الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ثلاثة وثلاثة  
سورة النحل   الآيات 90 - 128


ذكر في الآيات السابقة أنه أرسل الرسول شهيداً على أمته ونزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، كأن سؤالاً نشأ من هذا فمن هم المسلمون؟ يأتي الجواب هم الملتزمون الأوامر الممتنعون عما نهى الله عنه، وأمهات المأمورات ثلاثة أشار إليها وإلى أمهات المنهيات فقال:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) العدل به قامت السموات والأرض، فالله منزه عن كل عيب وكل نقص متصف بكل كمال، والعدل إعطاء كل ذي حق حقه ومعاملة الناس على حد سواء دون تفضيل بينهم لقرابة أو محبة أو جوار أو حلف، والإحسان أن تتنازل عن بعض حقك وتتسامح فيه لتآلف الناس وجمعهم على كلمة سواء، فإن أصل الإحسان في جانب المخلوق أن يعبد الله كأنه يراه فيكون خائفاً منه مقبلاً عليه طامعاً في ثوابه خائفاً من عقابه، وإيتاء ذي القربى لأن القريب المسلم له حقان: حق الإسلام وحق القرابة، وصاحب القرابة يجب مراعاته ودفع حقه إليه أكان مادياً أم معنوياً، وفي مقابل هذه الثلاثة ثلاث منهي عنها، الفحشاء وهي الخصلة المتناهية في القبح قد يراد بها الزنا لقوله:(ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة) وقد يراد بها الشذوذ (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ) على الخلاف بين المفسرين، والمنكر ما تنكره النفوس السليمة والعقول الناضجة ويتفق العقلاء على إنكاره إن لم يصحبه إعتداء، فإن صحبه اعتداء صار بغياً، فالثلاثة الأول ضرورية لإستقامة المجتمع مثل الثلاثة الأخر، لذلك حرص القرآن على تخويف الناس ليتذكروا ذلك جيداً وكأنه قال لهم "تفكروا في ذلك وأنتم ترجون أن تتذكروا الله فتخافوه فينتج عن ذلك طاعة له"، لذلك جاءت الآية بالأمر (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) إن الوفاء بالعهد من علامات الإيمان، ففي الوصايا التي أوصى الله بها المسلمين وغيرهم (وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ) وأكد هنا بالجملة الفعلية المصدرة ب"إذا" والفعل الماضي الذي يفيد التكرار كأنه قال "كلما عاهدتم عهداً فأوفوا به" ومفهوم الوفاء التزام بالأداء، أكد على ذلك (وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) والجملة الحالية التي تدل على أن المعاهد قد جعل الله على نفسه كفيلاً، وربط الوفاء بالعهد بمراقبة الله لأنه أشار إلى ذلك بجملة فعلية فعلها مضارع بل فيها فعلين واحدٌ لله والآخر للمخاطبين، فإذا كان الله يعلم ما تفعلون فالتزموا بالعهد ووفوا به لمن عاهدتم إيماناً واحتساباً، ولا تتشبهوا بالمرأة التي كانت تغزل طول النهار فإذا جاء الليل نقضت غزلها كأن العهد أبرم أمراً وناقضه بعد أن عقده أبطله (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) يقال إن امرأةً في مكة كانت تجمع جواريها وتغزل معهم كل النهار، فإذا انتهى النهار نقضت غزلها أنكاثاً، بعد أن تعبت في غزله ثياباً، فاتخذ من هذه الصورة تشبيهاً تمثيلياً للذين يحلفون إذا كانوا ضعفاء، فإذا اشتد ساعدهم وتحسنت أحوالهم نقضوا ما حلفوا عليه وأخلوا بما شرطوا على أنفسهم لغيرهم، إن ابتلاء الله للناس بالغنى والفقر والصحة والمرض والقوة والضعف هو ابتلاء ليظهر فضل الصالح الذي يفي بعهده في جميع الأحوال وينفّذ ما اتفق مع غيره عليه ولا يجعل من العهد وسيلةً لتحصيل المكاسب الدنيوية والمزايدات، فالحلف بالله يجب أن يحترم ويراعى ولا ينقض، وليعلم أن الحياة دار ابتلاء فليستقم على طاعة الله ويثق به ويتوكل عليه، فيوم القيامة يبين الله للناس ما كانوا فيه يختلفون.
من نعم الله علينا أن جعلنا مختلفين، ولو شاء أن يجعلنا أمة واحدة لفعل، ولكن يضل من يشاء بعدله لأنه علم أنه إنسان شرير يتبع الهوى ويعرض عن الحق، ينتهز الفرص ويستخدم الدين وسيلة للتغلب على الناس، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله لأنه علم فيه صلاحاً والتزاماً بما كلفه الله به، والحساب يوم القيامة حين يسأل الله الخلق عما كانوا يعملون في الدنيا (وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). ومن أجل أن يكون اليمين محترماً محفوظاً، نهى عن اتخاذ الأيمان دخلاً بين الناس، فيتفرق الناس ويفقدوا الثقة بين بعضهم وتنتشر العداوة بينهم ويبتعد الخلق عن منهج الله ودين الله فيستحقوا العذاب (وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) بناءً على ما تقدم لا يجوز للإنسان أن يشتري بعهد الله ثمناً قليلاً، لأن ما عند الله خير وأبقى مما عند الناس، فإذا آمن الإنسان بأن ما في يده ينتهي وأن ما عند الله باقٍ، وثق بالله واعتمد عليه فاستحق أجراً على صبره يفوق ما بذله وتحمله في هذه الدنيا أضعافاً مضاعفة (وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) فإذا بحثنا عن ترجمة عملية لهذا الكلام وجدناها في قوله:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) "من" اسم موصول يصلح للمذكر والمؤمنث والمفرد والمثنى والجمع، و"عمل" فعل ماضٍ يدل على اللزوم والثبات، و"صالحاً" صفة لموصوف محذوف هو المصدر عملاً صالحاً، وقوله:(مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى) بيان ل(من) وقوله:(وَهُوَ مُؤْمِنٌ) جملة حالية، وأما الأجر فأجران في الدنيا والآخرة، أشار إلى الأول بجملة خبرية مؤكدة بالقسم ووصف الحياة بأنها طيية، والطيب لا كدر فيه ولا تنغيص، والأجر في الأخرى بأحسن عمل عمله في الدنيا، فانظر كيف حسّن الدنيا لتحسُن الآخرة، ولما كان الشيطان يزين للناس ليبعدهم عن المنهج ويشوش عليهم ناسب أن يقول للنبي (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) أمره أن يطلب الحماية من رب العالمين فلا ينغّص عليه الشيطان أو يوسوس لأنه يحتمي بالله منه ويلتجيء إلى الله ليحميه، وبيّن فائدة التعوّذ بالله فقال:(إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) فإذا التجأ قارئ القرآن إلى الله واحتمى به سلم من وسواس الشيطان وحفظ، وإذا لم يفعل وقع تحت تأثيره، فإن خضع له وأشركه في عبادته وطاعته كان من الواقعين تحت تأثيره المتبعين لتزيينه محاولاً صرف الناس عن القرآن بتشكيكهم في آياته، مثال ذلك (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) أنكر النسخ ونسب إلى رسول الله ما لا يجوز، جهلاً منه واتباعاً للهوى، وما ألطف القرآن حين قال:(بَلْ أَكْثَرُهُمْ) ليفسح في المجال ويعين على التوبة ويستر المخطئ فلا يحرجه فيخرجه، وردّ على هذه الفرية أبلغ رد وأحكمه معرضاً عن القائل موكلاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم التبليغ بعد تشريفه بالخطاب فقال:(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) فبيّن أن القرآن نزل به الروح الأمين على قلب النبي من رب العالمين وأن في القرآن خارطة طريق يسار عليها للنجاة يوم القيامة وفيه بشرى للمسلمين الذين أسلموا قيادهم لله وتوكلوا بكليتهم عليه فلا يخيب رجاءهم. ولما شككوا في القرآن في قضية النسخ ناسب أن يذكر فريةً ثانية إفتراها أهل مكة ليرد عليها ويبطلها، ويتبع ذلك ببيان السبب الذي لأجله عاند أهل مكة فلم يؤمنوا بالله ولا برسول الله وأصروا على باطلهم واتبعوا أهواءهم وتركوا الحق الواضح فقال:(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) هذه الدعوة تفيد أن الذي يعلم النبي ما يقوله للناس بشر من جنسه وهو إما بحيرة والأكثر على أنه روميٌ يعيش في مكة يعمل حداداً يصنع السيوف وآلات الحرب، فما أجمل القرآن حين يرد الوهم باليقين والحجة الواضحة، فرد قولهم أبلغ رد وأحكمه، لغة هذا البشر الذي زعموه أعجمي لا يحسن العربية ولا يعرف عنها إلا القليل، فهل يعقل أن يكون الأستاذ المعلم أعجمياً والتلميذ عربي يحسن العربية يبيّن خفاياها وخباياها، ويتكلم كلاماً يعجز العرب عن معارضته، إنه الكفر دفعهم إلى هذا القول، والكفر أعمى بصيرتهم وأفقدهم القدرة على استعمال العقل في فهم القضايا والتعرف إلى الخفايا، لأن الله خذلهم فلم ينر بصيرتهم ولا صوّب مسارهم مصداق ذلك (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يتناسب والجرم الذي اكتسبوه والأعمال السيئة التي اقترفوها من اتباع الهوى والكذب الصريح، ولا يجرؤ على هذا إلا من كفر بالله فتمرّس في الكذب، لذلك حصر الكذب به وقصره عليه (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) فهؤلاء هم الكاملون في الكذب الذين اتقنوه وتعاملوا به فأدى بهم إلى إجبار الناس على الكفر وإكراههم عليه، من هنا فسّر ما أجمله في الآية فقال:(مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فجعل جزاء المرتد الذي انشرح صدره للكفر أو شرح به صدر غيره جزاؤه عذاباً عظيماً، أما الذي أكره فتلفظ بالكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان فبخلافه، لذلك يمكن ترتيب الآية كما يلي: من كفر بالله من بعد إيمانه أو شرح بالكفر صدراً، وصدراً نكرة فدلت على العموم، شرح صدره بالكفر أو شرح صدر غيره بالكفر، (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) واستثنى من أكره على الكفر في حالة اطمئنان قلبه كعمار بن ياسر رضي الله عنه، فعمار رأى أمه وأباه يموتان أمام عينيه لأنهما رفضا أن يذكرا محمداً أو رب العزة بسوء، واشتد عليه الأذى إلى درجة أنه لم يعد قادراً على التحمل فأعطاهم ما أرادوا، فلما تركوه أسرع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبكي وأخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف تجد قلبك؟ قال:عامراً بالإيمان, فقال عليه الصلاة والسلام: فإن عادوا فعد". وإنما كان للمرتد هذا الجزاء العظيم المتمثل في الغضب والعذاب لأنهم أحبوا الحياة الدنيا وفضلوها على الآخرة فاستحقوا أن يتخلى الله عنهم وأن يتركهم لمصيرهم لأن الله لا يوفق الكافر إلى ما أراد من عز الدنيا، وبين القرآن المسألة بوضوح فقال:(ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ*أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ*لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) فالمرتد آثر الدنيا على الآخرة فعميت بصيرته وكلّ فهمه وضعف عقله، إلى ذلك أشار (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) فأصبحوا غافلين لأنهم لا يفهمون ولا يسمعون سماع طاعة ولا يقبلون النصيحة، فأضاعوا عمرهم وأضاعوا دنياهم بمنافع يوشك أن يتركوها ويمضوا إلى الآخرة بلا زاد ولا حسنات، لكن الذي أكره على الكفر وإن كفر بلسانه وبقي قلبه عامراً بالإيمان فبخلاف ذلك، بيّن الله حكمه بقوله:(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) ومن أولئك عمّار فقد هاجر بعدما فتن وعذب وأوذي في الله، ثم بعد الهجرة جاهد وصبر فثبت صدقه بدليل قطعي وثباته على الحق فاستحق مغفرة الله وتوفيقه للطاعة، يوم القيامة يحاسب كل إنسان على عمله كما قال في سورة الإسراء (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وكما قرر كل نفس بما كسبت رهينة، يوم القيامة كل نفس تدافع عن نفسها وتحاول أن تجد مبرراً ينجيها من عذاب الله، لكن الله حكم عدل يوفّي كل نفس أجر عملها ولا يظلم أحدا (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).
لا يستغني القرآن عن مثل يوضّح به الحقيقة ويلزم الحجة ويقيم الدليل الذي لا يستطيع الخصم أن ينكره، فهاهي مكة كانت قرية آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان بدعاء إبراهيم عليه السلام، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم كفرت بنعمة الله عليها، فإن الله أعطى المسلمين خيري الدنيا والآخرة، فخير الدنيا والآخرة في القرآن، وخير الدنيا وحدها الذهب وغيره من المعادن الموجودة في جزيرة العرب والبترول والغاز عصب الحياة في هذه الأيام، لولاه لعاش الناس في أمن وأمان ولم يجرؤ أحد على أن يعتدي على أحد، يلخص القرآن هذا المثل دون أن يذكر مكة أو يشير إليها، فالمثل يصلح لمكة ولغيرها من القرى الآمنة التي عصت الله فعاقبها الله (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) دعا النبي على أهل مكة لما كذبوه وقال:"اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنيناً كسني يوسف"، فأصاب مكة القحط وجاع الناس، وإلى هذا يشير (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) بسبب صنيعهم، وأشار إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) فأخذهم العذاب في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي المصطلق وغيرها، وهم ظالمون لم يتوبوا ولم يقلعوا عن باطلهم بل أصروا عليه، ولما كان الرزق حق الربوبية وكان الرب خالقاً للخلق وكان كل ما في السموات والأرض ملكاً له، ناسب أن يبيح للخلق أن يأكلوا من رزق الله فقال:(فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) الحلال والطيب بينهما عموم وخصوص، فتارة يجتمعان وتارة يفترقان، فكل حلال طيب، والطيب ما تستلذه الفطر السليمة والنفوس التي لم تتلوث، لأن مكة كانت محصّنة لم تدخلها المذاهب المنحرفة، فما يراه أهل مكة طيباً مستلذاً مما لم يحرمه الله فهو حلال وطيّب، وبعض الحلال ليس طيباً كالضب، فإنه حلال ولكنّ أهل مكة لا يأكلونه، أما إنه حلال فلأنه أكل على مائدة رسول الله، وإما أنه غير طيب فلأن رسول الله لم يأكله، وشكر النعمة يكون بطاعة المنعم وإخلاص العبادة له، كأنه حذف جواب الشرط لدلالة ما قبله عليه، إن كنتم إياه تعبدون فاشكروا نعمته عليكم.
ولما أباح للبشر أن يأكلوا مما رزقهم الله ناسب أن يذكر المحرمات فقال:(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فحصر المحرمات في خمسة: الميتة وهي ما مات حتف أنفه دون تذكية شرعية من الحيوان مأكول اللحم، وما مات كيفما اتفق من غيره، والدم والمراد به الدم المسفوح لا الجامد كالكبد والطحال، ولحم الخنزير المراد كل الخنزير لحمه وعظمه وشعره وجلده وكل ما يتصل به، وإنما اقتصر في الآية على لحمه لأنه المقصد الأهم من تربيته، وما أهل لغير الله به ما رفع اسم غير الله عند ذبحه مجتمعاً مع غيره أو منفرداً، فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من المحرمات غير قاصد للحرام مع وجود الحلال ولا طالب للحرام مسرف في أكله (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) يعني انه يباح للمضطر أن يأكل من المحرمات بقدر ما يحفظ حياته، دون أن يكون راغباً في الحرام مفضلاً له على الحلال.
ولما كان تحريم الحلال كتحليل الحرام، وكان الأكل مما يستقل الشرع في إباحته أو تحريمه، ناسب أن يعظ الله الناس فلا يتهجموا على الشرع ويتدخلوا فيما لا علاقة لهم به، وأوعدهم على ذلك فقال:(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ولما ذكر المحرمات بصورة الحصر ناسب أن يرد على من يحل ويحرم بهواه دون الرجوع إلى الله عز وجل، فنهى أن نقول هذا حلال وهذا حرام لأن القول بحل شيء أو بحرمته تشريع، والتشريع يستقل به الله والمبلغ عنه رسوله، لذلك كان كل قول يقال لا يتطابق بين نسبته الذهنية ونسبته الخارجية كذب، الهدف منه إختراع الكذب على الله، وذيّل الآية ببيان حال الذين يفترون على الله الكذب أنهم لا يصلون إلى مطلوبهم ولا يفوزون في هذه الحياة ولا في الحياة الأخرى، جل ما يستفيدون أن يتمتعوا في هذه الدنيا برضى الناس ولكن لهم في الآخرة عذاب يؤلمهم، وهكذا أحكم الشرع وبينه أحسن ما يكون البيان، ولما كان في شرع بني إسرائيل ما يخالف هذا وكان بيّنه في سورة الأنعام، ناسب أن يشير إليه إجمالاً فقال:(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) والغرض من هذه الآية بيان أن التحريم قد يكون عقوبةً على عمل عملوه وقد يكون لمضرة تلحق الإنسان، وفي هذا وذاك صلاح للفرد والمجتمع، وقوله:(وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ..) ليبيّن أن بعض ما حرّمه عليهم كان بظلمهم أنفسهم، كما قال:( فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) فهم الذين ظلموا أنفسهم فعوقبوا على ذلك.
ولما كان الإنسان قد يخطئ فيستحق العقوبة، وقد يتوب قبل أن تنزل به، ناسب أن يقول:(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) لأنهم تابوا وأنابوا كما قال:( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ) فهؤلاء تابوا فتاب الله عليهم وأصلحوا العلاقة بينهم وبين الله وبينهم وبين من أساؤا إليه، وفي وصف الله بأنه غفور رحيم دعوةٌ إلى المغفرة والرحمة بالسياق لا باللفظ: بالقدوة لا بالكلمة.
ولما كان رأس التائبين أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ناسب أن يذكره في هذا المقام داعياً للإقتداء به والسير على خطاه فقال:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ*وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) قوله (أمّة) إجتمعت فيه خصال لا تجتمع عادة في فرد ولكن في جماعة، ولأنه جعل إبراهيم إماماً لمن بعده، ولأنه مدحه فقال:(وإبراهيم الذي وفّى)، (قَانِتًا لِلَّهِ) أي طائعاً له مخلصاً له دينه فقد دافع عن الحق ووقف إلى جانبه نشره ونصره، و(حَنِيفًا) مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، مفهومها كان من الموحدين ولم يكن من المشركين، وهو عين ما عبّر عنه في بقية الآية، (شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ) ذكر الأنعم جمع قلةٍ ومن يشكر القليل لاشك يشكر الكثير، وفيه حض على شكر المنعم وتحذير من كفر النعمة، وهذه مبررات دعت الله أن يختاره وأن يدله على الطريق المستقيم الذي يوصل إلى رضوان الله والجنة، أعطاه في هذه الدنيا حسنة فكل الناس يذكره بالخير ويحب أن يقتدي به ويتشرف بالإنتساب إليه وإن لم يتبع مذهبه ولا سار سيرته، ثم إن الله حقق له ما تمنى أن يكون من الصالحين في الآخرة فيدخل الجنة، وهذه الأمور دعا بها إبراهيم نفسه فاستجاب الله له (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) بعد هذه المقدمات ناسب أن يقول:(ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ثم لترتيب الزمان بين محمد وإبراهيم، وأمره باتباع ملة إبراهيم لأن إبراهيم هو المقدّم ومحمدٌ جاء بعده، وأكّد على ما تقدّم بقوله:(حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وإنما جاءت هذه الآية رداً على العرب الذين يزعمون أنهم أبناء إبراهيم وأتباعه وعلى دينه، ويعبدون الأصنام ويسيؤن إلى حفيد إبراهيم محمد صلى الله عليه وسلم. أمر الله بني إسرائيل أن يعظموا يوم الجمعة فيكون عيداً لهم وأبلغهم بذلك موسى فأبوا وقالوا لا، بل نعظم يوم السبت لأنه اليوم الذي انتهى فيه الإله من الخلق، فقبل ذلك منهم وشدد عليهم فمنعهم من العمل فيه، وقد سبقت الإشارة إلى الجزاء الذي نزل بمن صاد يوم السبت فقال:(إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أدب مع المخالف راقٍ بترك أمره إلى الله وعدم تنغيص حياته وإثارة عواطفه أو الإساءة إليه، فجعل الرب هو الذي يحكم بينهم يوم القيامة في الأمور التي اختلفوا فيها، وفيه تهديد مبطّن غير واضح.
لما ذكر حديث السبت ووكل الأمر في حساب المخالف إلى الله وكان في هذا نوعاً من الدعوة الخفية بالتلميح لا بالتصريح ناسب أن يدعو بالتصريح فقال:(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) جاءت هذه الآية لبيان أنواع الدعوة للمخالفين، فالمخالفون ثلاثة أنواع: عامة غير متعلمين فهؤلاء دعوتهم بالخطابة والأسلوب السهل ما استطاع الداعي إلى ذلك سبيلا كمثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع من جاء يشكك في زوجه لأنها أتت بولد أسود فسأله:"ألك إبل" قال:"نعم" فسأله عن لونها ثم سأله:"هل فيها من واحد مخالف" فأجاب:"أن نعم" فقال:"من أين جاء؟" قال:"لعله نزعه عرق" قال:"وهذا ابنك لعله نزعه عرق"، والنوع الثاني استخدام الموعظة الحسنة على غرار ما فعل القرآن في القصص التي قصها على النبي وعلى المسلمين، والطريقة الثالثة بالمجادلة وهو إدارة الكلام، لكن لابد أن يكون له قواعد مسلّمة عند الطرفين وأن تكون النتيجة مسلّمة منهما ومثاله قوله تعالى:(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم). وفي هذا وذاك يجب أن يكون الداعية هادئً حسن الأخلاق لا ينفعل ولا يشتم ولا يتطاول لأن وظيفته البيان وليس الإكراه ولا التسلط، فالله يحكم لا معقّب لحكمه، لهذا ختم الآية (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) فهذه الآية تريح الداعية وتطيب خاطره وتهدئ من روعه، لكنّ بعض الناس قد يخطئ ويتجاوز أو يسيء فيستحق العقوبة، لذلك جاء قوله:(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) فهذه الآية تشترط المماثلة بين السيئة وجزائها، ولا يكون الجزاء أكثر، ومن الجائز أن تكون هذه الآية والتي بعدها مدنيّة فإنها تنطبق على ما حصل من المشركين في غزوة أحد حين مثّل المشركون بحمزة عم النبي، ويروى أنه لما رأى ذلك أقسم ليمثّلن بسبعين منهم إن أظفره الله بهم، فجائز أن تكون هذه الآية نزلت في هذه الحادثة وجائز أن تكون نزلت قبل لتسن الطريق الأمثل في معاقبة الجاني، ومهما يكن فإنها متّصلة إتصالاً وثيقاً بالتي بعدها (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) فهي تأكيد على ما تضمن قوله:(وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) فأكّد على وجوب الصبّر وبيّن أنه يكون لله طاعةً وقربة، ونهاه أن يحزن عليهم لشدة حرصه على إيمانهم إن كان المراد بالضمير أهل مكّة وهو الظاهر، ويؤيده (وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) ينهاه أن يتأثر بمكائدهم ومكرهم بحرب الإسلام، وفي ذلك زيادةً لعذابهم في الآخرة، ورسم المنهج الذي من تمسك به استراح وأراح، إنه ملازمة تقوى الله ومراقبته في السر والعلن، إلى ذلك أشار (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) فجاء بالفعل الماضي صلة الموصول الأول ليدل على اللزوم والثبات، وجاء بصلة الموصول الثاني جملةً إسمية لتدل على اللزوم والثبات، فالله ينصر المتقين المراقبين له في جميع أعمالهم كما قال:(وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط) هكذا المؤمن المتقي ينجو من كل بلاء وينصر على الأعداء، فاللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة