الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

العلم قبل القول والعمل 


شرف يدعيه من ليس من أهله، ونقيضه يتبرأ منه من اتصف به، يحرسك ويزيد على الإنفاق، وقرر الله أن الذين يعلمون خير وأعلا مرتبة من الذين لا يعلمون، وإنما يكون العلم بالتعلم وآلته لسان سئول وقلب عقول، لأن العلم يطلق في العرف على الثابت ثباتاً يدرك بالحس من رؤية أو لمس، أو سماع، ذلك أن التعلم إذا لم تصحبه التربية كان وبالاً على صاحبه، إذ ربما دخل الكبر والعجب والغرور قلب الطالب، فبطأ به عن الإخلاص والصدق في الطلب فانحرف عن الطريق السوي، قال الإمام الشافعي:

أخي لن تنال العلـم إلا بسـتة سأنبيك عن تفصيلهـا  ببيـــان
ذكاء وحرص واجتــهاد  وبلغـة     وصحبـة أسـتاذ وطــول زمـــان

    فالذكاء يسهل عليه فهم الخفي اللطيف من العلم ويفتح آفاق المعرفة أمامه، ويمكن الطالب من فهم ما دقَّ وخفي من المسائل، ويتمكن من قياس الأشباه بالأشباه، وحفظ ما لابد له من حفظه، وبالحرص يتابع معلمه ويجتهد في محاولة طلب المزيد من العلم، والإفادة مما تعلم بأقصى ما يستطيع، وبالاجتهاد يتمكن من القراءة والبحث والنظر والاستدلال فإن العلم درجات متتابعة مرتبط بعضها ببعض، من هنا خصَّ الأقدمون على مذاكرة العلم فقال قائلهم:

    وأدم للعلـــــــــم مذاكــــــرة              فحيـاة العلــم مذاكرتــــه

    لعله أراد بالمذاكرة المدارسة والمحاورة، وهي من أحسن الطرق لفهم القول ومعرفة ما فيه وما عليه، وإن ساعة يقضيها الطالب مع أستاذه تغنيه عن ساعات يقضيها منفرداً مع كتابه، لأنه في وحدته تلعب به الأهواء وتعروه الغفلة ويصيبه الملل، من هنا قال: فحياة العلم مذاكرته، والمذاكرة مفاعلة ولا يكون ذلك إلا مع مشارك، وهذا النمط من التعليم والتعلم اتبعه الإمام أبو حنيفة – رحمه الله – فخرج العلماء الربانيين البصراء بتربية الناس، يشهد على ذلك ما تركه تلميذاه: أبو يوسف ومحمد بن الحسن من ثروة تدل على قدم راسخة وعلم واسع فرحمهم الله، وأراد بالبلغة أن يكون طالب العلم من المكتفين مادياً فلا يكون من الذين أطغاهم المال فأغناهم عن طلب العلم اعتقاداً منهم أن ما هم فيه خير مما يُدعون إليه ويرغَّبون فيه، ولا من الفقراء الجائعين لأن جوعهم يشغلهم عن الطلب، ولكن مكتفياً بما لديه، مستغنياً به عما في أيدي الناس، لأن القناعة – في غير العلم والتعلم – تريح القلب وتفرغه لطلب العلم والاستزادة منه، وأما صحبة الأستاذ فإنها من ضرورة التعلم لأنه لا يكون تعلم إلا بمعلم، قديماً كان العلم في الصدور يتلقاه الرجال من أفواه الرجال، وإذ قد دخل في الكتب اشتدت الحاجة إلى الأستاذ يشرح ما في الكتاب يبين خفاياه وخباياه، يبين مشكله، يوضح غامضه، واليوم الحاجة أشد للقراءة على الأستاذ لإصلاح ما قد يوجد من خطأ، وعلى هذا درج السلف وقال قائلهم: من كان علمه من كتابه كان خطأه أكثر من صوابه، ولأهمية الوقت في تحصيل العلم والحاجة إليه جعل سادس الأمور الواجبة لتحصيل العلم الوقت فقال: وطول زمان، ولأهمية العلم ودور العالم في المجتمع سهل الله لطالب العلم طريقاً إلى الجنة، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، وحض النبي على طلب المزيد من العلم، لأن به تقوَّم وتقيَّم الحياة إذ به تتحقق الخشية، ويستقيم السلوك ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )  وخير العلم ما انعكس على السلوك رحمة وتواضعاً وتربية الناس بصغار العلم قبل كباره.

    واليوم ونحن نستقبل عاماً دراسياً جديداً نفتح أعيننا للقراءة، وقلوبنا وعقولنا للتدبر والتفكر ونقبل على طلب العلم برغبة صادقة وهمة عالية تقتحم الصعاب، تحرر النفس من العبودية لغير الله، وتسمو بها إلى المكانة الرفيعة التي وعد الله أن يرفع إليها الذين آمنوا والذين أوتوا العلم، فبالعلم يتحرر الإنسان من الخضوع لغير الله، يتحرر من المعوقات من الهوى والشهوات، يقبل على الله عن اقتناع، بالعلم والإيمان جعل القرآن من الأمة الأمية خير أمة، بالعلم ساد الموالي في القرنين الأول والثاني، ملأوا الحياة تعلماً وتعليماً، وسار على هديهم التابعون وتاريخ العلوم عند العرب وتاريخ الفقه مليء بالصور المشرقة التي تدل على أهمية العلم أي علم في حياة الأمم، فالأكل واللبس نتاجُ العلم بدونه لا يمكن تهيئتها ولا الإفادة مما خلق الله، وأهم ما يعين على التعلم الوقت، فطالب الشريعة بحاجة إلى كل دقيقة بل كل ثانية يستغلها في اكتساب العلم النافع في وقت التحصيل ليجده زاداً في المستقبل المشرق، فاللهم نور أبصارنا وبصائرنا بنور العلم، وسدد خطانا ووفقنا لتحصيله والعمل به.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة