الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ثلاث قصص؟  
سورة الكهف   الآيات 32 - 110


لما بيّن جزاء الفريقين ناسب أن يقص علينا قصة رجلين، قصة الذي ينشغل بالنعمة عن المنعم وينصرف عن الحق بإكرام الله له، والذي يبقى على ايمانه لا تهمه الدنيا أدبرت أم أقبلت، وتفصيل القصة فيما يأتي:(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) المثل المضروب لأهل مكة، أكرمهم الله بالبلد الآمن والحرم الآمن ورحلة الشتاء والصيف فجحدوا نعمته وآذوا رسوله وهذه قصتهم نفس القصة، رجل أعطاه الله بستانين كبيرين من الأعناب، والعنب عزيز في مكة، وأحاط البستانين بالنخل يحفظ التربة ويحميها، وجعل بين النخل والعنب زرعا، ما يحتاج إليه الناس من الحب والخضروات وغير ذلك، كانا بستانين عظيمين أثمرا ثمراً جيداً، وكان لهما من الماء الشيء الكثير فبدل أن يشكر المنعم ويحمده على نعمه، الطبيعة الجميلة والماء العذب والثمار اليانعة والمكان الهادئ، أعرض عن الحق وتنكّر له (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا*وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا) إفتخر بنفسه وبما أكرمه الله وشغل بالنعمة عن المنعم، فلما دخل جنته دخلها ظالماً لنفسه، معتقداً أنها باقية لا تفنى، خالدةٌ لا تبيد، وأدّاه غروره إلى إنكار البعث الجسماني، قال ولو سلمنا جدلاً أن ثمة بعثاً ليعطيني الله مثلها أو خيراً منها في الآخرة (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا*وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا) هنا جن جنون الفقير الصالح وأخذه الحماس، فرد عليه بحرارة ظاهرة وغضب لأنه خرج من الإسلام وتنكّر لله ومال إلى الفاني وترك الباقي (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا) أنكر عليه أن ينسى خالقه الذي أوجده من العدم ورباه بالنعم إلى أن بلغ كماله، وأخبره أنه محافظ على إيمانه ملتزم بتعاليم الشرع معتقد أن الله واحد لا شريك له (لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) عندما تخفف "لكن" لا تعمل، والضمير أنا هو المبتدأ، و"هو" للشأن، فأنا شأني الله ربي ولا أشرك به أحدا، كان الأولى بك أيها الغافل حين رأيت جنتيك وما فيهما أن تذكر الله لتحفظهما من الزوال وتحافظ عليهما فلا تأتيهما آفة، وإن ظننت أن مالي قليل وولدي قليل وأنت قد اغتررت بمالك وولدك، فعسى الله أن يؤتيني خيراً من جنتك في الآخرة ويهلك جنتك في الدنيا بأمر إلهي ريح حارة أو عاصفة شديدة تقضي عليها فتجعلها لا وجود لها ولا فائدة منها، أو يغوّر الماء الذي منحها الحياة وجعلها نضرةً يانعة، فلن تستطيع بقوتك أن تعيد إليها الماء كما قال عز من قائل:(أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) تمنى زوال هذه النعم عن صاحبه لأنها أدت به إلى الكفر والغرور وصرفته عن طاعة الله، علها إذا زالت عاد إلى رشده وتاب إلى الله، وحدث ما توقع الصديق (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالا وَوَلَدًا*فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا*أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) وحدث ما توقعه الصديق وغار الماء ويبست الأشجار وضاع كل شيء، أنفق الأموال ليعيد الماء فلم يفلح فضاع المال وضاع البستانان وخسر كل شيء، وأصبح يقلّب كفيه حسرةً وندامةً على ما أنفق من مال لم يثمر ولم ينفع، وجنته خربة ينادي ربه يقول:(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) ترك الله وأعرض عنه وأقبل على الدنيا كأنها ظل دائم فزالت الدنيا وخسر كل شيء حتى أصدقاءه وأحبابه تركوه لأنه صار فقيراً ضعيفاً عاجزاً لا مال له ولا شيء (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا) في ذلك الوقت علم أن الله حق وأن وعده حق وأنه يعطي ابتلاءً ويمنع ابتلاءً، الشكر على العطاء واجب والصبر على البلاء واجب، وفي هذا وذاك يجب أن يتوجه الإنسان بكليّته إلى الله، ينصره ويستنصر به، لأنه الحق ولأنه أحسن الموجودين ثوابا والرجوع إليه أحسن عاقبة (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) هذا البستان مثل للدنيا، ماءٌ أصاب التراب فأثمرت الأرض نباتاً جميلاً سرعان ما يبس وتفتت، علام يدل ذلك يدل على فاعل مختار يعطي ويمنع، لكن في هذه الحياة العطاء والمنع ابتلاء، وجميع نعم الدنيا ابتلاء فمن شكرها بالطاعة أكرمه الله، ومن ركن إليها واطمأن بها وترك العمل للآخرة خاب وخسر (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) كل نعيم الدنيا ابتلاء فمن شكر أكرمه الله، ومن كفر عاقبه الله، فلابد من عمل ينفع في الآخرة، ففي الآخرة لا مال ولا بنون، بل الباقيات الصالحات ثوابها في الآخرة عظيم وأجرها كريم فلنعمل لها (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا) الباقيات الصالحات هي الأعمال التي تبقى بعد الإنسان كالدعاء والتسبيح والأوقاف والمشاريع المنتجة التي تنهض بالأمة، تخفف عن الناس وتسهّل حياتهم، ولأنه سهّل على الناس في الدنيا وأراحهم يريحه الله يوم القيامة ويحقق له أمنيته بالنجاة من أهوال ذلك اليوم، وإنما قلت ذلك لأن الآية التالية تتحدث عن أهوال يوم القيامة، فمن مقدماتها قوله:(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) ومثل هذه الآية (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا) فيذرها قاعاً صفصفا لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، يحاسب الله الجميع في لحظات يعطى كل واحد كتابه فيه أعماله صالحها وسيّئها، ثم يعرضون على الله ويقال لهم في ذلك الموقف العظيم ها أنتم قد جئتم كما خلقناكم أول مرة، كنتم تزعمون أن لا حساب ولا ثواب وها قد حصل الحساب والثواب (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا*وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) يعطى الناس كتبهم ويظهر الناس على حقيقتهم حين يعطون كتاباً جمع فيه جميع أعمالهم صغيرها وكبيرها بالعدل والقسطاس، لم يترك عملاً إلا ذكره في ذلك الكتاب، وكلما ذكر الله الآخرة ذكر الأولى وذكر قصة آدم وإبليس ليحذّر الناس من إبليس ويدعوهم إلى الإيمان بالله فقال:(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا) اذكر يا محمد قصة آدم وأمر الله للملائكة أن يسجدوا له تعظيماً لقدرة الله حين حوّل المادة الصمّاء إلى حي، فأجابه جميع الملائكة لم يتخلف واحد منهم، وتمرّد ابليس الذي كان من الجن فخرج من دائرة الإيمان إلى دائرة المعصية، تأبّى على الأمر الإلهي ورفض الإذعان له، فيسأل الله الناس أيتخذون الشيطان وذريته أولياء من دون الله المنعم المتفضل الذي أوجد من العدم وربى بالنعم، أيتركون الغني القوي ويوالون الفقير الضعيف، كيف يوالي الإنسان عدوه، بئس البدل ابليس للظالمين، لأنهم من جنس واحد، الكل وضع الأمور في غير موضعها فاستحق العقاب، ثم إنه أخبر أنه لم يشهد الشيطان وذريته خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كان ليتخذ المضلين مؤيدين له (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) مازال الحديث موصولاً مع المشركين في الموقف العظيم حين يأمرهم الله أن ينادوا من زعموا أنهم شركاء لله فيدعونهم فلا يجيبهم أحد، وجعل بين المؤمنين والكافرين حاجزاً يحجز هؤلاء عن أولئك، ورأى المجرمون النار فأيقنوا أنهم داخلوها ولم يجدوا عنها مصرفا (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا*وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا).
ولما ذكر أن الكافر يرى النار فيوقن بدخولها ولا يجد عملاً يصرفها عنه، ناسب أن يذكر الأمور التي صرفها في القرآن ليبيّن للناس ما ينفعهم ويصلح من شأنهم، يقوّم ما اعوج من أخلاقهم ويصوّب ما ساء من أفعالهم فقال:(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا) من قصةٍ إلى تشبيه إلى مثل إلى جدال، عبارات مختلفة وأفكار متنوعة، أحياناً يذكر القصة الواحدة بأساليب متعددة، يركّز على نقطة معينة في كل مرة، وهذا لا يستطيعه إلا الله الواحد القهار، لكن الإنسان لما أعمى عينيه عن إبصار الحق وأصم أذنيه عن سماع داعيه اشتغل بالجدل وترك العمل، فإذا جئت تسأل عن السبب الذي منع الناس من الإيمان فدعاهم أن لا يؤمنوا إذ جاءهم الحق ويقلعوا عن باطلهم ويتوبوا قبل أن ينزل بهم العذاب، إنه إظلام القلب وعدم وضوح الأمور في أعينهم، أينتظرون نزول العذاب ليؤمنوا أم ينتظرون نزول الملائكة (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا) حين ينزل بهم العذاب لا تنفعهم توبة ولا يفيدهم ندم، ولا يوجد ما ينقذهم منه، من أجل ذلك يرسل الله المرسلين مبشرين للمؤمنين، ومنذرين للعصاة والكافرين، ويجادل الذين كفروا بالباطل ليبطلوا الحق ويستهزؤا بالقرآن وبالوحي وبالرسل (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا) ليخلص من ذلك إلى أن أشد الناس ظلما إنسان ذكّر بآيات ربه وبيّن له الحق فاعرض عنه وتنكّر له ونسي ما جنت يداه من أعمال سيئة، فأظلم قلبه وصار مغلّفاً لا يدرك ما حوله ولا يعرف ما يصنع، إذا قرئ عليه القرآن لم يفهمه، وإذا أمر بالطاعة لم يستجب لأنه لا يفهم، ومع ذلك فإن الله رحيم يملي لعبده ويمد له في الحياة ويصبر عليه، إذ لو آخذهم بما كسبوا من الأعمال السيئة لأنزل عليهم العذاب، ولم يجدوا مهرباً من الوقوع فيه، ولا منقذاً يحميهم منه، وإذا كان السعيد من وعظ بغيره فإن القرآن يدعو العرب إلى النظر في أحوال الأمم التي كذبت رسلها فأهلكهم الله، وجعل لكل جماعة كافرة موعداً يهلكها فيه (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا*وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا*وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا) فهذه الآية تعلّم الناس التخطيط والصبر والمراقبة والسهر على تنفيذ المخطط وأن يكون الإنسان ذا رأي واحد وفكر ثاقب وعمل مبني على الأدلة وقول مدعّم بالحجة والبرهان.
ولما كان موسى مثالاً صالحاً لهذا الموضوع، ناسب أن يذكر قصته مع الخضر عليه السلام، قصةٌ تجلى فيها البحث والعزم على الوصول إلى الهدف والتخطيط له والسعي إلى تحقيق النتائج المرضية، استفتح البيان وقت أن قال موسى لتابعه يوشع ابن نون، عزمت أن أسير إلى مجمع البحرين لأتعرف إلى ذلك الرجل ولو كلفني ذلك الأعوام العديدة (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) ولما مر بالموضع المحدد الذي حدده الله له علامةً يجد عندها عبداً صالحاً يتعلم منه علماً ليس عنده، ذلك أن موسى اغتر بعلمه فقال لا أحد يعلم ما أعلم، فأوحى الله إليه أن ثمة رجلاً يعلم أكثر مما تعلم، فسأل أين فحدد له المكان، أظنه عند ملتقى المحيط بالبحر المتوسط ما يعرف بمضيق جبل طارق قرب مدينة طنجة، فلما وصل خرجت السمكة المملحة إلى الماء واستقرت ولم تذهب، وتلك كانت العلامة (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) نسي التابع أن يخبر موسى بما كان من أمر الحوت، ومضى موسى وتابعه حتى إذا أحس موسى بالتعب طلب الطعام، عندها تذكر التابع أن السمكة التي كانا يأكلان منها قد نزلت في البحر، فأخبر موسى بذلك فقال موسى ذلك المكان الذي كنت أريده (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) والنصب هو التعب (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا*قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) فتتبع الأثر موسى وتابعه حتى عادا إلى المكان الذي فقد فيه الحوت، فرأى الحوت وعرف المكان وفي ذلك المكان التقى بالخضر، وهو المشار إليه (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) ليس نبياً ولكنه معلمٌ من العلوم ما لم يعلمه موسى، وهذا يدل على فضل طلب العلم والسعي إليه وعدم التكبر عن قبوله من من جاء، قال موسى للخضر (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا*قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) وهذا يدل على أن طلب العلم يجب فيه أمران، الثقة بالمعلم والصبر على التعلم، عرف الأمر أو لم يعرف لهذا قال:(وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) أتصبر وتسكت ولا تتكلم ولما تدرك الحكمة من العمل، ذلك صعب عسير على طالب العلم خاصةً في مبتدأ حياته، لذلك تعجب من طلبه فقال:(قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) وشرط عليه أن لا يسأل عن عملٍ عَمِلَهُ حتى يخبره بنفسه دون سؤال، فوافق موسى على ذلك ولكن طبيعته البشرية أبت عليه ذلك كما سنرى (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) انتظر الرجلان طويلاً قبل أن يجدا من يحملهما، فما إن وجدا السفينة التي حملتهما مجاناً حتى بدأ الخضر يشوّه صورتها، إلى ذلك أشارت الآية بقوله:(خرقها) هو لم يرد إتلافها ولكن أراد تشويه صورتها حتى لا يتسلط عليها ملك ظالم يغتصب كل سفينة صالحة جميلة جديدة، المهم أن موسى أخل بالشرط أول مرة، فأنكر عليه الخضر ذلك (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) فاعتذر موسى وطلب السماح ورجاه أن لا يعتب عليه أن تسرع ولم يصبر فقبل عذره (قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا*فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) كانت المرة الثانية أبشع وأشد على قلب موسى، آلمته في الصميم لأن الخضر قتل طفلاً لما يبلغ، فرد عليه موسى رداً قاسياً عنيفاً، لقد جئت شيئاً نكراً كل العقول تنكره ما بالك لا تفعل (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا) فرد موسى وقال لن أسألك عن شيء بعد هذا، فإن فعلت ُفأنت في حل من مصاحبتي (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا*فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) هذه الثالثة هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير، قوم لئام رفضوا ضيافة موسى ومن معه، وفجأةً إذا بالخضر يبني جداراً كان يتهاوى، قال أما كان الأولى بك أن تطالبهم بالأجر فنضمن لأنفسنا الطعام فإنهم قوم لئام رفضوا ضيافتنا (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) حصل الفراق بين العالمين، لكن لابد من بيان الحكمة فيما فعل الخضر، الحكمة التي خفيت على موسى عليه السلام (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا*وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا*فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا*وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ويوشك أن يمروا بملك ظالم يأخذ كل سفينة جديدة، فأراد الخضر تشويه السفينة حتى لا يعجب بها الملك فتبقى لهم السفينة، ولم يرد إلحاق الأذى بها، وبيّن الحكمة في قتل الغلام ومؤداها أن لا يفتتن الوالدان بالغلام فيكفران إرضاءً له أو طاعة لأمره، فأراد الخضر أن يعيد والديه إلى الجادة وأن تستقيم حالهما ولا يقعا في محظور، ونلاحظ أنه أضاف العمل إلى نفسه تأدباً مع الله لأن في هذين العملين شرٌ ينزه الله عن فعله، أما الثالثة فنسبها إلى الله قائلاً:(فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) لأنه خير محض، والخير المحض ينسب إلى الله، وأما ما فيه شائبة فلا، ألم تر أن الجن قالوا:(وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) وأكد في الخاتمة أنه في هذا وذا مأمور ينفّذ ما يوحى إليه.
ولما فرغ من قصة الخضر وموسى أتبعها بالقصة الثالثة، قصة الرجل الطوّاف الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها، كان مؤمناً بالله ناشراً للحق معرّفا به داعياً إليه، قص القرآن شطراً من قصته مبيناً أنه أمده بالقوة وما يصلح حياته، فأفاد من ذلك وطوّف في أرض الله يدعو إلى الله (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا*إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا*فَأَتْبَعَ سَبَبًا*حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) خيرّه الله بين أن يعذّب القوم على كفرهم وبين أن يدعوهم ويصبر عليهم، ففهم الأمر وقال سأعذب الظالمين وأثيب المؤمنين (قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا*وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) وهكذا لما يسّر على خلق الله يسّر الله عليه ووفقه لعمل الصالحات، (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا) أي مضى في طريقه إلى المشرق (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا*كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) لما أتى مطلع الشمس وجد القوم معرّضين لأشعتها لا ما يحميهم من حرارتها، سكت القرآن عن عمله واكتفى بأن الله يسّر له الأمر وعلم ما هو فاعل (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا) إلى وسط الأرض (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا) هما جبلان بينهما ممر، والدليل على أن القوم لا يكادون يفقهون قولا أنهم عرضوا عليه المال في مقابل مساعدتهم لبناء السد، كان رجلاً شريفاً غني النفس قوي الإيمان معتزاً بالله مستغنٍ به عن خلقه (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا*قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) إن أردتم السد فلابد أن تعملوا بأيديكم لتعرفوا قيمة العمل ومقدار ما يعاني العامل فتحققوا لأنفسكم ما تريدون بأنفسكم، فعلّمهم أن يحترموا الناس ولا يتطاولوا على عباد الله وأن يمدوا أيديهم بالعمل ولا يترفعوا عن ذلك، فوافق الجماعة على العمل وتعاونوا مع ذي القرنين (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) أوقد على الحديد حتى سال، فلما سال الحديد ألقى عليه النحاس السائل فتكون من المعدنين، معدنٌ قوي ليس له مثيل في القوة والصلابة، ناعمٌ لا يستطيع أحد أن يعلو عليه، ولا يستطيع أحد أن ينقبه، إلى ذلك أشار بقوله:(فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا*قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)، هكذا حبس ذو القرنين يأجوج ومأجوج وكذا يجب أن يحبس الفاسدون المفسدون عن المجتمع فيسلم الناس من شرهم وأذاهم، وترك هؤلاء في حبسهم إلى أن يشاء الله عند النفخة الأولى يخرجهم من مكمنهم فيحاسبهم على أعمالهم، يعاقب المسيئين عقاباً مناسباً لما احدثوا وما أفسدوا (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا*وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا*الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) وإنما استحقوا ذلك لأنهم أعموا أبصارهم عن رؤية الحق وأصموا آذانهم عن سماع داعيه ولم يعتبروا بما رأوا ولا انتفعوا بما سمعوا، تركوا الله واتخذوا عباده أولياء من دونه فاستحقوا العذاب (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا) فإن جئت تسأل عن شر الناس أعمالاً الأخسرين في الدنيا والآخرة، أتاك الجواب الذين خاب سعيهم في الحياة الدنيا، حكموا أهواءهم ونظروا إلى المصالح الظاهرة العاجلة وتركوا الباقي، أنكروا البعث والحساب وتمردوا على أوامر الله فاستحقوا أن لا يؤبه بهم يوم القيامة وأن تكون عقوبتهم النار لأنهم كفروا بالله واستخفوا برسل الله وهزؤا بآيات الله (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا*الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا*أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا*ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) ثم ختم الآيات ببيان جزاء المؤمنين الذين عملوا بمقتضى ايمانهم فاستحقوا نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا*خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا) كيف يطلبون التحول عن النعيم، إنه منتهى ما يطلبه الإنسان ويتمناه، وختم السورة ببيان مقدار علم الله وأن كلماته لا يكفي لتسجيلها وكتابتها أن يجعل البحر حبراً بل قد ينتهي البحر ولا ينتهى من كتابته وقال في موضع آخر (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) قال هنا:(قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) ثم ختم السورة ببيان أن محمداً صلى الله عليه وسلم بشر والفرق بينه وبين سائر البشر أنه بشر يوحى إليه، وأهم من يوحى إليه وجوب الإيمان بإله واحد والعمل المثمر البنّاء الذي يبنى على الإيمان وعدم الشرك ليفوز العامل برضوان الله والنعيم الدائم (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) وهكذا انتهت سورة الكهف، حملت من الأخبار والأمثال ما يبني امةً صالحةً عاملةً تحب الخير وتدعو إليه، فساهمت في إنشاء مجتمع متعاون متناصح متناصر، فاللهم وفقنا وثبتنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة