالها وغير ذلك أمر عظيم يجب الإستعداد له والعمل بما يرضي الله، ثم ذكر شيئاً من أهوال ذلك اليوم مما يصيب الناس فقال:(يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) يوم تشاهدون أهوال ذلك اليوم تغفل كل مرضعة، والمرضعة هي التي تقوم بإرضاع وليدها بالفعل عن الذي أرضعته، وتسقط كل صاحبة حمل حملها من شدة الخوف، خوفٌ عظيم يفاجئ الناس، ترى فيه الناس من غياب عقولهم مثل السكارى لشدة هول الموقف، وليسوا سكارى من شرب الخمر ولكن عذاب الله شديد، فقد أفقدهم عقولهم، ولكن بعض الناس يغفل عن الله ويجادل في إبطال دينه، يتّبع الهوى أو يتبع الشيطان (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ*كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) لما ذكر ما يصاحب قيام الساعة من أهوال رد على الذين ينكرون البعث فقال بعض الناس يخاصم في قدرة الله على بعث الأموات دون علم يستند إليه، ويتبع في اعتقاده وقوله كل متمرد على ربه، من شياطين الإنس والجن ومن أئمة الضلال، الذين تمردوا على الله وتطاولوا على الخلق، ويتابعهم على ذلك من صدّقهم فإنهم يضلونه عن طريق الحق ويسوقونه إلى عذاب النار، بسوقهم إياه إلى المعاصي والكفر، فيموت على ذلك فيهتدي إلى النار.
ولما ذكر منكري البعث ناسب أن يقيم الأدلة العقلية والحسية على إمكانه بصورة تجعل كل قارئ للقرآن يوقن أن البعث آت لامحالة وأنه أمر مسلم لأصحاب العقول السليمة فقال:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) يا أيها الناس بدأ أولا بقياس البعث على الخلق الأول، إذا كان خلق الإنسان من تراب فهل يعجز عن إعادته من إنسان!! إن الذي جعل الحياة في التراب المادة الصماء قادرٌ على جعلها في ميت، مسألة سهلة بالنسبة إليه، ثم من نطفة والنطفة قطرة ماء فحول قطرة الماء إلى إنسان، أيعجز أن يعيد الإنسان!! ثم من علقة والعلقة قطعة لحم هي أشبه بالدودة التي تعلق بالإنسان، جعلها الله إنساناً فيما بعد، أيعجز أن يعيد الميت إنساناً!! ثم من مضغة مخلّقة وغير مخلقة والمضغة قطعة لحم بمقدار ما يضع الإنسان في فمه ليمضغها، ووصفها بأنها مخلّقة أي تامة التخليق فتخرج إنساناً سوياً كاملا، وغير مخلّقة أي ناقصة التخليق تسقط في أثناء الحمل، لنبيّن لكم: قدرتنا وعجزكم، قوتنا وضعفكم، علمنا وجهلكم، غنانا وفقركم (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) ستة أشهر، سبعة، ثمانية أو تسعة، لا يعلم ذلك إلا الله ولا يدركه إلا هو، ثم يخرجه طفلاً ثم فتى ثم شاباً مكتمل الأشد، ومنكم من يتوفى من قبل (وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) يعود كالطفل الصغير لا يعلم شيئاً وربما يمرض فيعجز، هذا الدليل هل ينكره عاقل!! إن لم يمر به المخاطب فقد مر به أحد أقربائه أو أحد أصحابه أو جيرانه، كأنه قال إن كان لكم شك في قدرتنا على بعثكم بعد الموت فتأملوا في خلقكم، فقد خلقنا أباكم آدم من تراب، ثم خلقنا أولاده وذريته من مني يقذفه الرجل في رحم المرأة، ثم يتحول المني دماً جامدا، ثم يتحول الدم الجامد إلى قطعة لحم تشبه قطعة اللحم الممضوغة، ثم تتحول قطعة اللحم إما إلى خلق سوي يبقى في الرحم حتى يخرج مولوداً حيا، وإما إلى خلق غير سوي يسقطه الرحم لنبين لكم قدرتنا بخلقكم أول مرة، أما الدليل الثاني فمنتزع من الطبيعة القريبة حين قال:(وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) ترى الأرض يابسة لا نبات فيها، فإذا أنزل الله عليها ماء المطر تفتّحت عن النبات وارتفعت وأنبتت من كل زوج بهيج، وأخرجت من كل أصناف النبات ما هو جميل المنظر لذيذ الطعم مختلف الألوان (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ) ذلك الذي ذكرنا لكم من بدء خلقكم وأطواره وأحوال من يولد منكم، لأجل أن تؤمنوا بالله الذي خلقكم والذي هو الحق الذي لاشك فيه بخلاف ما تعبدون من أصنام، ولتؤمنوا بأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير، ولتؤمنوا بأن الساعة آتية لاشك في إتيانها وأن الله يبعث الموتى من قبورهم ليجازيهم على أعمالهم، ومن فوائد الآيات:

  • 1- وجوب الإستعداد ليوم القيامة بزاد التقوى.
  • 2- شدة أهوال يوم القيامة، حيث تنسى المرضعة طفلها وتسقط الحامل حملها وتذهب عقول الناس.
  • 3- التدرج في الخلق سنة إلهية تعلم البشر التخطيط والتدبير والترتيب وتأمين المصالح بحسب الأحوال.
  • 4- دلالة الخلق الأول على إمكان البعث.
  • 5- ظاهرة المطر وما يتبعها من إنبات الأرض دليل ملموس على بعث الأموات.
ولما أقام الدليل الحسي المنتزع من الطبيعة القريبة والبعيدة وبنى على خمس عشرة مقدمة خمس نتائج، ناسب أن يذكر طائفة من الجهلة تجادل بالباطل لترد الحق الذي لا شبهة فيه فقال:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ*ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ*ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) لما ذكر حال المقلدين غيرهم ناسب أن يذكر حال الفريق الثاني، أعني رؤوس الضلال والكفر فقال ومن الكفار من يجادل في توحيد الله بغير علم منهم، يصلون به إلى الحق يعني بغير مقدمات حقيقية ونتائج مبنية على المقدمات الصحيحة، ودون اتباع هادٍ يعلمهم ويدلهم على الهدى، ولا وحي منزّل من عند الله يرشدهم إلى ما يجب عليهم مغترين بجهلهم متبعين أهواءهم، أحدهم لاوٍ عنقه تكبراً ليصرف الناس عن الإيمان والدخول في دين الله، فمثل هذا يذل في الدنيا بما يلحقه من عقاب في الاخرة ويذيقه الله عذاب النار المحرقة، ويقال له في ذلك الموقف إن العذاب الذي ذقته بسبب ما اكتسبت من الكفر والمعاصي، لأن الله لا يعذب أحداً من خلقه إلا بذنب اقترفه. ولما ذكر حال رؤساء الضلال وأساتذته ناسب أن يذكر طائفةً تعبد الله على شك فقال:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ*يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ*يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) من الناس إنسان يسعى وراء المصلحة العاجلة، يعبد الله إن كان في ذلك مصلحة فيجعل من عبادة الله سبباً لتحصيل مصلحته، فإن أنجبت زوجته غلاماً سرّ، وإن نتجت ناقته فحلاً انفلجت أساريره، إن أصابه خير من صحة وغنى استمر على إيمانه وعبادته لله، وإن أصابه ابتلاء بمرض أو فقر تشاءم بدينه فارتد عنه، خسر الدنيا بكفره، فإن كفره لن ينفعه فييسر أموره ويحسن عاقبته ويرفع البلاء عنه، وخسر الآخرة بما يلقاه من عذاب الله، ذلك هو الخسران الواضح، لأنه ترك عبادة الله وعبد من دونه أصناماً لا تضره إن عصاها ولا تنفعه إن أطاعها، ذلك أن دعاء الأصنام لا يضر ولا ينفع، إنه الضلال البعيد عن الحق، يدعو هذا الكافر الذي يعبد الأصنام أو يعبد هواه أو مصالحه الشخصية من ضرره المحقق أقرب من نفعه المفقود، ساء المعبود الذي ضره أقرب من نفعه، ساء ناصراً لمن يستنصره وصاحباً لمن يصحبه، لأنه لا فائدة فيه ولا منفعة من صحبته، ولما ذكر من يعبد الله على حرف ناسب أن يذكر المؤمنين فقال:(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) وعد الله أولياءه المؤمنين الذين ترجموا إيمانهم إلى عمل منتج يخفف عن الأمة ويسهّل أسباب الحياة، يكافؤهم فيدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار لأنه الوحيد المتصرف في هذا الكون، يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء، فإن شك شاك أن الله لا ينصر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا ولا في الآخرة، فليمدد بحبل إلى سقف بيته ثم ليشنق نفسه، ثم لينظر هل يذهب غيظه بعدما يجده في نفسه من الغيظ من نصر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم على رغم أنف المعاند (مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) عندها سيعاين الحقيقة ويعلم علم اليقين أنه مخطئ وأنه من أصحاب النار لأنه كفر بالله وقتل نفسه بغير مسوغ قانوني، ومن فوائد الآيات:
  • 1- أسباب الهداية إما علم يتوصل به إلى الحق أو هادٍ يدلهم عليه أو كتاب يوثق به يهديهم إليه.
  • 2- الكبر خلق يمنع من التوفيق للحق.
  • 3- من عدل الله أنه لا يعاقب إلا على ذنب يستحق العقوبة.
  • 4- إن الله ناصر نبيه ودينه ولو كره الكافرون.
ومثل ما بينا لكم من الحجج الواضحة على البعث أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم القرآن آيات واضحة، وإن الله يوفق من شاء من خلقه إلى الهداية فيهديه إلى سبيل الرشاد (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ). ولما بين سبيل الحق بياناً واضحاً ناسب أن يذكر أديان الدنيا، ليخلص من ذلك إلى آية السجدة الأولى فقال:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) المراد بالذين آمنوا أمة محمد صلى الله عليه وسلم أي المؤمنون به، والذين هادوا اليهود، والصابئين هم الذين عبدوا الكوكب من أتباع بعض الأنبياء من الجائز أن يكونوا قوم إبراهيم عليه السلام، والنصارى أتباع عيسى ابن مريم الذين حرفوا دينه وجعلوه إلهاً أو ابن إله أو أحد الأقانيم الثلاثة، والمجوس عبدة النار، ويلحق بهم ويشاركهم عبدة الأوثان، فهؤلاء هم أهل الأديان الموجودة في هذا العالم وهي ستة، قال (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل غيرهم النار، لأنه على كل شيء شهيد، وكل شيء من أقوال عباده وأعمالهم لا يخفى عليه منها شيء وسيجازيهم عليها الجزاء المناسب، ثم قال:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء) الهمزة للإستفهام ولم للنفي والجمع بين الإستفهام والنفي يفيد التقرير، والرؤية هنا قلبية بمعنى ألم تعلم أيها الرسول أن الله يسجد له سجود طاعة وخضوع من في السموات من ملائكة وغيرهم، ومن في الأرض من مؤمني الإنس والجن، كما تسجد له الشمس والقمر وتسجد له النجوم في السماء والجبال في الأرض والشجر والدواب سجود إنقياد وامتثال لأمره، ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة، وكثير من الناس يمتنع عن السجود له طاعة واحتسابا، فحق عليهم عذاب الله لكفرهم، ومن يقضي الله عليه بالذلة والمهانة لكفره وعدم توفيقه للطاعة فليس له أحد يكرمه لأن الله تخلى عنه، يفعل ما يشاء فلا مكره له سبحانه على شيء، ولما بيّن الله من يسجد له طاعةً ومن يمتنع، ناسب أن يبين مصير كل منهما فقال:(هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ*يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ*وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ*كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) هذان فريقان متخاصمان في ربهم أيهم المحق فريق الإيمان وفريق الكفر، ففريق الكفر تحيط بهم النار مثل إحاطة الثياب بلابسها، ويصب من فوق رؤسهم الماء المتناهي في الحرارة، يذاب به ما في بطونهم من الأحشاء من شدة حره، ويصل إلى جلودهم فيذيبها، ولهم في النار مطارق من حديد تضرب الملائكة بها رؤسهم، كلما أرادوا أن يخرجوا من جهنم من غم أعيدوا فيها ليعانوا شدة الكرب، ويقال لهم ذوقوا عذاب النار المحرق، هذا هو الفريق الأول حياته نكد، يعاني في طعامه وفي شرابه وفي مجلسه وفي حركاته، أما الفريق الثاني فإليه الإشارة بقوله:(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ*وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) وفريق الإيمان الذين آمنوا بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا وعملوا الأعمال الصالحات، يدخلهم الله في جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، يزينهم الله بتحليتهم بأساور من ذهب وباللؤلؤ، ويكون لباسهم في الجنة الحرير، وأرشدهم الله في الحياة الدنيا إلى طيب الأقوال كالشهادتين والتكبير والتحميد، وأرشدهم إلى طريق الإسلام المحمود، وفي الآيات فوائد:
  • 1- الهداية بيد الله يمنحها من يشاء من عباده.
  • 2- رقابة الله على كل شيء من أعمال عباده وأقوالهم وأحوالهم.
  • 3- خضوع جميع المخلوقات لله قدرا، وخضوع المؤمنين له طاعةً.
  • 4- العذاب نازل بأهل الكفر والعصيان، والرحمة ثابتة لأهل الإيمان والطاعة.

وهكذا بيّن الله المقدمات الحقيقية وبنى عليها النتائج المسلمة وكشف لنا أشياء من أحوال الآخرة ونعيم أهل الطاعة وعذاب أهل المعصية، ليكوّن في أنفسنا الدافع الذي يصحبنا في هذه الحياة لتكون أعمالنا صالحة، وأقوالنا مقبولة، فاللهم وفقنا لنحسن القول والعمل وجنبنا الزلل.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة