الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وصايا تتابعت  
سورة الإسراء   الآيات 23 - 52


في العهد القديم وصايا أوصى بها موسى قومه، وفي الإنجيل وصايا أوصى بها عيسى قومه، وعلى غرار ذلك جاءت الوصايا في القرآن الكريم في موضعين منه، في سورة الأنعام وجعلها عشر وصايا كمثل التي في التوراة والإنجيل، وفي الآية التي نحن بصدد تفسيرها جعلها أكثر من ذلك، وإليك بيانها (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا* رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا) حكم الله حكماً مبرماً مضمونه تخصيصه وحده بالعبادة والتوجه إليه في طلب الحاجات ورفع البلايا، وكلما أمر بتوحيده أمر ببر الوالدين إذ كانت النعمة الظاهرة لهما، فالأب يعطي الإبن اسمه وينفق عليه حتى يبلغ رشده، والأم تحمله جنينا وترعاه وليدا وتربيه وتعتني به إلى أن يبلغ كماله، لذلك تراه يكرر الوصية بالوالدين مع الأمر بعبادة الله، وهاتان الوصيتان ذكرتا في العهد القديم وفي الإنجيل، لكن الوصايا بالوالدين في القرآن كانت أعم وأشمل، فإذا بلغ الوالدان أو أحدهما الكبر عند الولد فقد نهاه الله أن يسيء إليهما بأدنى إساءة ولو بنفخة ينفخها من ضيقه أو بكلمة قاسية يوجهها إليهما، بل أمره أمراً مؤكداً أن يتأدب في مخاطبتهما ويحسن معاملتهما ويتواضع لهما، وفوق هذا وذاك يسأل الله أن يرحمهما كما اعتنيا به وربياه صغيرا، وربط ذلك بمراقبة الله وجعل بر الوالدين دليل صلاح وسبب مغفرة وجعل الذي يبر والديه من الراجعين كثيري الرجوع إلى الله إذا أخطؤا استغفروا، وإذا قصروا تداركوا، الوصية الثالثة رعاية القريب والمحتاج أكان من الفقراء أم من أبناء السبيل (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا*إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا*وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا) جعل الله للقريب حقاً والمراد هنا حق مالي من الإنفاق عليه وتأمين حاجاته، إضافةً إلى الحق المعنوي من النصرة والتعاطف والتراحم، والدليل عطفه المسكين وابن السبيل عليه، فالقريب له حقان حق القرابة وحق الإسلام، والمسكين له حقان حق الفقر وحق الإسلام، وسمي مسكيناً لأن الفقر سكنه أو سكّنه، وابن السبيل له حقان حق الإسلام وحق الغربة، وسمي ابن السبيل لملازمته الطريق لأنه غريب لا أهل له في البلد، وإن كان له أهل في بلد آخر، والمهم في أداء هذه الحقوق الثلاثة التوسط والإعتدال، فلا ينفق ماله اعتباطاً كمثل المبذر، ما أجملها من استعارة، الفلاح يبذر الحب في الأرض ليثمر وفي الصورة إضاعة للمال، فاستعارها القرآن ليحذّر من صرف المال على غير الوجه الذي بينه الله، وجعل القرآن المبذرين إخوان الشياطين لأنهم يعملون عمله، فيساعدون الشيطان في إضاعة المال الذي به تستقيم الحياة ويعز الناس والبلاد، وقديماً قال تعالى:(ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً) فبالمال تستقيم الحياة وينشط المجتمع. وقد يكون الإنسان قليل المال أو ذا مصاريف فوق طاقته غير قادر على مساعدة المسكين وابن السبيل فلا أقل من أن يكون لطيفاً معهما حسن التخاطب كأن يقول لهم يسر الله أمركم وفرّج كربكم، فالقول الميسور السهل المقبول الذي لا تعنيف فيه ولا اساءة.
ولما كان بعض الناس قد ينفق المال بهبل ودون تفكر، مستدلاً بقولهم لا سرف في الخير، وبعضهم الآخر يمسك المال فلا ينفق منه في الحاجات الضرورية، مستدلاً بقولهم لا خير في السرف، فجاء قوله:(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا*إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) لتضع ميزاناً لحركة الإنسان وسلوكاً يتخلق به في جميع أحواله، فلا يكون بخيلاً مقتّراً لا ينفق في الحاجات الضرورية التي فيها مصلحة، واستعار له هذا التشبيه البليغ كأن يده مربوطة إلى عنقه لا يستطيع تحريكها بالإنفاق، وأدّب الآخر الذي يبالغ في الإنفاق فيصرف المال في أمور ليست من الضرورة في شيء، فيفقد ماله ويعجز عن مساعدة المحتاج ذا الضرورة القصوى، والحق التوسط بين البخل والإسراف، فمهما أنفقت المال مراعياً حق أصحاب الحقوق فأنت تعمل عملاً مدحه الشرع، وإذا أنفقته كيفما اتفق فقد خالفت شرع الله، وعلى هذا يكون القول لا خير في السرف إذا كان في الوجوه التي لم يأمر بها الله الشرع، ولا سرف في الخير في الحقوق التي أمر الله بها، ولتعلم أيها الإنسان أنك فرد في مجتمع لست المسؤول عنه وحدك بل عليك تتقيد بأوامر الله فلا تنفق إلا كما أمر الله ولمن أوجب عليك النفقة عليهم، واعلم أن بعض الناس لا يصلح له إلا الفقر ولو أغناه الله لفسد حاله، وبعض الناس لا يصلح له إلا الغنى ولو أفقره الله لفسد حاله، والله يعطي عباده كلاً بما يلائم ما يصلح حاله ويقوّم سلوكه ويصوّب مساره، والمحسور هو المنقطع العاجز عن النجدة الضعيف الذي ليس بيده ما ينفقه، والله يعلم خفايا النفوس وخباياها، لا يخلو فعله عن حكمة ومصلحة فلا تتظاهر أنك أكثر شفقةً على خلق الله من الله، واعلم أن الله مراقب لك مطّلع عليك يعلم خبايا نفسك وخفاياها. ولما أنهى الوصية في الأقربين والأموال، ناسب أن ينهى عن خلق ذميم: قتل الأولاد خوفاً من فقر متوقع، وبيّن أنه القادر على أن يرزق الأولاد ويرزق أهلهم، وبيّن أن قتل الأولاد خطيئة وخطأ كبير فقال:(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا)، ولما كان بعض الناس يعمد إلى الزنا خوفاً من الأولاد الذي يكلف برعايتهم والإنفاق عليهم، ناسب أن يحذر من الزنا فقال:(وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) نهى عن الزنا وهو إيلاج حشفةٍ في فرجٍ محرّم شرعاً مشتهى طبعا، ووصفه هنا بوصفين أولهما أنه فاحشة خصلةٌ متناهية في القبح لأنه وضع في مكان خطأ واعتدى على من ليس له أن يعتدي عليها فارتكب محظورين، ووصفه ثانياً بالفعل الجامد للذم تنفيراً عنه، وهذه الوصية موجودة في العهد القديم هي والتي بعدها، أما التي قبلها فلم يشر إليها العهد القديم ولا وصايا المسيح عليه السلام، ولما ذكر قتل الأولاد ناسب أن يذكر القتل بعامة فقال:(وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) فنهى عن قتل النفس المعصومة التي لم تقترف ما تستحق عليه القتل، والحق إما زناً بعد إحصان أو كفر بعد إيمان أو قتل النفس بالنفس قصاصاً، وبيّن أن من قتل مظلوماً فقد جعل الله لوليه حقاً في طلب استيفاء القصاص، وحذّره مما كان سائداً قبل القرآن من قتل غير القاتل ثأراً للقتيل أو قتل أكثر من واحد في واحد، والإسراف في القتل تجاوز القاتل إلى غيره، فلا يحق للإنسان أن يبالغ في إستيفاء حقه بل يقف عند حدود الشرع، فلا يقتل إلا القاتل ولا يطلب أكثر من حقه، ولما كان وجود يتامى نتيجة القتل أو الموت أمر بحفظ مال اليتيم وتنميته وتثميره حتى إذا بلغ أشده بلغ غنياً ذا مال قادراً على بدء حياته بما تركه له أبوه وثمّره له وصيه وحضّ على الوفاء بالعهد مع النهي عن قربان مال اليتيم تأكيداً على الوصية ومراعاةً لها فقال:(وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) فجمع في هذه الآية بين الوصاية بمال اليتيم ورعاية حقه لينشأ نشأةً صالحة محباً ومحبوباً عضواً منتجاً في المجتمع، وأمر بالوفاء بالعهد فلا يكون العهد كلاماً لا ثمرة له ولا فائدة منه بل كلام له حقيقة وأثر في الواقع وعلى كل الصعد.
ولما أمر بالوفاء بالعهد ناسب أن يأمر بإعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم كاملة، أكانت مادية أم معنوية، ولما كان الناس كثيراً ما يختلفون في الحقوق المادية أكد عليها فقال:(وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) وهذا ما أكد عليه نبي الله شعيب مع قومه وما كان سبباً في إهلاكهم، فأكل مال الآخرين محرّم ولا يجوز لأي سبب من الأسباب، بل لا بد من إعطاء الحق إلى صاحبه أياً كان، ولا يجوز بخسه حقه أو نقصه منه، وأكّد على ذلك بالفعل الماضي بعد "إذا" ليفيد التكرار، ففي كل مرة "كلتم" "أوفوا"، ووفوا الوزن بالعدل، فحين توفوا الحقوق إلى أصحابها تريحون وتستريحون.
ولما كان كل إنسان مسؤولاً عن عمله محاسباً عليه، ناسب أن ينهاه عن الكلام فيما لا دليل عليه ولا حجة صحيحة تثبته فقال:(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) يجب على الإنسان أن يضبط حركته ولا يتكلم إلا عن دليل ثابت من قرآن أو سنة أو عقل، فإن سمعه وبصره وعقله يجعله مسؤولاً عن كلامه الذي يتكلمه، ولما بيّن ذلك ناسب أن يضبط حركاته الظاهرة فقال:(وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) فيجب على الإنسان أن يمشي في الأرض متواضعاً لله يتخلق بالأخلاق الفاضلة مع عباد الله، لا يتعالى على أحد ولا يتكبر على أحد، يذكر أن الله أكبر منه وأعظم، وأن عباد الله خلق مثله يهتم بهم ويحنو عليهم، وختم الوصايا بقوله:(كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) وفي قراءة (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُةً عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) فقراءة حفص نظرت إلى المكروه وحضت على اجتنابه وقراءة نافع نفّرت من المكروه وأمرت باجتنابه، ورد العجز على الصدر فقال:(ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا) فختم الوصايا بما بدأها به، لأن التوحيد وصية الأنبياء من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والرسالات تتابعت على هذا المعنى والأنبياء جميعاً أوصوا بذلك وحضوا عليه.
ولما تمم الوصايا سأل أهل مكة سؤالاً يكشف فيه عن غبائهم وسوء تفكيرهم حيث جعلوا لأنفسهم الجنس الأعلى وخصوا الله بالجنس الأدنى بزعمهم فقال:(أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا) الهمزة داخلة على محذوف هو المعطوف عليه، وهذا السؤال يدل على غباء وسوء أدب مع الله، حيث خصوا أنفسهم بالجنس الأعلى وخصوا الله بالجنس الأدون في نظرهم، فاعتبروا الملائكة بنات مع أن الملائكة لهم من القوة ما يستطيعون تدميرهم لو أمرهم الله، لذلك أنكر عليهم أشد الإنكار (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا) فهذا القول شنيع لكنهم أصروا عليه وتمسكوا به رغم وضوح الدليل وكثرة الآيات التي تناولت القول فيه على ما قال:(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا) بينا الحقائق وأقمنا الأدلة على فساده وبطلانه وما يزيدهم البيان إلا إعراضاً عن الحق وابتعاداً عنه، ثم لجأ القرآن إلى المنطق ليقيم عليهم الحجة بأوضح دليل فقال:(قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً*سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا*تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) "لو" حرف امتناع، لو فرضنا جدلاً أن ثمة آلهة مع الله أيعقل أن يترك الله ويتخذ الآلهة؟!، والله هو صاحب السلطان المطلق والرئيس الأعلى لهؤلاء الآلهة، فالأولى بهم التوجه إليه وترك ما عداه، لكن هذا ما كان ليحدث، لذلك تراه ينزه الله ويرفعه عن مثل هذا القول، أقصى ما يستطيع من التنزيه والإبعاد، كيف لا والسموات السبع والأرض ومن فيهن ينزهونه عن كل ما لا يليق به، وما من شيء أي شيء إلا ينزهه ويثني عليه بلسانه على أفعاله الجميلة، ولكن جهل المخاطبين وعدم إعمالهم العقل فيما يرون ويسمعون لا يعرفون أن هذه المخلوقات على اختلاف أشكالها وأجناسها تنزه خالقها وتشهد له بالوحدانية، ولكن الكافرين لا يرون ذلك، ومع هذا وذاك فإن الله لا يعاجلهم بالعقوبة، بل يفسح لهم لتكون أمامهم فرصة للتوبة والإنابة، وختم الآية بوصفين له الحلم والمغفرة، وهذان الوصفان يجعلانه يصبر عليهما ويمد لهما، لكن سيأتي الوقت الذي سينتقم فيه منهم.
خص الله النبي بأن جعل آيات القرآن إذا قرأها النبي حجبته أو احتجب بها عن أعين الناس فلا يرونها، يروى أنه كان جالساً مع أبي بكر ذات يوم بعد نزول سورة المسد فمرّت أم جميل (حمّالة الحطب) وبيدها حجر فسألت أبا بكر أين صاحبك؟ لم يقل لها ها هو بجانبي بل قال لها ما تريدين منه؟ قالت بلغني أنه هجاني، قال والله لا يقول الشعر، فانصرفت تتمتم بكلمات غير مفهومة، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم لم ترك يا رسول الله، وصدّق الوحي ذلك فقال:(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) فبيّن أنّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آيات الكتاب حجبه الله عن الذين لا يؤمنون بالآخرة، وقال بعض المفسرين (حِجَابًا مَّسْتُورًا) أي ساتراً، أطلق اسم المفعول وأراد اسم الفاعل، والحق أنه حجاب مستور على معنى أن أحداً لا يرى حجاباً وساتراً للنبي فلا يُرى، وقد ثبت بالدليل ذلك، وهذه القصة مثالاً، وهناك آيات تحجب من قرأها إذا قرأ القرآن فلا يُرى، وحصل ذلك لشيخ المفسرين القرطبي رحمه الله حين هرب من الفرنجة فلحقوا به يريدون قتله ولم يكن أمامه مهرب أو مخبأ يحتمي به منهم، فجلس على الأرض وبدأ يقرأ آيات من كتاب الله فحجبه الله عنهم فلم يروه وسمعهم يقولون بلغتهم هرب، ثم قام وتابع مسيره بسلام الله، وهذا إنما يتحقق لمؤمن بالقرآن أنه كلام الله ومؤمن بالله محتمٍ به ملتجئ إليه، فإن الله يحفظه ويخفيه كما حفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مجموعة آيات تعرف بآيات الحجب لا أطيل بذكرها، ما ذاك إلا أنهم لم يؤمنوا بالقرآن ولا أتعبوا أنفسهم في فهم معانيه والبحث عن خفاياه وخباياه، لأن قلوبهم اشتغلت بالدنيا عن البحث في القرآن وأمور الآخرة، ولأنهم لم يسعدوا بذكر الله بل ضاقوا بذكره ذرعاً وابتعدوا لما سمعوا اسم الله (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) فقلوبهم مغطاة بأغشية تمنع الفهم، كأنهم قد لقحوا ضد الفهم وآذانهم مسدودة كأن فيها سدة تمنع من وصول الكلام إلى القلب، وإذا سمعوا اسم الله هربوا نافرين عن الحق، إنهم لم يأتوا لسماع القرآن حباً فيه ورغبةً في فهم معانيه، لكنهم جاؤا إليه مستهزئين به يبحثون عن وسيلة لتشكيك الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، فشبهوه تارةً بالساحر وأخرى بالكاهن وثالثة بالشاعر، وأخطؤا الطريق لأنهم لم يعرفوا ما يقولون، جل همهم أن يشككوا الناس فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ويصرفوهم عن الإيمان بالله واليوم الآخر، (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا*انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً). ثم عادوا إلى باطلهم يجادلون في القضية نفسها لأنهم أنكروا البعث وأنكروا الباعث وقالوا (وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا*قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا*أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا*يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً) شبهتهم تتلخص في أن الإنسان إذا مات تفتت وتفرق في أحياء، فإذا مات الأحياء تفرقوا في مثلهم، فالميت الأول صار شجرةً أكل الناس ثمارها، ثم ماتوا فدفنوا في الأرض فخرج منهم العشب فأكلتهم الخراف وأكل الناس الخراف، ثم ماتوا فألقوا في البحر فأكلهم السمك، ثم أكل الناس السمك، فالإنسان الواحد منا تفرق في أناسي كثيرين، وصار جزءً منهم بعدما كان جزءً منه، فهل سيعيده مما كان أو خلقاً جديدا؟، سألوا السؤال إذا متنا وتفتتنا أإنا لمخلوقون خلقاً جديدا أم معادون من خلقنا الأول؟ إن خلقاً جديدا فلماذا يعاقبنا ونحن خلق جديد لم نذنب وأذنب غيرنا، وإن أعادنا فكيف يعيد الإنسان الواحد من أناسي كثيرين، هذا لعمري بحسب المعطيات البشرية أمر صعب، لكن ليس ثمة شيء صعب على الله ولا شيء سهل، الكل سهل على الله فقدرته مطلقة وفعله متحقق، لذلك قال لهم كونوا أي شيء كنتم، حجارةً مثلاً أو حديداً أو أي شيء فإن الله قادر على إعادتكم، لكن متى؟ يوم القيامة يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده لأن الله يرفع العذاب عن أهل العذاب بين النفختين الأولى والثانية فينام المعذبون، فإذا حصلت النفخة الثانية قام المعذبون يقولون الحمد لله، ولأن الميت لا يدرك الوقت لا جرم قال وتعتقدون أنكم لم تلبثوا إلا وقتاً قليلا.
وقد جمع الله الإنسان كله في عجب الذنب وهي جوهر فيه كل تاريخ حياة الإنسان وأعماله وأقواله طول حياته، والإنسان إنسان بجوهره لا بأعراضه، ويعطيه الله يوم القيامة أعراضاً جديدةً كالرطوبة واللون والحركة، وهذه تتغير في الإنسان، ومع ذلك يبقى الإنسان إنساناً بجوهره المجموع في عجب الذنب، وإذا كان اليوم الآخر حقاً وكان الحساب حقاً فلنستعد لذلك اليوم بالعمل الصالح الذي ينفعنا أو ينفع غيرنا أو يدفع عنا أو يدفع عن غيرنا، فاللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة