الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

نعم متتالية  
سورة النحل   الآيات 65 - 89


لما ذكر في الآية السابقة أن مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين الحق الذي يقطع الخلاف ويشرح آيات القرآن بحيث يفهمها الناس ويتدبروها ليعملوا بها، ناسب أن يذكر بعض هذه الآيات التي تدل على الوحدانية والقدرة وصفات الجلال والجمال، فبدأ بنعمة الماء فقال: (وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ذلك أن الماء من أعظم النعم التي أنعم الله بها على المخلوق، فلا يستغني حي عنه ولا يستغني النبات عنه وحتى الجماد، وذكر في هذه الآية أنه المنزل للماء الذي يحيي به الأرض الخاشعة بعد أن كانت يابسة ميتة تهتز وتنمو وتنبت الثمرات، وجعل ذلك دليلاً على وجود فاعل مختار يفعل ما يريد ويحكم ما يشاء. النعمة الثانية نعمة الحيوان، الجمال التي هي سفينة الصحراء عليها يعبرون في تجاراتهم ومن ألبانها يشربون ففيه شفاء لبعض الأمراض، وفيها دليل على القدرة والحكمة، ذلك أنه أخرج اللبن من بين فرث ودم، فكان لونه أبيض وله ريح طيبة لا تطغى عليه رائحة الفرث الكريهة ولا لون الدم الأحمر فقال: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) من عجيب نعم الله أن المريض في بطنه إذا شرب لبن الإبل تعافى بإذن الله بعد أن يصيبه إسهال شديد. النعمة الثالثة ثمرات النخيل والأعناب، فإن الله يخرج من التراب ثمرات طعمها طيب ورائحتها زكيّة، فيأتي إليها الإنسان يحوّل بعضها إلى مسكر ويُشرب بعضها عصيراً أو يأكله فاكهة، وهذه الاية أول آية يشير بها إلى حكم شرب الخمر، إذ جاء بها مقارناً فعل الله وفعل الإنسان، فالله حوّل الخبيث إلى طيب ومثاله لبن الإبل أو البقر أو الغنم، والإنسان يحوّل الطيب إلى الخبيث يغطي عقله ويعمي قلبه ويجعله يتصرف على غير هدى، لذلك عطفها على الجملة السابقة فجمع بين الآيات الثلاث بواو العطف من أيها بدأت اهتديت (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ومعلوم أن السكران لا يعقل ولا يفهم ما يقال له ما دام كذلك. النعمة الرابعة العسل، فيه شفاء للناس من بعض الأمراض سواءً كانت في معدة الإنسان أو في جلده أو في فمه، لأن العسل مركب من خليط رحيق الأزهار، يجمعه النحل ويحوله إلى عسل ويدخله في الشمع لا يستطيع أن يفعله الإنسان مهما أوتي من قوة، إلى ذلك أشار (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ*ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الوحي في هذه الآية ليس من جنس الوحي إلى الملائكة أو الأنبياء ولكنه إعلام في خفاء وسرعة خص به الله النحل، وعلمها أن تبني بيوتها في الجبال وفي الشجر وحيثما وجدت مكاناً صالحاً للبناء بنت فيه بيتاً، فإذا خرجت النحلة إلى البرية وطافت بالأشجار وتحولت من دار إلى دار حصل عندها العسل، وإذا حبسها صاحبها وأطعمها السكّر صنعت منه عسلا ولكن شتان بين العسلين، لأن الله وجّه النحل أن يأكل من كل الثمرات وسهّل له طريق الذهاب وطريق العودة فكانت النتيجة أن خلق في بطونها العسل بمختلف ألوانه فيه شفاء للناس، شكى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجع بطن أخيه فقال صلى الله عليه وسلم:"اسقه عسلا" فذهب وعاد ثانية قال لم يشف أخي، فقال عليه الصلاة والسلام:"اسقه عسلا صدق الله وكذب بطن أخيك"، لذلك ذيّل الآية فجعل فاصلتها يتفكرون أي يعملون عقولهم في النعمة والمنعم وما فيها من قوة وطاقة ودواء وشفاء. النعمة الخامسة خلق الإنسان والأطوار التي مر فيها، يكون الإنسان نطفة ثم طفلاً ثم فتى ثم رجلاً ثم كهلاً ثم شيخاً، قد يفقد عقله أو بعض حواسه، وكلما تقدمت به السن عاد أدراجه إلى الوراء، بيّن ذلك (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) المخلوق يتغير حين تتقدم به السن، فربما صار ينسى وربما جهل بعض الأشياء، والله يبقى على حاله عليماً لأن علمه لذاته وعلمه لا يتخلف وغير مسبوق بجهل، قديراً لأن قدرته لذاته لم تسبق بضعف ولا تتغير، ومن تفكر في الإنسان وفي خالق الإنسان استدل بذلك على عظيم قدرة الله وسعة علمه. النعمة السادسة التفاضل في الرزق، الدنيا دار ابتلاء والإبتلاء إما بالفقر أو بالغنى، بالمرض أو بالصحة، والإنسان كثيراً ما يضن بماله فيبخل عن مساعدة أقرب الناس إليه وأحناهم عليه، والمشركون نسبوا بعض الرزق إلى أصنامهم الذين جعلوهم شركاء لله، مع أنهم لم يشاركوا الله في شيء لا في الخلق ولا في الرزق ولا في شيء آخر، فهل يرضى الإنسان أن يقسم بعض ما رزقه الله على عبيده الذين يملكهم فيشاركهم الرزق ويأخذ هو مثل نصيب واحد منهم، تأبى النفوس ذلك، فكيف جوّزت العقول أن تجعل لله شريكاً وأن تصرف له بعض ما تصرف لله (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) يجب على العقلاء أن يتأدبوا مع الله فلا ينقصوا قدره ولا يسووا به غيره. النعمة السابعة جعل الأزواج والأولاد، امتن الله على البشر فجعل لهم أزواجاً من أنفسهم، والزوج هو القسيم الذي يكمل قسيمه، فالمرأة زوج للرجل، والرجل زوج للمرأة، وعن الأزواج والزوجات ينشأ الأولاد وأولادهم، ولما كان هؤلاء وأولئك بحاجة إلى الرزق أمن الله لهم الرزق من الحلال، فادعى المشركون أن معبوداتهم ترزق، فناسب أن يرد هذه المقالة وسألهم سؤالاً يقيم الحجة عليهم أيؤمنون بالباطل ويكفرون بنعمة الله، إن هذا لعمري شيء عجيب (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) . هذه مجموعة من النعم أنعم الله بها على الإنسان فدلت على كمال قدرته وسعة علمه وفضله، ودلت على أنه قد احاط بكل شيء علماً وأنه المالك لهذا الكون والمتصرف فيه، لكن لابد من دليل ثاني أو ثالث (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ) مع وضوح هذه النعم وكثرتها ترك الغافلون الله وتوجهوا إلى غيره بالقصد والطلب، تركوا الغني القوي ولجؤا إلى الضعيف العاجز، تركوا من أمره بين الكاف والنون ولجؤا إلى ما لا يخلق شيئاً وهم يُخلقون، من هنا جاءت الفاء الفصيحة لترد عليهم أبلغ رد فقال: (فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ*ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) نهاهم أن يشبهوا الله بخلقه فمهما كان المخلوق لا يمكن أن يسوى بينه وبين الخالق، فالله يعلم والبشر لا يعلمون، والله يقدر والبشر لا يقدرون، ثم ضرب لنا مثلاً بين عبدين الأول مملوك عاجز لا يقدر على شيء، والآخر رزقه الله رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً لا يستوون، وإنما عدل عن النفي إلى الإستفهام وأراد به النفي لأنه أمر واضح بيّن الحجة يسلم به كل عاقل، ثم رد عليه (الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) من إنصافه ولطفه وكرم أخلاقه قال: (بل أكثرهم) ليسمح لمن يريد الخروج أن يخرج، ومن يريد التوبة أن يتوب، وحكم على المتمادين بالباطل المعرضين عن الحق بأن أكثرهم لا يعلمون، جهلة لا يميزون بين الحق والباطل، بين الخير والشر، (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) مقارنةٌ بين الصنم وعابده ليخلص منها إلى بيان جهل العابد للصنم وغبائه وضعف عقله، فالرجل الأبكم الذي لا يتكلم ولا يقدر على شيء لأنه لا يتحرك وهو كلٌ على مولاه، عبء ثقيل لأنه لا يستطيع أن يعمل شيئاً، إلى ذلك أشار بقوله: (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ) كل هذه الصفات القبيحة فيه هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم؟ يعرف ما يريد فيسعى لتحقيقه وما يراد به فيسعى لتجنبه والتغلب عليه، كل يوم يزداد علماً وفهماً، لاشك أنه لا يمكن أن يساويه الصنم، ليت شعري كيف سووا بين الصنم وخالق السموات والأرض، إنه الغباء بأجلى معانيه وأوضح صوره. هذه الحياة طوي فيها الغيب عن الناس واحتفظ الله به سواء منه ما كان قريباً كمعرفة ما في غد وما هو بعيد كمعرفة وقت قيام الساعة، لكن الله قد علم كل ذلك وعلم الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وهو لسرعة تحققه وقرب وقوعه كلمح البصر وهو مقدور لله (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وإذا كان كذلك فلابد أن يحاسب الناس فيثيب المطيع ويعاقب العاصي، ثم عاد لذكر الآيات التي تلزم باتباع المنهج والخضوع لجبّار السموات والأرض، فبدأ بالآية الأولى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذه الآيات متابعة لما مر قبل، ومن "قوله:ويعبدون...إلى قوله:قدير" إعتراض بين فيه موقف الناس الغافلين عن الله وبين سعة علمه وشموله. خرج الإنسان من بطن أمه لا يعلم شيئاً، لكن الله زوده بآلات تمكنه من العلم وتوصل العلم بالأشياء إلى قلبه، وجعل له العقل ليحفظ ويفهم ويعمل ويشكر الله على نعمه، ثم سأل سؤالاً فيه دليل على كمال القدرة وسعة الرحمة، فالطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله الذي جعل في الهواء قدرة على حمل الطير، ومكّن الطير من السير في الجو إلى المكان الذي يريد، وما هجرة الطيور من البلاد الباردة إلى البلاد الدافئة إلا دليل واضح على علم الله وحكمته وإتقان صنعته ما يدعو الناس إلى الإيمان به والخضوع له والتسليم لأمره (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). الآية الثالثة جعل البيوت سكناً وجعل جلود الأنعام بيوتاً، نعمةٌ عظيمةٌ يغفل عنها الناس، من خلق الأنعام وجعل في صوفها وشعرها ووبرها فائدة للإنسان، ومن هدى الإنسان إلى ما يصلح حياته ويؤمن له الراحة والإطمئنان في حله وترحاله (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) فالبيت سكن للإنسان يأمن فيه على نفسه وعلى أهله وولده، وقد يكون مبنياً من الحجر أو المدر، وقد يكون خيمةً من جلود الأنعام، لأن العرب كانوا لا يستقرون في مكان معيّن بل يتنقلون طلباً للعيش وإطعام مواشيهم، فحياتهم إما إقامة وإليها الإشارة (وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ) أو سفر يحملون خيامهم معهم في السفر وإليه الإشارة (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ) إذ كانت المرأة لا تستطيع أن تركب على ظهر الجمل فجعلوا لها بيتاً أحكموا تثبيته على ظهر الجمل وجعلوا لها حجاباً يحجبها عن الناس فلا تتأثر في الشمس ولا يراها المارة، وصاروا يسمون هذا البيت باسم التي تسكنه، فقالوا الظعينة فصار الظعن إشارةً إلى السفر، فالأيام يومان يوم سفر ويوم إقامة، والإقامة إما في بيت من حجر أو في بيت من جلد، ثم ذكر فوائد الأصواف والأوبار والأشعار فمنها يصنع الأثاث ما يفرش على الأرض، ما ينام عليه الناس، ما يلبسونه، نعم عظيمة ترشد إلى المنعم المتفضل. النعمة الرابعة العرب يعيشون في صحراء والشمس تقدح فوق رؤوسهم من أول النهار إلى آخره، من هنا كانت نعمة وجود ظل يستظلون به، أمر عظيم ونعمة تشكر، فبدأ به في هذه الآية فالمخلوقات لها ظل، البناء له ظل، الأشجار لها ظل (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا) مكاناً تكنون فيه وتختبؤن فلا يصل إليكم عدو ولا وحش، وجعل الثياب تقيكم الحر والبرد فما يقي الحر يقي البرد وما يقي البرد يقي الحر، ودروعاً تقيكم بأسكم (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ) نعم عظيمة ما أحوج الإنسان أن يتفكر فيها وأن يشكرها بإسلام وجهه لله وتسليمه لحكمه وتنفيذ أمره ونهيه، فما أنعم الله على الناس بهذه النعم إلا ليشكروه ويؤمنوا به ويوحدوه على أنه غني عنهم، فإن أعرضوا عن الدعوة والإيمان فعلى الرسول البلاغ وعلى الله الحساب، ومن حاسبه الله فياويله (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ* فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ). هذه النعم فما حال المنعَم عليهم، يأتي الجواب ( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) نعم الله واضحة ومكافأتها بشكرها، فإن واجب الناس أن يشكروا تلك النعم ولا ينكرونها ما داموا مؤمنين، فإن أنكروها كان ذلك كفراً ولكنه رحمهم فحكم على أكثرهم ولم يحكم على الجميع، رحمةً بالناس وحسناً في أسلوب الدعوة وتلطفاً مع المخاطبين، ويظهر فائدة الطاعة وضرر المعصية يوم القيامة، لذلك جاء قوله: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) يوم القيامة يبعث الله من كل جماعة شهيداً عليهم إما مؤمناً من المؤمنين أو ملكاً من الملائكة أو رسولاً من الرسل، فلا يسمح الله في ذلك اليوم للذين كفروا أن يتكلموا فيبدوا حجتهم أو يطلبوا العفو عنهم، لأنه أقام لهم الحجة في الدنيا وقطع عذرهم بإرسال الرسل، فيوم القيامة يوم الحساب والجزاء، وحين يرى الذين ظلموا العذاب قد حق عليهم فلا مفر منه ولا تأخير له (وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ) ويوم القيامة يلتقي العابدون والمعبودون ويتنكر كل واحد منهم لصاحبه، فهؤلاء العابدون يدّعون على المعبودين أنهم عبدوهم من دون الله فيجيبهم المعبودون إنكم كاذبون، واستسلموا جميعاً لله وتفرق المعبودون عن عابديهم وخلوا بينهم وبين مصيرهم الأسود، لذلك يزيد الله الذين كفروا عذاباً فوق العذاب الأول لكفرهم والثاني لصدهم الناس عن الإيمان بالله، ولأنهم أفسدوا في الأرض (وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ*وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ*الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ). لما قال فيما سبق (ويوم نبعث من كل أمة شهيداً) ناسب أن يعرف بالشهيد أو الشاهد فقال هنا: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ) فالشهيد يجوز أن يكون من الخارج ملكاً أو رسولاً ويجوز أن يكون من الداخل كشهادة الأيدي والأرجل والجلود، إليها الإشارة بقوله: (مِّنْ أَنفُسِهِمْ) ثم شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب حجة واضحة لأنه نزّل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء، لم يترك شيئاً من الأشياء يُحتاج إلى معرفته إلا بيّنه للناس أحسن ما يكون البيان وأوضح، وجعل في القرآن الكريم خارطة طريق توصل الناس إلى رضوان الله والجنة، وجعل فيه رحمةً وبشرى للمسلمين (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) وهذه النعم نعم عظيمة لا يقدّر قدرها ولا يقوم بشكرها إلا مسلم كامل الإيمان حريص على رضى الرحمن، يسعى ما استطاع إلى دخول الجنان، فاللهم وفقنا وصوّب مسارنا وسدد أقوالنا وأفعالنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة