الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

إسراء في آيات الله  
سورة الإسراء   الآيات 1 - 22


سورة الإسراء مكيّة وآياتها مائة وإحدى عشرة، نزلت قبل الهجرة وبعد موت خديجة رضي الله عنها وأبي طالب، وبعد حادثة الإسراء، وكان من أمر الإسراء أن الله أسرى بنبيه من المسجد الحرام في مكة المكرمة إما من نفس المسجد كما دل عليه حديث أو من بيت أم هاني كما دلت عليه رواية ثانية، وكان الإسراء مقدمةً للمعراج الذي حصل في نفس السنة من المسجد الأقصى إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى.
لم تشر هذه السورة إلى حادثة المعراج بل تركت إلى سورة النجم أمر الإشارة إليها، ولم يكن ثمة مسجد لأن المسجد دمره بختنصّر وأخذ اليهود إلى العراق، ولكن سمي مسجداً لحديث "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"، ولما كان العرب لا يتصورون أن يقطع مسافة شهر في بعض الليل ناسب أن ينزّه الله أن استطاع أن يقطع بنبيه هذه المسافة التي تقدّر بأكثر من 1500 ك.م.، فاستهلها ب (سُبْحَانَ) وهي مصدر سبّحت على خلاف القياس لأن القياس تسبيح، لذلك قالوا (سُبْحَانَ) مصدر لا فعل له من لفظه، ثم وصفه بالاسم الموصول وصلته وحدد المبدأ البيت الحرام والمنتهى المسجد الأقصى، وبيّن العلة التي من أجلها كان الإسراء فقال:(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ووصفه المسجد الأقصى بالمباركة حوله إشارةٌ إلى أنه مهبط الوحي وملتقى الرسالات، فإسحاق ويعقوب وأسباطه الإثنا عشر عاشوا هناك، وإن تركوا فلسطين فترةً من الزمن فقد كانوا يعيشون فيها قبل أن يهاجروا إلى فلسطين وبعد أن رجعوا منها، والتنكير في (لَيْلاً) لبيان قلة الوقت الذي أخذه للوصول من مكة إلى القدس، والعبد يطلق على الروح والجسد وهذا من أقوى الأدلة على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد مرةً واحدة بعد البعثة وقبل الهجرة، وسمي الأقصى لبعده عن مكة، وقوله:(لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) وقوله في سورة النجم:(لقد رأى من آيات ربه الكبرى) إشارة إلى ما رأى من آيات في الطريق إلى المسجد الأقصى من مدينته التي هاجر إليها فيما بعد وتمثُّل الأنبياء والرسل له ليصلي بهم إماماً وصلات بعضهم في قبره واختياره اللبن على الماء والخمر، مع أن الخمر لم يكن محرماً في وقتها، وما رآه في السموات أثناء عروجه من أنبياء وملائكة وغير ذلك، وختم الآية (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الضمير الأول للشأن والضمير الثاني الأقرب أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم، ويؤيده موافقة الضمير الذي قبله في قوله:(لِنُرِيَهُ) فالهاء للنبي وكذا (هو)، ومما لاشك فيه أن الله هو السميع البصير لكن في هذا الموضع الأقرب الأول، ليتطابق مع السياق والسباق، فإن سماع النبي سماع قبول وإجابة وفيه تحذير لمن لم يسمع من العرب، ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل الإسراء به معجزةً دالةً على صدقه ناسب أن يذكر من قبله فقال:(وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً) ذكر موسى بعد النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكّد على رسالته وأنه كما أوحى إلى موسى وحياً متلواً تمثّل في التوراة كذلك أوحى إلى محمد القرآن، وكما كانت التوراة هدىً لبني إسرائيل أو خارطة طريق فإن القرآن هدىً للمسلمين، ورأس العقيدة التي اتبعها المسلمون في هذه الأيام عبادة الله الواحد هي نفس العبادة التي دعا إليها موسى عليه السلام، وكأنه بهذا يؤكّد على ما قرره سابقاً من أن اليهود يكذبون حين قالوا:(ما أنزل الله على بشر من شيء) فالإيمان بالوحي إلى موسى يلزم منه الإيمان بالوحي إلى محمد، ونفي الوحي عن محمد نفي للوحي عن موسى، وقوله:(أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً) دعوة مقرِرة لما دعا إليه الأنبياء من قبل ومن بعد.
ولما كان موسى من نسل نوح عليه السلام ناسب أن يذكر بعد موسى نوحاً فقال:(ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) ففي هذه الآية ذكرٌ للطوفان بطريق غير مباشر وإشادة بنوح عليه السلام ودعوةٌ إلى شكر الله على النعم جميعها في قوله:(إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا). ثم بيّن لنا القرآن ما أخبر به موسى من إفساد اليهود إفسادتين فقال:(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) القضاء هو الحكم المبرم الذي لابد أن يتحقق، فقد حكم الله على اليهود في الكتاب إما اللوح المحفوظ أو التوراة: الوحي المتلو، والحكم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين وسيتسلطون على خلق الله ويتكبرون عليهم كثيراً، ثم شرع يفصّل هاتين الإفسادتين لأن لكل فساد عقوبة إقتضاها عدل الله عز وجل، فإذا أفسدوا الإفسادة الأولى سلط الله عليهم من يعاقبهم من خلقه، أشار إلى ذلك (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً) وقد كان ذلك في القرن الأول قبل ولادة المسيح أو معها لا أدري بالتحديد، حين هاجم بختنصّر اليهود في فلسطين وغلبهم وأسرهم وأحرق التوراة وقضى على تراثهم وبقوا في الأسر زمناً طويلا، ولعل نسخة التوراة التي بأيدي الناس قد كُتب بعضها في الأسر، ففيها إشارات إلى أمور لم تكن معروفة في فلسطين، وفي بعض الأسفار أمورٌ قد لا يقبلها العقل، ولست هنا بصدد نقد التوراة ولكن يتولّى عني أهلها ذلك، المهم أن الإفسادة الأولى حصلت، وأن الله بعث على اليهود عباداً له ولم يكونوا موحدين كما يفهم من قوله:(عِبَادًا لَّنَا) فالخلق كلهم عباد لله يستخدمهم كيف شاء، ووصف العباد بأنهم (أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) أي أقوياء عبّر عن قوتهم بقوله:(فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ) على حد قولهم إذا عصى الله من يعرفه سلط الله عليه من لا يعرفه لأن معصية الله أمر كبير فيؤدّب العاصي بعقوبة مناسبة، لذلك ذيّل الآية فقرر أن هذا الوعد الذي هو في الحقيقة وعيد محقق، وقد تحقق قبل نزول الآيات على محمد صلى الله عليه وسلم وقبل ولادته بأكثر من خمسمائة سنة، ثم نصر الله اليهود على عدوهم وعادوا إلى فلسطين وكان لهم قوة ودولة، قال تعالى:(ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) فبيّن أنه رد إليهم إعتبارهم وأمدهم بالقوة العددية والعدُدية وجعلهم أقدر على الحرب والسلم، إبتلاءً لهم أيشكرون فيثيبهم أم يكفرون فيعاقبهم، وجاء بالتفات لطيف في ثنايا القصة يحذرهم ويحذرنا أن نضل الطريق فيسلط علينا كما سلط عليهم، ووضعها قضيّةً شرطية فقال:(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) هكذا تصلح الآية لبني إسرائيل وللمسلمين ولكل قارئ للقرآن على مر الليالي وتوالي الأيام، وقوله:(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) جاء بإذا الشرطية وجعل شرطها وعد الآخرة، وجوابها (لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) وهنا اختلف أهل التأويل هل جاءت هذه الثانية أم لم تأتِ بعد، فالأكثر على أنها كانت في انتصارات النبي عليهم في قينقاع والنضير وقريظة وخيبر وإجلاؤهم من جزيرة العرب، وعندي أن الثانية لم تأتِ بعد وإن أشار إليها هاهنا فإنما أشار إليها ليشوقنا ويشد انتباهنا إلى ما سيقرره من أحكام وآداب ووصايا، ليخبرنا آخر السورة أن الإفسادة الثانية ستتحقق في فلسطين وسيكون ذلك عندما يريد الله أن يجمع اليهود ليعاقبهم، وربما كان إجتماع اليهود في فلسطين هذه الأيام تمهيدأ للقضاء عليهم، لأنه قال في آخر السورة (وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا*وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) والمتتبع لتاريخ اليهود يجد أن اليهود عاشوا مشردين بعد طرد النبي لهم فلم يستقروا في مكان، ومن يدافع عنهم اليوم كان يحاربهم بالأمس، وقوله:(اسْكُنُواْ الأَرْضَ) إشارة إلى ذلك، وقوله:(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ) أي الإفسادة الآخرة أو العقوبة الآخرة (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) أي جئنا بكم جماعات ملتفة، لم يجتمع اليهود في بلد واحد إلا بعد وعد بلفور وبعدما كافحوا ليكون لهم وطن قومي في فلسطين، فلربما كان ذلك تمهيداً للقضاء عليهم، فإنهم اليوم متسلطون على أهل البلد يحاربونهم بجميع الوسائل لا يشفقون على طفل ولا على شيخ كبير ولا على امرأة، فإفسادهم ظاهر وفسادهم واضح، فيوشك أن يسلط الله عليهم عباداً له أو عبيداً يطيعونه بالإختيار فينشرون الحق وينصرونه ويحاربون الباطل ويقضون عليه، والله أعلم متى يكون ذلك، لكنّ قوله:(وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ)يؤكد على ذلك ويرشد إليه فإنه واقع لا محالة، ومما يؤكد على ذلك قوله:(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ) وقوله في آخر السورة:(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) فإن المعرّف إذا تكرر كان هو هو، وكلمة الآخرة في الموضعين هي هي، يؤيد ذلك ما قلته إن الإفسادة الثانية لم تحصل بعد وستحصل، ويؤيده أيضاً أن الإمام ابن حجر رحمه الله توقف في شرح حديث "تقاتلون اليهود" وقال كيف نقاتلهم وهم متفرقون مشردون في الأرض لا وطن لهم ولا مكان، ولكنه قرر بعد ذلك أن الحديث صحيح صناعةً وما صح صناعةً لابد أن يكون صحيحاً وسيحصل كما أخبر النبي حين قال"تقاتلون اليهود حتى يقول الحجر والمدر والشجر يا عبد الله يا مسلم هذا يهودي خلفي فاقتله إلا الغرقد..الحديث" والغرقد نوع من الشجر يستعمله اليهود في بيوتهم ومستعمراتهم، وقوله:(عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) يجوز أن يكون متصلاً بقوله:(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) ويكون قوله:(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ..) اعتراض، ويجوز أن يكون متصلاً بحسب ترتيب التلاوة، وعليه فمن أساء من المسلمين ثم من تاب من إساءته فالله يتوب عليه، فإن نكث عهده وخالف أمر الله ومات على الكفر عاقبه الله، ولما كان شأن اليهود أن يعاهدوا ويغدروا كما نسمع ونشاهد مع إخواننا الفلسطينيين ومع ما سمعنا من غدرهم وخيانتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين في الصدر الأول فتكون الآية متصلة تفتح مجالاً للتوبة وتتوعد المخالفين، وبعد فإن الله يقرر حقيقةً طالما ذكرها القرآن فيقول:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا*وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) فالقرآن يرشد الناس إلى الطريقة الأقوم في العقائد فيدعو إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة والقصد والطلب، وفي المعاملات ينظّم العلاقات بين الناس وبين خالقهم وبينهم وبين بعضهم البعض، ويرشد إلى أقوم طريق وأحسن سبيل، وفي الفروع ذكر العلامة أستاذي الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان من تفسير القرآن بالقرآن مجموعة من الفروع تميّز بها القرآن في هدايته للتي هي أقوم، فمن أراد أن يتعرف إليها فليرجع إلى كتابه فإنه كتاب قيّم فيه من المعلومات ما لا يستغني عنه طالب العلم الذي يريد أن يجمع إلى تفسير القرآن الفقه والأصول في كتاب واحد، فقد جمع فيه بين اللغة والأصول والفروع والتفسير رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. يخبر المؤمنين خبراً تتحرك له بشرتهم فرحاً وسروراً، خاصةً الذين يعملون الأعمال الصالحة التي تنفعهم أو تنفع غيرهم أو تدفع عنهم أو تدفع عن غيرهم بأن لهم أجراً كبيرا، إنه الجنة وما أعد الله لأهل طاعته من قرة عين ونعيم لا ينقطع، وعلى خلافهم الذين لا يؤمنون بالآخرة ولم يعدوا لها عدتها ولا سألوا الله أن يرحمهم أعد لهم عذاباً أليما يتناسب وما اقترفوا من آثام وما ارتكبوا من سيئات استحقوا عليها العقوبة، إنه الإنسان لا يعرف أين مصلحته، قد يتوهم الخير في الشر وقد يتعجل الشر ثم يندم على ذلك أو لا يندم (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) يجوز أن يراد بالإنسان الكافر كما فعل أحد المشركين حين دعا الله أن ينصر أحق الطائفتين بالنصر فقتل في بدر، أو كمثل ما فعلت قريش حين قالوا:(اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء)، وقد يكون مؤمناً لكنه لا يتبصر الأمور ويطلب ما هو شر له يظنه خيرا، وكان الإنسان دأبه العجلة لكن الله يحلم على عباده ولا يعاجلهم بالعقاب، يصبر عليهم وييسر أمورهم، أنظر إليه يجعل آية في الليل وآية في النهار ويمتن فيقول:(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) كان العرب أمّيون لا يكتبون ولا يحسبون، فجعل الله لهم القمر ينظرون إليه فيعرفون الوقت الذي هم فيه، وجعل الشمس مضيئةً تمد الأرض بالطاقة والحرارة، وجعل في الهواء عاكساً لأشعة الشمس ينشر النور في جميع الأمكنة، فيستطيع الناس أن يعملوا في النهار ويرتاحوا في الليل، فتحدث عن هذه النعمة وبيّن الحكمة من وجود الليل والنهار، وبيّن كل شيء أحسن بيان، ودعا الإنسان إلى العمل وحاسبه عليه فأثابه إن أحسن وعاقبه إن أساء (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا*اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) أطلق الطائر وأراد عاقبة العمل إن كان سيئاً فشؤمه لأن العرب كانت تتشاءم في بعض الأحيان عن طريق الطير، يزجرون الطير فإذا سار يمنةً ساروا في مصالحهم، وإن سار يسرةً عادوا إلى بيتهم، فأخبرهم أن شؤمهم حاصل في عملهم نتيجةٌ حتمية له، وأن المسؤولية الجزائية على العمل قد تكون معجّلةً على حد قولهم ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة، ولما كان كل عمل يعمله الإنسان مسؤول عنه ومحاسب عليه قال (في عنقه) فكأنه حين عمل العمل تحمّل المسؤولية عنه ثم يخرج له كتاب الأعمال يوم القيامة فيراه ماثلاً أمامه، ويقال له كفى نفسك تحاسبك على عملك لأن الباء زائدة، ولما بيّن الله الخير ودلل عليه وبين الشر وحذّر منه، ناسب أن يقول:(مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) إن فائدة العمل بطاعة الله تعود على العامل نفسه وإثم المعصية تعود على العامل نفسه أيضاً، فالإنسان هو المسؤول عما يكتسبه من خير أو شر، لا أحد يتحمل المسؤولية عن أحد ولا أحد يؤاخذ نيابةً عن أحد، وختم الآية بقوله لا عذاب قبل ورود الشرع، فتكليف العباد بالشرع لا بالعقل، من هنا كان إرسال الرسول يبيّن للناس ما يحتاج إلى بيان، يحاسبهم على الإمتثال ويعاقبه على التمرد، فالذين لم يرسل إليهم رسول كأهل الفترة بين عيسى ومحمد أو بين إسماعيل ومحمد ناجون، لأن آيات القرآن قاضية بأن لا عذاب قبل ورود الشرع، وأن العرب لم يأتهم رسول قبل محمد، ثم بيّن السبب الذي لأجله يهلك الأمم ويقضي عليها إنما هو عصيانهم الأمر ومخالفتهم ما شرع الله (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) إذا قضى الله أن يهلك قوماً بإرادته القدرية الكونية جعل أمراءهم يعصونه فيأمرهم بالطاعة فيصرون على المعصية، مستغلين ما هم فيه من غنى ورغد عيش، ويتجاوزون الحد فيخرجون من دائرة الإيمان إلى دائرة الفسق فيستحقوا الإهلاك فيهلكهم، فإن جئت تبحث عن الدليل أتاك الجواب في الآية التالية، قد أهلكنا كثيراً من القرون من بعد نوح وكفى الله عالماً بذنوب عباده خبيراً بأحوالهم بصيراً بأخطائهم، لخّص ذلك (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا).
الناس فريقان فريق يطلب الدنيا ويحرص عليها ويسعى إليها ويرغب فيها ولا ينال منها إلا ما قدّر الله له، وفريق يرغب في الآخرة ويسعى لها طائعاً لله طالباً لأجره مؤمناً به فيكرمه الله ويثيبه، عبّر عن ذلك بقوله:(مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا*وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) العاجلة هي الدنيا لأنها قريبة منه، يعطيه منها ما يشاء لمن يريد، إذ الموضوع رهن بإرادة الله لا بإرادة العبد، فإن العبد إذا طلب الدنيا وحرص عليها قد يعطيه الله إياها وقد يعطيه بعضها، لكن سيحاسبه حساباً عسيرا ويدخله جهنم لأنه لم يطلب الجنة ولا رغب فيها ولا عمل لها، وإذا أدخل جهنم أخزي أيما خزي، وأما الفريق الثاني فهو الراغب في الآخرة الساعي لها سعيها بطاعة الله وتنفيذ أوامره وتحكيم شرعه فيما يأتي ويذر، ولابد أن يكون قبل هذا وذاك مؤمناً بالله راغباً فيما عنده ساعياً إليه، عندها يشكر الله له سعيه ويحسن مثوبته.
وإذا نظرنا إلى الناس رأينا بعضهم مؤمنون وبعضهم كافرون، وهؤلاء واولئك يمنحون من النعم ويتفضل عليهم لأن الرزق حق الربوبية فما دام الله رباً لخلقه فهو يرزقهم ويعطيهم ولا يبخل على أحد، وما كان عطاء الله ممنوعاً منه أحداً من خلقه، فإن أردت أن تتأكد من ذلك فانظر كيف فضّل الله بعض الخلق على بعض في الدنيا وسيفضل بعضهم على بعض في الآخرة، ويكرم أولياءه المطيعين له أيما إكرام (كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا*انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) الدنيا دار ابتلاء ويكون ذلك بالفقر وبالغنى، بالصحة وبالمرض، بالتوفيق للطاعة وبالخذلان، فمن شكر النعمة استحق الثواب ومن كفرها استحق العقاب، ويجب في هذا وذاك أن يكون الولاء لله وحده والبراء من أعدائه، إلى ذلك أشار بقوله:(لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً) فالذي خلق وأوجد من العدم وربى بالنعم وبدأ الإنسان بالإكرام رعاه في جميع أحواله جدير بأن يعبد ولا يعبد غيره، جدير أن يكون معظماً مقدماً محترما، فاللهم وفقنا لنحقق الإيمان ونلتزم الطاعة ونراقبك في السر والعلن.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة