الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

خبرٌ من الزمان الغابر  
سورة الكهف   الآيات 1 - 31


سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة سؤالين، أما أحدهما فكان عن جماعة لهم أمر عجب فقال أجيبكم غداً على أمل أن يأتي الوحي في الليل فيجيبهم في الغد، ولكن الوحي لم يأت إلا بعد خمس عشرة ليلة، استفتح البيان بالحمد على غرار ما فعل في سورة الأنعام ومن قبل في سورة الفاتحة، لكن هنا جعل صفة الله جملةً فعلية مصدّرة بالإسم الموصول، كأنها تقيم الدليل على علة استحقاق الله الحمد فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا*قَيِّمًا) فعلة استحقاقه الحمد إنزاله الكتاب أي القرآن على عبده محمداً صلى الله عليه وسلم، أفاد أمرين: الأول أن أسمى وأرقى ما يتصف به المخلوق أن يكون عبداً لله، وأن الكتاب القرآن واجب الإتباع، وقيماً موضعها قبل لأنها وصف للكتاب، وإنما أخرها لتتناسب مع ما بعدها، إذ لو وضعها في محلها لما أعطت المعنى الذي هدف إليه، فإذا كان القرآن مستقيماً في نفسه مصلحاً للمخلوق ناسب ذلك أن تكون العلة في إنزاله على هذه الصفة، أن ينذر بأساً شديداً من لدنه الكافرين، ويبشر المؤمنين الذين عملوا بمقتضى الإيمان بأجر عظيم هو الجنة، نعيم خالد لا ينقضي، وينذر المخالفين فجاء السياق والسباق أجمل ما يكون وأوضح ما يكون فقال: (لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا*مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا*وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) الآية رد على النصارى الزاعمين أن المسيح ابن الله، وعلى الذين قبلهم الزاعمين العزير ابن الله، والعرب الذين قالوا الملائكة بنات الله، رد على الجميع رداً مجملا وفنده بالدليل الحسي وقرر أنهم كاذبون فيما ادعوا، وأن الكلام الذي خرج من أفواههم كذب محض، أشار إليه مرتين: مرة أنه خارج من أفواههم أي لا حقيقة له، وكل قول لا حقيقة له فهو كذب (مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا) قلدوا الآباء وتابعوهم دون دليل فكان تقليدهم عن غباء ودون دليل حسي، بل الحقيقة تناقضه، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على هداية الناس يتعب نفسه في إقامة الأدلة ويجهد حزناً أنهم لم يؤمنوا به ولا أطاعوه، مع أن الله أقام الأدلة الحسية من الطبيعة القريبة على قدرته وعلمه وعلى أن جمال الطبيعة منقضٍ والحساب آت (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا*إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا*وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) الطبيعة تزهو بالماء فترتاح الأرض له وتثمر، لكن سرعان ما تيبس وتنتهي، وتغدو كأن لم تغن، هذا عجب لا يفكر فيه الناس ولا ينتبهون له، وأعجب منه القصة التي سيرويها وفيها الدليل على البعث الجسماني، وقعت لأناس مخصوصين سبعة أشخاص وكلبهم، عرفوا بأصحاب الكهف، فمن هم؟؟ لماذا دخلوا الكهف؟؟ إسمعه يسوق القصة يشد انتباهك إليها بأسلوب شيّق يعجز البشر أن يأتوا بمثله، يضرب عن قصة الطبيعة وجمالها وسرعة زوالها إلى قصة أصحاب الكهف، يعجّبك أيها القارئ للقرآن من دخول الفتية إلى الكهف، لماذا دخلوا؟؟ لم يصرح القرآن بذلك، جل ما قال (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا*إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) ما العجب في قصتهم؟ وما المراد بالرقيم؟ إنه الكهف الذي أووا إليه، والرقيم هو اللوح الذي كتبت فيه أسماؤهم، لم تكتب الآن ولكن فيما بعد، لكن أووا إلى الكهف ملتجئين إلى الله طالبين حمايته، فما إن دخلوا الكهف حتى ضرب الله على آذانهم لأن النائم يسمع وإذا سمع استيقظ، لذلك ضرب الله على آذانهم في الكهف سنين كثيرة، ثم بعثهم ليبين فضلهم وليقيم الحجة على قومهم (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا*ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا*نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) شرع القرآن يبين السبب الذي من أجله لجأ القوم إلى الكهف، إنه الهرب من الملك الذي وقفوا في وجهه وواجهوه بالحقيقة، أنهم مؤمنون بالله، ربهم رب السموات والأرض، لن يلتجؤا لأحد غيره ولن يتوجهوا إلى أحد غيره، تركوا ما عبد قومهم من آلهة وتوجهوا بكليّتهم إلى الله عز وجل، فإن قومهم عبدوا آلهةً لم يقيموا على ألوهيتها حجة، وافتروا على الله كذبا (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا*هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) هربوا من الملك الظالم بعد أن واجهوه بالحقيقة، وبينوا له أنه على خطأ هو وقومه، لم يجدوا ملاذاً آمناً إلا الكهف يحتمون به من ظلم الملك، ينفردون هناك عابدين الله، فألقى الله عليهم النوم يحميهم من بطشه وسلطانه (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِه ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) ضرب الله على آذانهم فلم يسمعوا أصوات الحيوانات في البريّة، وحماهم بكلب رافقهم في الكهف، أقام معهم في فناء الكهف، وجعل الشمس تمدهم بالدفئ تحميهم من أن تتعفن أجسادهم، يصلهم دفؤها ولا تفسد أجسادهم، وقلب الله ذات اليمين وذات الشمال معجزةً لهم، يحرسهم الكلب فلا يهجم عليهم حيوان من الحيوانات الضالة في البريّة، يظنهم من يراهم أنهم أحياء، ألقى الله عليهم المهابة وجعل الكلب رابضاً متربصاً بمن يريد الدخول عليهم، يخاف من الكلب المتيقظ فيهرب، قرروا اعتزال قومهم وهربوا بدينهم (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا*وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) جعل الله هؤلاء القوم في كهف وهيأ لهم أسباب السلامة وجنبهم أسباب الفساد، فوصف لنا أن الكهف يأتيه من الشمس دفؤها دون حرها، تمر على كهفهم ولا يصيبهم أذاها، وقلبهم فلا يصيبهم عقر لطول النوم، وما أجمل القرآن حين وصف الشمس تميل عن كهفهم في الصباح والمساء فيأتيهم دفؤها، ويتقلبون كأنهم نيام فلا يؤثر عليهم النوم، وجعل لهم هيبةً إذا نظرت إليهم ظننت أنهم أيقاظ والحق أنهم نائمون، وجعل الكلب متهيء للإنقضاض على من يدخل الكهف، وألقى الله عليهم المهابة حتى لو نظر النبي صلى الله عليه وسلم إليهم لولى منهم فراراً ولملئ منهم رعبا، وهكذا ناموا آمنين مئات السنين، ثم بعثهم الله ليتساءلوا بينهم، فسأل بعضهم بعضاً كم لبثتم؟ قال بعضهم يوماً وقال آخر بل بعض يوم، لأنهم ناموا أول النهار وبعثوا آخره، فظنوا أنهم ما ناموا إلا يوماً، فلما رأوا الشمس لما تغرب رأوا أنه بعض يوم، المهم أن يؤمنوا لأنفسهم طعاماً، طلبوا إلى أحدهم أن يذهب ليأتيهم بالطعام الحلال الطيب، وأن يكون حريصاً فلا يعرفه أحد لأنهم خائفون من الملك الظالم، وقرروا أنه إن ظفر بهم هو وأتباعه يوشك أن يصيبهم بلاء شديد، أقله الرجم حتى الموت وأعظم منه في أنفسهم الضغط عليهم حتى يردوهم عن دينهم، فإن ارتدوا عن الدين فتلك الطامة الكبرى (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا*إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) خرج أحدهم إلى السوق ويبدو أن قصتهم كانت معروفة لأهل البلد لكن تغير الناس، فما إن دفع النقود الفضية إلى البائع حتى نظر إليها فأيقن أنه من أصحاب القصة المعروفة، وكان الناس كلهم مؤمنون، ولما أراد أن يهرب منه تبعه حتى وصل إلى المكان الذي فيه رفاقه، ورأى الناس الرفاق وكان معهم ملك البلاد وبعض أهلها، وما إن قابلوهم حتى مات الفتية، بعد أن أقامت القصة لهم الدليل على قدرة الله على البعث، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) هكذا دل القرآن على البعث الجسماني عن طريق قصة قصها وخبر أخبر به، ولما كان أهل القرية مؤمنين، ناسب أن يبنوا مكاناً للعبادة قريباً من قبورهم يتعلم منهم أن أهم شيء في حياة الإنسان دينه وإيمانه وأن المؤمن يبذل في سبيل تحصيل الإيمان والثبات عليه كل غال ونفيس، لا يبخل بشيء يحقق له اليقين إلا أنفقه، لكن القصة لم تنته بعد، فالناس اختلفوا في عددهم كم كان، يقول تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا) الظاهر أن عددهم سبعة والكلب ثامنهم، لأن الله لم يرتض العددين الأولين وسكت عن الثالث، وهذه الواو مشهورة بواو الثمانية على أن القرآن نهى النبي أن يجادل في عددهم أو أن يستفتي أحداً فيهم، ونبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخطأ الذي وقع فيه فأدى إلى تأخر الإجابة بضعة عشر يوماً، فالمؤمن يقول إن شاء الله كلما حزبه أمرٌ ولا يجزم دون ذكر الله عز وجل، لذلك جاء قوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا*إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) فكلما نوى الإنسان فعلاً أو عزم عليه، عليه أن يذكر الله ويستثني ليحقق الله له مطلبه، فإن لم يفعل وتذكر بعد حين فليقل ذلك ولو بعد حين، فإن ذكر الله بركة، قال عليه الصلاة والسلام:"كل أمر لا يذكر فيه اسم الله فهو أبتر ممحوق البركة"، ثم ختم الآيات ببيان المدة التي لبثها أصحاب الكهف نائمين، فبيّن أنها ثلاثمائة وتسع سنين، ومع ذلك فوّض العلم إلى الله ولم ينسبه إلى نفسه واستخلص العبرة ومجّد الله (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا* قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) وهكذا بيّن القرآن قصة أصحاب الكهف وما فيها من عجب أن ينام الرجال ثلاثمائة وبضع سنين ثم يعودوا إلى الحياة دون أن تفنى أجسادهم، بل طال شعرهم وبقيت هيئتهم في الجملة كما كانت، وهذه معجزة تؤكد أن القرآن كلام الله كما أخبر في سورة الشعراء، لذلك أمر بقراءة القرآن وإظهاره بين الناس، وأكد أنه حق لاشك فيه، وأن ما أخبر به آت لا محالة، وأن لا مفر من وقوع ما أخبر به في الوقت الذي حدده رب العزة فقال: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) أمره بقراءة القرآن الذي جمع فيه الحقائق التي يحتاج إليها الناس، فكلامه ثابت لا محيد عنه ولا تغير له، هذا في الحياة العملية أما المعاشرة في الحياة الإجتماعية فأشار إليها بقوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) لازم الصالحين، قال عليه الصلاة والسلام: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك أو تبتاع منه أو تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة"، وهؤلاء الصالحون يدعون ربهم أول النهار وآخره متوجهين بكليّتهم إليه، طالبين ما عنده معرضين عمن سواه، لا تمل ببصرك عنهم رغبةً في زينة الحياة الدنيا فإنها ظل زائل ومنافع منقضية، فإنك إن صاحبت الصالحين صلح حالك واستقام أمرك وعشت في طمأنينة، أما إن ملت إلى الذين أغفل الله قلبهم عن ذكره واتبعوا أهواءهم كان أمرهم إلى هباء لا فائدة منهم ولا منفعة في مصاحبتهم، بل مصاحبتهم محض ضرر تصرفك عن الحق وربما أوقعتك في الباطل، قد تصيرك محكماً لهواك طامعاً في حطام الدنيا، وقديماً قالوا "قل لي من تصاحب أقل لك من أنت"، هكذا أمره أن يصلح نفسه ويصلح علاقته الإجتماعية ثم يواجه الناس كل الناس بالقرآن على رؤوس الأشهاد، القرآن حق ثابت من شاء فليؤمن فيفوز، ومن شاء فليكفر فيخيب، وينتقل من ذلك ليبين جزاء الظالمين، نار عظيمة تحيط بهم من كل جانب، فإذا طلبوا الغوث أغيثوا بماء حار يشوي الوجوه، شراب حار ومكانٌ حار بئس المكان وبئست الإقامة، أما جزاء المؤمنين العاملين الأعمال الصالحة فإن لهم جنات إقامة دائمة تجري من تحتها الأنهار يحلون أساور من ذهب ويلبسون ثياباً من حرير، من أجود أنواعه وافخمها، متكئين على الأرائك، ما أجملها من حياة تستحق المدح وتستحق أن يشوّق الناس إليها فيعملوا ليسعدوا (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا*إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا*أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) ما أجمل القرآن حين يتعامل مع الإنسان، يحرك عاطفته ويرشّد تصرفاته، يقوّم ما اعوج من أخلاقه ويصوّب ما انحرف من سلوكه، يهديه إلى الحق، ينير بصيرته، ويصرفه عن الباطل، يقبحه في عينه، يعلمه كيف يختار أصدقاءه، وكيف يتجنب رفقاء السوء، لتستقيم حياته ويسعد في الدنيا أولاً وفي الآخرة تالياً، فاللهم وفقنا، نوّر بصائرنا وأبصارنا، وصوّب مسيرنا إنك ولي ذلك والقادر عليه.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة