الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

المشركون والرسالة 
سورة الأنبياء   الآيات 36 - 75


لما وفّى الكلام في الآيات الكونية وكان أعظمها قهر الخلق بالموت، ناسب أن يذكر شيئاً من جهالات الكافرين فقال:(وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) إن الإنسان إذا كان أنانياً يحب ذاته ويتبع الهوى، يحكّمه فيما يأتي ويذر، ولما كان المخالفون كذلك جعلوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم سخريةً لينفّروا عنه أتباعه بقولهم أهذا الذي يسب آلهتكم التي تعبدونها، هم سبوا الله ولم يبالوا والله مالك الملك وخالق الخلق أعظم من أن يناله لسان، أو يسيء إليه إنسان لكنهم فعلوا فما العيب في الرد عليهم، قال هنا مع سخريتهم بالله لأن السخرية برسول الله سخرية بالله، وتدل على جحودٍ واستخفاف بما أنزل الله عليهم من القرآن وبما أعطاهم من النعم، فهم أولى بالعيب من رسول الله، لأنهم تنكروا للحق وأعرضوا عن الهدى واتبعوا أهواءهم وجعلوا من أنفسهم خصماً لله ولرسوله، فما أكثر قبائحهم، لكنّ القرآن يرد عليهم رداً بليغاً فقال:(خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) طُبع الإنسان على العجل في أمره، فهو يستعجل الأشياء قبل وقوعها، ألم تر أن المشركين طلبوا العذاب أكثر من مرة، فأوعدهم الله بقوله:(سَأُرِيكُمْ) وهذا متحقق حتماً سيريهم آياته الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وأن القرآن حق، لذلك لا داعي للعجلة، الأولى بهم أن يصبروا لأن لكل شيء حد في علم الله ووقت يأتي به لا يتخلف ولا يتبدل، ولما استبطأ المشركون العذاب لعدم وقوعه بالسرعة التي يريدون ناسب أن يذكر مقالتهم فقال:(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) يقول الكفّار المنكرون للبعث على وجه التهكم بالنبي والإستهزاء به متى يكون ما تعدنا من البعث والحساب إن كنت من الصادقين فيما تدعي وقوعه، وهنا عرّضوا بالنبي فاتهموه بالكذب دون أن يصرحوا، لأن الأصل في حرف "إن" أن تدخل على مشكوك فيه، لذلك جاء الجواب (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَن ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ) لو تيقن الكفار بوقوع البعث لعلموا أنه آت لا محالة، ويوم يأتي لا يستطيعون أن يردوا النار عن وجوههم ولا عن ظهورهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم يدفع العذاب عنهم، لو تيقنوا ذلك لما طلبوا العذاب وأنكروا اليوم الآخر (بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) لا تأتيهم هذه النار التي يعذبون بها في الآخرة عن علم منهم بل تأتيهم فجأة فلا يقدرون على ردها عنهم، ولا هم يؤخرون حتى يتوبوا فتنالهم الرحمة، هؤلاء لهم أشباه في الماضي ساروا سيرهم واتبعوا خطواتهم، وقد عانى الرسل قبلك يا رسول الله فانتقم الله ممن عادى رسله ليكونوا عبرةً لمن يعتبر (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون) ولما عانى صلى الله عليه وسلم من استهزاء قومه به وتكذيبهم له واساه الله بقوله لإن سخر بك قومك فلست بدعاً في ذلك، فقد استهزئ برسل من قبلك فأحاط بالكفار الذين كانوا يسخرون من الرسل العذاب الذي كانوا يستهزؤون به في الدنيا إذا خوفهم رسلهم به، وهنا آن الأوان لإفحام الكافرين وإقامة الدليل المقنع الملزم لكن لا مباشرةً بل عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ليشرّف رسوله بالخطاب ويعلن إعراضه عنهم بطريقة لطيفة فيها من الأدب الشيء الكثير (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ) قل يا محمد صلوات الله وسلامه عليه بهؤلاء المستعجلين بالعذاب من يحفظكم بالليل والنهار من عذاب الله إذا أراد الله إهلاككم، ومن يرد العذاب عنكم إذا نزل بكم،كأنه يخوفهم العذاب ويهددهم بطريقة غير مباشرة، ولم ينتظر جوابهم بل وصف حالهم فقال بل هم عن تذكر مواعظ ربهم وحججه التي أقامها لهم على علمه وقدرته معرضون لا يتدبرون شيئاً منها، جهلاً منهم وسفها، ولربما فيه شيء من الحماقة، ثم انتقل إلى دليل آخر على سبيل الإستهزاء بهم فقال:(أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ) "أم" هي المنقطعة وتفسّر ب"بل" وهمزة الإستفهام، بل ألهم آلهة تمنعهم أي تحميهم وتقف حائلاً بيننا وبينهم، ترد عنهم عذاب الله، أكد على المؤكد لا يستطيعون نصر أنفسهم بدفع ضر عنها، فجل آلهتهم حجارة أو مخلوقات مثلهم، فهي عاجزة عن أن تجلب لهم نفعا أو تدفع عنهم ضرا، ومن لا ينصر نفسه فكيف ينصر غيره!! ولا ما يحميهم من عذاب الله يجير عليه (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاء وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) متّع الله أهل مكة بالأمن والأمان والأرزاق التي كانت تأتيها، والوفود التي كانت تؤمها، فعاش هم وآباؤهم بما بسط الله عليهم من نعمتا الأمن والرزق استدراجاً لهم، إلى أن تطاول بهم الزمن ناعمين آمنين فاغتروا بذلك وأقاموا على كفرهم، أفعلوا ذلك فلم ير هؤلاء المغترون بنعم الله المستعجلون بعذابه أن الله يأتي الأرض ينقصها من أطرافها، يقهر بقهر أهلها وغلبته لهم، ونقص الأرض يمكن أن يراد به نقص أرض الكفر وزيادة أرض الإيمان بفتح البلاد ونشر الدين الحق، وقد يكون نقصها بإذهاب بعضها في البحر وربما كان بموت علمائها، فإذا مات العلماء اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا فضلوا وأضلوا، فعلى العقلاء أن يعتبروا بما وقع لهم ولإخوانهم على يد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فليس هؤلاء الكفرة غالبين بل مغلوبون في الواقع ونفس الأمر، وقد وعد الله نبيه وأصحابه أن يمكنهم في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين وأن يتم الدين ويثبته فيكون الظاهر على الأديان، وفي الآيات فوائد:

  • 1- بيان كفر من يستهزأ بالرسول صلى الله عليه وسلم بالقول أو بالفعل أو بالإشارة.
  • 2- فُطر الإنسان على الرغبة في تحقيق مطلوبه بالسرعة، لأن الإستعجال قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، والأناة خلق فاضل يكمّل الفرد ويصلح المجتمع.
  • 3- لا يحفظ من عذاب الله إلا الله.
  • 4- مآل الحق البقاء ومآل الباطل الزوال، وعليه ينزّل القول السائر دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.
فإذا كان الرسول يبلغ عن الله ويدعو إليه وكانت طاعته واجبة لأنها طاعة لله قبل أن تكون طاعةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدعو إليه إنما يدعو إليه بتكليف من الله (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ) قل يا محمد صلوات الله وسلامه عليه إنما أخوفكم من عذاب الله بما أوحى إلي الله ربي، فعليكم أن تسمعوا ومن لا يسمع فكأنه أصم أو كأن في أذنيه وقراً، وإنما يخوفهم بذكر العذاب ليقلعوا عن باطلهم ويراجعوا الحق فيستقيموا عليه فتصلح حياتهم وحاضرهم ومستقبلهم، فاسمعوا كلامي سماع قبول تنجوا في الدنيا وفي الآخرة، فإنكم ضعفاء عاجزون ولإن نزل بكم عذاب الله أو شيئاً قليلاً منه لتعلمن علم اليقين ضعفكم وعجزكم وفقركم (وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) لئن مس هؤلاء المستعجلين بالعذاب نصيب من عذاب الله ليقولن عندئذٍ يا هلاكنا وخسراننا إنا كنا ظالمين حين أشركنا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وحين كذبنا الرسل فلم نؤمن بهم وبما جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم، هناك لا ينفع إيمان ولا تدفع توبة، بل العذاب نازل بالكاذبين والظالمين، والنجاة للمؤمنين العاملين، لأن الحساب حق (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) يوم تقوم القيامة وتنصب الموازين العادلة لأهل الموقف لتوزن بها أعمالهم، فلا تظلم نفس مثقال ذرة عملاً صغيراً أو كبيراً عملته تعطى أجره كاملاً، لا ينقص من حسناتها ولا يزاد في سيئاتها، وإن كان الموزون قليلاً أو كثيراً فإنه يضبط ويوفى لصاحبه وكفى بالله محصياً أعمال عباده. بهذه المقدمات قدم القرآن الكريم الحديث عن الرسالات السابقة مبتدئاً من حيث وجود الأتباع، عنيت بذلك موسى عليه السلام، فقومه المقيمون في الحجاز ينتظرون نبي آخر الزمان ليؤمنوا به، فناسب أن يحدثهم عنه ليبين لهم أن موسى لو كان حياً ما وسعه إلا اتباع محمد وكذلك عيسى، فواجبهم أن يتبعوا محمداً وأن يؤمنوا به ويعملوا بما يدعوهم إليه، قال تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ) المراد بالفرقان التوراة التي وصفها القرآن في موضع آخر بقوله:(وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظةً وتفصيلاً لكل شيء) فعليه الكتاب وعليه سميت فرقان لأنها آلة التفريق بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الهدى والضلال، وضياءً لأنها تضيء لقومه الطريق وتبين لهم المنهج الذي يسيرون عليه وتهديهم بها إليه، وذكراً لأن الوحي فيه تشريف للمتقين، لأن المتقين ينتفعون بالوحي فيترجمونه إلى عمل إيجابي ينفعهم في عاجل آمرهم وآجله، لذلك وصفهم فقال:(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) يخافون عقاب ربهم الذي يؤمنون به وهم من قيام الساعة خائفون لأنها تكشف عن أحوال الخلق فتبيّن صلاح الصالحين وزيف المبطلين، ولما ذكر التوراة ذكر القرآن فقال:(وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) وهذا القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ذكر لمن أراد أن يتذكر وموعظة كثيرة النفع والخير، أتعلمون ذلك فأنتم مع هذا منكرون له، غير مقرين بما فيه ولا عاملين به، ولما ذكر محمداً وموسى ناسب أن يذكر سلفهما إبراهيم عليه السلام فقال:(وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ) يخبر أنه أعطى إبراهيم الحجة والدليل الذي يلزم قومه باتباعه، وكان عالماً بأحواله من صلاح نية وطويةٍ وسير على المنهج، فدرّبه على إقامة الحجة، وبالفعل فقد كان إبراهيم قادراً على إقامة الحجة على المخالف بشكل مقنع وملزم أحياناً مخالط بشيء من العنف، لكن هنا ذكر جانباً مضيئاً من حياته هو تلطفه مع والده وأدبه في محاورته (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) سأل أباه وقومه عن الأصنام التي صنعوها بأيديهم، فلما فرغوا عكفوا على عبادتها من دون الله، أيعقل أن يكون الإله مصنوعاً بيد عابده؟ أيعقل أن يكون الإله عاجزاً عن الحركة أصم لا يسمع أبكم لا يتكلم أعمى لا يرى؟ كيف يرى عابديه؟ كيف يقضي حاجتهم؟ وهو العاجز عن نفع نفسه، أجاب القوم (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) فعبدناها تقليداً لهم وتشبهاً بهم، قال إبراهيم (قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) إذ كيف يصدر هذا الفعل عن عقلاء يعرفون الحق والباطل، كيف يفعل العقلاء فعل السفهاء ومع ذلك اغتر قومه بباطلهم وتمسكوا به وطلبوا دليلاً على فساد معتقدهم، (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ) قال قومه أتتكلم بالجد أم أنت تهزل حين قلت ما قلت، قال لم أهزل ولكن كنت أتكلم بالحق الواضح الذي قام عليه الدليل العقلي والدليل النقلي فأنا جئتكم بالجد لا بالهزل، ربكم هو رب السموات والأرض، الذي خلقهن على غير مثال سابق وأنا على أن ربكم رب السموات والأرض من الشاهدين وليس لأصنامكم حظ من الألوهية (قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ*وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) قال إبراهيم لقومه والله لأدبرن لأصنامكم ما تكرهون بعد أن تذهبوا عنها إلى عيدكم، قال ذلك ولكنهم لم يفهموا قوله ولا اعتبروا به، دخل على المعبد فرأى الطعام ورأى الحجارة جالسة والطعام أمامها فقال لهم ألا تأكلون، لم يردوا عليه فكسّرهم إلا واحداً تركه ليقول لهم إن هذا الذي تركه هو الذي فعل ذلك (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) لأنه أراد منهم أن يرجعوا إليه فيسألونه، عاد القوم من عيدهم فرأوا ما حل بأصنامهم فتسآلوا (قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) يسأل بعضهم بعضا من حطم معبوداتنا، إن من حطمها لمن الظالمين لأنه حقّر ما نعظّمه ونقدّسه، قال بعضهم لبعض (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) أرادوا بقولهم سمعنا فتى يعيبهم يدعى إبراهيم لعله هو الذي حطمهم (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) قال سادن الأصنام جيؤا بإبراهيم على مشهد من الناس ومرأى لعل الناس يشهدون على إقراره بما صنع، فيكون إقراره حجة لكم عليه، كان إبراهيم ذكياً يحسن الكلام (قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ) جاؤا به وسألوه عن هذا الفعل الشنيع الذي فعله بأصنامهم، قال إبراهيم إن لم أكن أنا فعلته فمن فعله!! لعله فعله كبيرهم، الحل أن تسألوهم إن كانوا ينطقون، يتهكم بهم ليظهر عجز أصنامهم على مرأى من الناس ما فعل ذلك، بل فعله كبيرهم فاسألوا أصنامكم إن كانوا يتكلمون (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) عرفوا أنهم على الباطل وأن أصنامهم عاجزة وأن إبراهيم على حق، وهذا ما عبر عنه القرآن حين قال:(فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ) تفكروا وتأملوا فتبين لهم أن أصنامهم لا تنفع ولا تضر فهم ظالمون حين عبدوها من دون الله، وصرفوا العبادة لها بدل أن يصرفوها لله، (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ) كيف يعبدون إلاهاً لا ينطق!! عادوا إلى العناد والجحود فقالوا لقد أيقنت يا إبراهيم أن هذه الأصنام لا تنطق فكيف تأمرنا أن نسألها!! أرادوا ذلك حجة لهم فكانت حجة عليهم (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ) قال إبراهيم منكراً عليهم إن العاجز الذي لا يستطيع أن ينفع نفسه أو يدفع عنها كيف يصح أن تعتمدوا عليه في دفع ضر عنكم أو جلب النفع لكم (أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) الأصل في كلمة "أف" أن تكون للتضجر، لكنه أرادها هنا تقبيحاً لشأنهم وشأن ما يعبدون من دون الله، هذه الحجارة التي لا تسمع ولا تنفع ولا تدفع، أتعلمون أنها حجارة فتعبدونها أفلا تعقلون وتتركون عبادتها!!، ماذا تصنع بمن عميت بصيرته وكل فهمه ولم يدرك إلا الإنفعال دون الفعل (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) فلما عجزوا عن مواجهته بالحجة لجأوا إلى القوة والتسلط، متبعين هواهم معرضين عن الحق، قالوا حرّقوه بالنار انتصاراً لأصنامكم التي كسرها، إن أردتم أن تلحقوا به عقاباً رادعاً له ولأمثاله عن سب الأصنام وانتقاصها، نسوا أن إله إبراهيم أقوى وأقدر، لأنه إله حقيقي يعطي ويمنع، يضر وينفع، من توكل عليه كفاه ومن التجأ إليه نجّاه، أوقدوا له ناراً عظيمة إذا مر الطير من فوقها سقط مشوياً (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) لو قال لها كوني برداً لمات من الجليد، ولكنه جمع بين البرد والسلام، فعاش في النار ثلاثة أيام لم تحرق النار إلا الحبل الظالم الذي ربط فيه، وخرج منها سالماً معافى، يروى أنه رأى جبريل وهو في المنجنيق إلى النار، فسأله جبريل ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ) دبروا لحرقه وأوقدوا النار العظيمة فلم تفعل، وهذا يدل على ما يقوله علماء العقيدة من أن النار لا تحرق بنفسها ولكن الله يخلق الإحتراق عند مماسة الجسم المراد إحراقه للنار، فإن لم يخلق الله الإحتراق لم تحرق النار وهذا هو الدليل، فأبطل الله كيدهم ورده إلى نحرهم وأنجى عبده إبراهيم، فبدل أن يكونوا غالبين انقلبوا مغلوبين، ونجى وليه ومن آمن به فقال:(وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ*وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ) حين اعتمد إبراهيم على الله أنقذه من قومه وأنقذ لوطاً بدعوة إبراهيم وصلاح لوط واعتماده على الله، وأخرجهما إلى أرض الشام التي بارك فيها بما بعث فيها من الأنبياء، وبما بث فيها للمخلوقات من الخيرات، ووهب لإبراهيم الولد الثاني بعد إسماعيل حين دعاه أن يرزقه ولداً ووهب له حفيداً يعقوب، وكلاً من إبراهيم وابنيه اسماعيل وإسحاق ويعقوب ولوط صيّرناهم صالحين مطيعين لله، من فوائد الآيات:
  • 1- جواز استخدام الحيلة لإظهار الحق وإبطال الباطل.
  • 2- تعلق أهل الباطل بحجج يحسبونها لهم وهي عليهم.
  • 3- التعنيف في القول وسيلة من وسائل التغيير للمنكر إن لم يترتب عليه ضرر أكبر.
  • 4- اللجوء باستخدام القوة برهان على العجز عن المواجهة بالحجة
  • 5- نصر الله لعباده المؤمنين وإنقاذه إياهم من البلاء من حيث لا يحتسبون دليل على وجود الله وكمال قدرته.
وجعل الله إبراهيم وأولاده وابن أخيه أئمة علماء يقتدى بهم ويهتدى بأخلاقهم، يدعون الناس إلى عبادة الله وحده بإذن منه تعالى، وأوحى إليهم فعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على أكمل وجه وكانوا مطيعين لله منقادين لحكمه طائعين لأمره ممتنعين عما نهى عنه (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) هذا ما كان من إبراهيم، أما ما كان من ابن أخيه بعد أن نجاه الله من القرية التي كانت تعمل الخبائث، فأشار إليه قوله:(وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ*وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) أعطينا لوطاً فصل الخطاب بين الخصوم وأعطيناه علماً بأمر دينه، وسلمناه من العذاب الذي أنزلناه على قريته "سدوم" التي كان أهلها يأتون الفاحشة، إنهم كانوا قوماً فاسدين خارجين عن طاعة ربهم ، وأدخل الله لوطاً في رحمته بعد أن أنجاه من عذاب الدنيا الذي أصاب قومه لأنه كان من الصالحين الذين يأتمرون بأمر الله وينتهون عما ينهى الله عنه.
هكذا الإنسان إن أطاع الله عصمه الله وحماه، ونصره على من عاداه، وإن عصاه وخالف أمره أخزاه وجعل الحياة زيادة في شقائه وجعل جهنم مثواه، فاللهم نوّر بصائرنا بنور كتابك واهدنا إلى أقوم سبيل.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة