الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وظائف الأنبياء  
سورة مريم   الآيات 41 - 98


لما خوفهم في الآية السابقة بيوم الحسرة الذي يغفل الناس عنه ولا يؤمنون به، وبين أن الكل مفارقٌ لهذه الدنيا وأن الباقي الوحيد هو الله يعيد الخلق ليحاسبهم، ناسب أن يذكر وظيفة الأنبياء ومهمتهم في هذه الحياة وموقف الناس منهم، فبدأ بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام فقال:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) دعا إبراهيم ربه أن يكون له لسان صدق في الآخرين، أي يحمده الناس ويثنون عليه، ولما بالغ في الصدق والتصديق ناسب أن يصفه بالصدّيق، والصدّيق كثير الصدق والتصديق، والنبي رجل أوحي إليه، على أن إبراهيم نبي ورسول أيضاً، يذكر لنا هنا موقفه مع والده، موقف جدير بالإحترام والتقدير، ليت أبناءنا يتعلمون منه كيف يخاطبون آباءهم الموافقين لهم في الدين والمنهج (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا) لم يقل له يا مشرك يا عابد الحجارة، ولكنه تأدب معه فناداه يا أبت، والتاء فيها تعويض عن ياء المتكلم، وفيها نوع من الإحترام، ثم سأله عن السبب الذي يدعوه لعبادة ما لا يسمع ولا يبصر، ولا ينفع ولا يدفع، فهذا الإله لا يرى عابده ولا يسمعه ولا يستطيع أن يقف بجانبه، فما فائدة عبادته!!، ترك الجواب لتذهب فيه النفس كل مذهب، ليأتي السؤال الثاني وهو هاهنا إخبار وطلب (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) أخبره أنه أوحي إليه وأن عنده علم لم يصل أباه، وطلب إليه أن يسير معه فإن سار معه هدي إلى طريق مستقيم لا عوج فيه ولا حفر، ثم جاء النداء الثالث فيه النهي عن عبادة الشيطان، لأن الشيطان عاصٍ للرحمن ومناصرة العاصي عصيان (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) وعابد الشيطان مطيع له، ومطيع العاصي عاصٍ لامحالة، ثم بين له أنه مشفق عليه خائفٌ أن ينزل به عذاب الله، وأن ما دعاه إلى ذلك إلا حبه لأبيه وحرصه على سلامته (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) كان الأب قد أغلق عقله وفكره ولم يرد أن يستمع إلى داعي الحق وأصابه نوع من الحمق (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) رغب تتعدى ب"عن" وب"في" ففي الأول تكون بمعنى الكراهية "رغب عن: أي رفضه" ورغب في: أي أحبه" ثم أوعده وهدده لإن لم تكفّ عن هذا الكلام وتتركني وشأني لأرجمنك، قد يكون هدده باللسان وقد يكون هدده بالقتل بالحجارة، وأمره أن يهجره هجراً كاملاً فلا يريد أن يراه ولا يريد أن يسمع عنه أو منه شيئاً، ما أجمل أدب إبراهيم وما أشد رحمته (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) لم يغضب، لم تثر ثائرته، لم يشتم أباه، ولكنه ودعه بلطف سلام عليك، إسم السلام عليك أو أدعو لك بالسلامة والسلام، ووعده أن يستغفر له ربه، وإستغفاره طلب المغفرة وأن يدعو الله له أن يتوب عليه فيستحق المغفرة بعد ذلك، ثم قال إن شأن الله أنه يهتم بأولياءه يحقق لهم أمانيهم، ويوفقهم لما فيه صلاحهم، وعلى كل لم يصرّ على البقاء مع أبيه ولا يريد مجادلته ولكنه سينصرف، يطيع أمره وقال:(وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا) سأكون في عزلة منكم أتفرغ لعبادة الله، أسأله أن يقبلني وأن يحقق لي ما أريد، وأن لا يكون بعبادة ربه شقيا أن لا تثمر له العبادة ثمراً طيباً يفيد منه هو وأبوه والناس، إنصرف إبراهيم وترك أباه (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا*وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) اعتزل إبراهيم أباه وقومه والأصنام التي يعبدون من دون الله وتوجه بكليته إلى الله، فكافأه الله فوهب له الإبن والحفيد، ويبدو أن هذه القصة كانت بعد إسماعيل ونقله إلى مكة، أو أن الزمان امتد فكانت القصة أولاً، ثم ذهاب إبراهيم بإبنه إلى مكة ثم وهب الله له إسحاق على ما فصله في سورة هود، وأياً ما كان فإن إبراهيم ترك أباه وتفرغ لعبادة الله فكافأه الله بالولد والحفيد وجعلهما أنبياء، وجعلهم ممدوحين مثنى عليهم بالحق فكانوا معروفين بالنبوة والذكر الحسن، وهكذا ترك القرآن إبراهيم بعد أن جاءه الحفيد يعقوب لينتقل إلى موسى الذي أخرج بني إٍسرائيل من مصر وأعادهم إلى فلسطين (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا) قرئ بكسر اللام وبفتحها، وعلى الأول فهو وصف له بالإخلاص، وعلى الثاني وصف لله بأنه أَخلصه أي جعله خالصاً له، خلّصه من الشوائب ونقاه وطهره وحفظه من كيد فرعون ومكنه من تبليغ رسالته (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا*وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) ذكر ثلاث خصائص اختص به موسى عليه السلام، نداء الله له من جانب الطور الأيمن، ومناجاته وإسماعه الكلام النفسي بخلق القدرة فيه التي تمكنه من سماع الكلام النفسي، فانفرد بأنه الوحيد الذي كلمه الله، ووهب له أخاه هارون نبياً وقال مرة وزيراً، فكان يساعده في الملمات ويقف إلى جانبه، ثم عاد إلى المتقدم فاخّره فقال:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا*وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) إسماعيل هو الإبن الأول لإبراهيم، كان قبل إسحاق وهو الذي أُمر بإبعاده إلى مكة أول الأمر، وأُمر بذبحه ثانياً وأعانه في بناء الكعبة، وكان السبب في وجود ذرية لإبراهيم في مكة، وصفه هنا أنه كان صادق الوعد إذا وعد ووفى وهي صفةُ مدح في الرجال تضاف إلى صفة النبوة والرسالة التي خص بها إسماعيل، كان رجلاً صالحاً يتعاهد أهله، يأمرهم بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً حسن السلوك طيب الأخلاق يحاول أن يرضي الله، ثم ذكر إدريس ولم يذكر القرآن عن إدريس إلا اليسير، قال هنا:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا*وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) فذكر له ثلاث صفات: كثرة الصدق، النبوة، ورفعه مكاناً عليا، هكذا جاء الحديث عن إدريس مقتضباً والظاهر أنه كان بين آدم ونوح عليهما السلام والله أعلم بالصواب، ثم أثنى عليه وعلى من قبله ثناءً عطراً فقال:(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) أشار إليهم باسم الإشارة للبعيد لعلو مكانتهم وطيب فطرتهم وإكرام الله لهم، و"من" بيانية بينت أنهم نبيون و "من" الثانية بينت أنهم من ذرية آدم و"من" الثالثة من ذرية نوح و"من" الرابعة من ذرية إبراهيم وإسرائيل، و"من" الأخيرة عامة شملت كل من هداه الله واجتباه، هؤلاء الصالحون كانوا إذا سمعوا آيات الله العامرة بالرحمة الموفقة للخير التي تحقق السعادة للمجتمع خروا سجداً وبكياً، خضعوا لله وتوجهوا بكليتهم إليه، فماذا كان حال من بعدهم؟ يأتي الجواب:(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) مصدر خلف خلفٌ وخلف بإسكان اللام وتحريكها، فإن سكّنت حملت على الرديء، وإن حرّكت دلت على الصالح، وهاهنا سكّنت فدلت على الرديء، وصفهم هنا بأنهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وهل بعد هذا من رديء؟! فلم يحافظوا على الصلاة في أوقاتها وسننها وهيئاتها وشروطها وواجباتها، واتبعوا الشهوات فساروا وراء أهوائهم معرضين عن المنهج الإلهي، لذلك أوعدهم (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) أي جزاءه وهو وادٍ في جهنم فيه أنواع من العذاب أو يكون أشار إلى العذاب مباشرةً، ثم استثنى فقال:(إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا*جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا*لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا*تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) الإستثناء منقطع، كأنه قال لكنّ من تاب وآمن وعمل صالحاً فبخلافهم، فإذا كان اولئك في جهنم فهؤلاء في الجنة، لا ينقص من أجورهم شيء، بل يأخذون أجورهم كاملةً، ووصف الجنة بأنها بساتين بإقامة دائمة، التي وعد الرحمن عباده بالغيب وهم غائبون عنها أو هو غائب عنهم لا يرونه بأعينهم، وإن كان حاضراً في نفوسهم وتفكيرهم، هذا الوعد لابد أن يكون متحقق الوقوع، وإنما قال مأتياً وليس آتياً إشارة إلى تحقق وقوعه، هو موجود والناس يذهبون إليه، ثم وصف نعيم الجنة فبين أنهم لا يسمعون فيها كلاماً لا فائدة منه ولا ثمرة له، لكن الدعاء بالسلامة والتسليم، فالكل يدعو بعضه لبعض بالسلام، بين أن أهل الجنة لهم رزقهم فيها أول النهار وآخره، فالبكرة من أول النهار إلى الضحى، والعشي من بعد الظهر إلى المغرب، ثم بيّن مستحق الجنة فقال هي للذين يثبتون على الطاعة ويداومون على تقوى الله ولا يعصونه ولو طرفة عين، ثم أعادنا إلى القصة الأولى حين تأخر جبريل فلم يأته بالوحي يجيب عن أسئلة المشركين فقال:(وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا*رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) ولما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل لماذا تتأخر علي، أجابه الأمر لله أنا لا أنزل ولا أتنزل إلاّ بأمر ربك، فإذا أمرني أطعت، هو عالم بحالنا وما يصلحنا ويصلح الخلق، وعالمٌ بنتيجة نزولي وعدم نزولي، وعلى كل ما كان ربك نسياً أي لا يترك رسوله دون أن يبين له ما يحتاج إليه في الوقت المناسب وعلى الصفة المناسبة، فالله رب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما فاعبده ولا تعبد غيره، واصطبر لعبادته فإنك تؤجر بصبرك وتثاب على عملك، ثم أخبره أنه لا من يسامي الله، فضلاً عن أن يساويه على طريق الإستفهام الذي أريد به النفي، ولما ذكر رب العالمين ونزهه عن كل ما لا يليق به، ناسب أن يذكر مقالة المخالف التي قام الدليل الحسي على نقضها (وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا*أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) يجوز أن يراد بالإنسان الجنس لأنه مفرد معرّف، ويجوز أن يراد به الكافر الذي ينكر بعض أصول الدين كإنكار البعث، فهو منكر للبعث مع قيام الأدلة على وقوعه، يسىتبعد أن يعيده الله حياً بعد أن يموت، إستبعد هذا ولم يذكر أن الله خلق الإنسان من قبل ولم يك شيئاً، أوجده من العدم ورباه بالنعم، وهنا يقسم الله على حشر الناس للحساب فيقول:(فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا*ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا*ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا) يقسم برب محمد صلى الله عليه وسلم على البعث والحشر، وأنه سيحشر المكذّبين بالبعث مع الشياطين ثم يحضر الجميع إلى جهنم أو حول جهنم جاثين على الركب، ثم يقدّم من كل جماعة أشدهم تمرداً على الله، ثم يقدّم الذين قضى بخلودهم في النار يقاسون حرها ويعذبون بها لأنهم تمردوا على أوامر الله وتنكروا لشرعه، ولما كان الصراط الذي يوصل بين الموقف والجنة يمر فوق جهنم أو على متنها، وكان الناس يعبرون عليه إلى الجنة بحسب أعمالهم وقد يسقط بعضهم في جهنم قال:(وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا*ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) فقرر أن الجميع يمر فوق جهنم وأن ذلك حتمٌ لأن الصراط هو الممر الوحيد إلى الجنة، وربما سحب الملائكة بعض المارين فسقط في جهنم ليعذب بمقدار ما عملت يداه، ثم يخرج بالشفاعة شفاعة النبي أو بشفاعة غيره أو بعفو الله عنه، فإذا سألت عن السبب الذي استحق أن يعذب بالنار جاءك الجواب (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) إنهم كانوا كلما سمعوا القرآن واضحاً بيناً تباروا في تنفير الناس عنه، زاعمين أنهم خير من المسلمين، وقصدهم (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) أي مكان إجتماعٍ، أطلق الندي وأراد الناس المجتمعين فيه، قالوا ذلك وهم في الدنيا غير ملتفتين إلى ما دل عليه القرآن، لذلك قال لهم (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا) كم هذه خبرية، يقول قد أهلكنا قبلهم كثيراً من الناس، لأنه أطلق القرن وأراد الذين يعيشون فيه، والدليل قوله:(أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا) لأن ذلك وصف للذين يعيشون في القرن لا للقرن، فهؤلاء الذين أهلكهم الله كانوا أحسن من المسلمين حالا، لأنهم أوغلوا في الضلال ذلك أن الإنسان إذا ترك شرع الله أظلم قلبه وساءت تصرفاته بإمهال الله له، يتوهم أن الله غافلٌ عن عمله تاركٌ له (قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا*وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا) قل يا محمد صلوات الله وسلامه عليه إن من يقع في الضلالة يتركه الله وما أراد حتى إذا أخذه لم يفلت، والمراد بالمد تركه دون عقوبة حتى يوم القيامة المشار إليه (إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ) هناك يتبين المحق من المبطل والمصيب من المخطئ والفائز من الهالك، أشار إليه بقوله:(فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا) وأشار إلى الفائزين بقوله:(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى...) والمراد بالباقيات الصالحات الأعمال التي تنفع الإنسان في الحياة الأخرى، من ذكر الله وقراءة القرآن والصلاة والأوقاف وأفعال الخير، لذلك كان ثوابها خير عند ربك، وكان المرد خيراً من المبدأ. ثم ذكر مثالاً لرجل أنعم الله عليه فتنكّر لنعم الله وظن أنه ناجٍ عند ربه، مع أنه ربما لا يكون كذلك فقال:(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا*أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا*كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا*وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا) أخبرني عن حاله تجد أنه يتكلم عن جهل لأنه لم يطلع على الغيب فيخبر عما سيحصل له، ولا أخذ عند الله عهداً أنه سيدخله الجنة، ولكنه افترى على نفسه وفتح عليها باب الشر، لأن الملائكة ستكتب قوله وتحاسبه عليه، وكأن قوله هذا يمد له من العذاب فيعذب على ما قال وعلى ما فعل، ويكون ذلك رصيداً له في الآخرة حين يموت ويعود وحيداً كما جاء، ثم ذكر طائفةً اعتزت بغير الله ظانةً أن ذلك ينفعها يوم القيامة مع أن ذلك لن ينفعها بل سيكون وبالاً عليها (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا*كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) إن من اعتزوا به يمكن أن ينقلب عدواً لهم يوم القيامة فيسلمهم إلى قدرهم، وذلك إنما كان من تزيين الشياطين الذين يسلمون عابديهم إلى العذاب (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا*فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا*يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا*وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا*لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) الإستفهام في قوله:(أَلَمْ تَرَ) إستفهام تقريري والرؤيا قلبية، فإن الشياطين يزينون للإنسان فعل المنكرات وترك الصالحات، لذلك عبّر عن أمرهم بالمنكرات ب (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) أي تحركهم للشر وتبالغ في إضلالهم، يقول لرسول الله اصبر عليهم فإن حسابهم عسير وما خبأه الله لهم في الآخرة عظيم، ثم بيّن أن المتقين يحشرون إلى الرحمن جماعةً يرحب بهم ويستقبلون استقبال الفائزين على خلاف المجرمين فإنهم يساقون سوقاً إلى جهنم عاجزين ضعفاء لأن الله لم يعط أحداً عهداً أن ينجيه في الآخرة، ثم ذكر فريةً اخترعها النصارى ومن قبلهم أن جعلوا لله ولدا (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا*لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا*تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا*أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا*وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا*إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا*لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا*وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) لم يصرح بالقائل، فاليهود زعموا أن العزير ابن الله، والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله، والعرب زعموا الملائكة بنات الله، لم يصرّح لواحد منهم لأن القول مشهور متداول فاكتفى برده (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا) أي شيئاً عظيماً خطيراً توشك السموات أن تتشقق من قوته وشدة ظلمه، وتوشك الأرض أن تنشق لبشاعة ما فيه، وتوشك الجبال أن تسقط، كل ذلك لأنهم نسبوا إلى الرحمن ولدا، ما حاجته للولد وعنده من في السموات والأرض عبيد له، الكل خاضعٌ له، الكل يأتيه وحيدا، وهو عالم بهم محص لحركاتهم وسكناتهم، كلهم يأتيه وحيداً كما جاء إلى هذه الدنيا، علمهم الله وعلم أخبارهم وما فعلوا في هذه الحياة وما يستحقون، كل واحد منهم سيحاسب على عمله الذي عمله، ثم بيّن جزاء المؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) عظموا الله في أنفسهم وفي أهليهم، حفظوا حدوده فوقفوا عندها، وعملوا بشريعته فلم يؤذوا مخلوقا، ثم بيّن الحكمة من جعل القرآن بلسان محمد صلى الله عليه وسلم ولغة العرب الواضحة السهلة ليكون مبشراً للمؤمنين ومنذراً للكافرين، فالذين يعارضون الوحي ويجادلون بالباطل يوشك أن ينزل بهم العذاب، وأخبر أخيراً أنه أهلك قبلهم أقواماً من الأقوياء مضوا ولم يعودوا إلى هذه الحياة، مضوا بما قدموا من أعمال وما حملوا من أوزار، ولم يعودوا إلى هذه الدنيا فيوشك أن يفعل بالمكذبين والمعاندين ما فعل بمن قبلهم (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا*وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) بهذا تمت سورة مريم، بما فيها من أخبار وأدلة تضحض الشبه وتقيم الأدلة الواضحة على التوحيد وتترك الإنسان مستنيراً متبعاً للحق، لتنتقل إلى سورة طه، تهدئ من روع النبي وتعينه على الصبر في مواجهة قومه، وكما ذكر في مريم قصص الأنبياء ذكر في طه قصة موسى دليلاً واضحاً على التوحيد، فاللهم بصّرنا بالحق ويسر لنا اتباعه.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة