الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

معجزة لا كالمعجزات  
سورة الإسراء   الآيات 85 - 111


ذهب المشركون إلى اليهود في المدينة يبحثون عن أسئلة تكشف لهم حال النبي صلى الله عليه وسلم، فاقترحوا عليهم ثلاثة أسئلة، وقالوا إن لم يجبكم على شيء منها فليس بنبي، وإن أجاب على بعضها وأمسك عن بعض فهو نبي، ذكر هنا أحد الإسئلة الثلاثة والإثنان الآخران في سورة الكهف، فقال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً*وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً*إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) اختلف أهل التأويل بالمراد بالروح، فمن قائلٍ إنه الروح الذي يعيش به الإنسان وهو المتبادر إلى الذهن، ولكن السياق والسباق يدل على أنه الروح الذي نزل به القرآن كما صرح بذلك حين قال: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك..الآية) لأن المعرف إذا تكرر كان هو هو، ويجوز أن يكون المراد بالروح القرآن نفسه لأن به حياة الأمم ولأنه قال: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) ومادام القرآن يتحدث عن الوحي الإلهي ونعمة إختيار محمد خاتماً للأنبياء فلا مانع أن يكون المراد بالروح القرآن أو الملك الذي نزل به وهذا من أمر الله لا يتنزل من تلقاء نفسه كما قرر في سورة مريم (وما نتنزل إلا بأمر ربك) ولعطف العلم عليه في قوله: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) فالمراد بالروح إذاً القرآن لأن فيه حياة البشر، ولأن الإيمان إحياء للإنسان ويؤيده قوله في آخر الآية: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً*وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ) فالقرآن كان ينزل في أوقات يحددها الله، فهو شأن من شؤون الله لا دخل لأحد فيه، ولما أقسم إن شاء أن ينسخ الوحي ويمحوه من قلب النبي ما استطاع النبي أن يمنع ذلك ولا وجد من يقف معه ليوقف إرادة الله، لكن الله لم يشأ ذلك رحمة منه بالنبي بل أبقاه محفوظاً له، ومكّنه من تبليغه وأعانه على من عاداه فضلاً منه، فصدق الله : (إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) ثم بيّن مكانة القرآن بين معجزات الأنبياء فجعله معجزة خالدة باقية إلى يوم القيامة فقال: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) بلغ من قوة بيان القرآن ودقة معانيه أن بشراً ما لا يستطيع معارضته والإتيان بمثله، لا ولا الإتيان بعشر سور مثل سوره ولا حتى سورة واحدة، فثبت العجز ووقع التحدي، فأخبر أن الإنس والجن لو اجتمعوا على معارضة القرآن والإتيان بمثله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولو ناصر الجن الإنس والإنس الجن ما قدروا على ذلك، ومثل هذه الآية قوله في سورة الطور: (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) رداً على من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم ألّف القرآن ونسبه إلى الله ترويجاً له، أضف إلى هذا أن الله بحث في القرآن عدة قضايا وذكر القصة الواحدة بأساليب متعددة ليعجّز البشر فينتقل من العجز عن معارضة القرآن إلى الإيمان به، وأقسم هنا أنه صرّف للناس في هذا القرآن من كل قصة عجيبة وحجة واضحة ودليل ملزم فلم يؤمنوا وأصروا على باطلهم فقال: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا) وبلغ من كفرهم أن طلبوا معجزات حسية قد يعجز البشر عنها، ذكر منها هنا فقال: (وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا*أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا*أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً*أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً) إن من حق المدعوين أن يطلبوا دليلاً على صدق الدعوة وهي ما يعرف بالمعجزة، ولكن ليس من حقهم أن يحددوا نوع الدليل ولا جنسه، وهنا اقترحوا عليه معجزات معيّنة فلو أجابهم إلى واحدة منها لاستحقوا القضاء عليهم، أما الأولى فطلبهم الينابيع في مكة ومكة صحراء لا ينابيع فيها إلا زمزم معجزة أو إرهاصاً لإسماعيل، وزمزم ليست عيناً ولكنها بئرٌ فجرها الله لإسماعيل وبقيت شاهداً له وإن حاول العرب دفنها، ولكن أعاد حفرها جد النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت هذه معجزة لإسماعيل عامةً للناس كلهم فقد طلبوا معجزة خاصة بالنبي، بستان من النخيل والأعناب وأنهار حوله، أو عقوبةً من الله بإنزال قطعة من العذاب عليهم، ما أشد غباءهم أيطلب أحد العذاب؟!، أو طلبوا أن يأتيهم النبي صلى الله عليه وسلم بالله والملائكة مجتمعين، أو يكون للنبي بيت من ذهب أو يصعد إلى السماء ولن يصدقوا بذلك حتى يُنزل عليهم كتاباً يقرؤنه من الله رب العالمين إلى فلان ابن فلان كل واحد باسمه، معجزات واقتراحات زادت على الخمسين ذكر منها خمساً هاهنا، ولم يقبل واحدةً منها، وقرر أنه ما كان إلا بشراً رسولاً، قرره على طريق الاستفهام وأخرجه مخرج النفي، ثم بيّن بالدليل القاطع أنهم ما كانوا ليؤمنوا حين أتاهم الهدى إلا أنهم أنكروا أن يكون النبي بشراً رسولا، فرد عليهم رداً مفحماً يلزمهم الحجة ويقطع عذرهم فقال: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً*قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً*قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) إذا كانت الأرض موطناً للبشر يتنقلون فيها يسيرون حيث شاؤا ويفعلون ما شاؤا، ولا بد أن يكون الرسول منهم مثلهم يتفاهم معهم ويتفاهمون معه، فالبشر لا قدرة لهم على مخاطبة الملائكة والتعامل معهم، وإذ لم تنفع الحجة فلابد من الدليل، والدليل هو شهادة الله على أنه رسول، يكفيه أن يشهد له الله بالرسالة لأن الله من شأنه أن يكون عالماً بعباده خبيراً بأحوالهم بصيراً بأعمالهم، فإن وفقهم الله إلى قبول الحق اهتدوا، وإن خذلهم فلا يستطيع أحدٌ هدايتهم (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا*ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) من يبين الله له الحق فيتبينه ويتصرف وفقه فهو المهتدي الذي عرف الحق وسار في حياته وفق منهجه، ومن خذله الله فلا يستطيع أحد أن يبين له لأن على بصره غشاوة، وقلبه مظلم وأذنه مسدودة، يبقى على ضلاله إلى أن يموت ويحشره الله يوم القيامة على وجهه لأنه لم ينتفع بهدى الله ولم يبصر الحق ولا تكلم به ولم يصغ لداعيه فعوقب في الآخرة أعمى لا يبصر أبكم لا يتكلم أصم لا يسمع، مأواه جهنم كلما خفّ لهيبها زاده الله سعيراً، ماذاك ألا أنهم كفروا بآيات الله وأنكروا البعث واستبعدوا وقوعه، وقدّم لهم دليلاً على قدرته فقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا) الهمزة داخلة على محذوف هو المعطوف عليه، كأنه قال أأنكروا البعث ولم يروا (أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) والرؤيا هنا قلبية بمعنى العلم، وجملة (أن) وما دخلت عليه سدت مسد مفعوليها، وهذا تأكيد على قدرة الله لكن حدد لذلك وقتاً يكون فيه، ومع ذلك يصر المشركون الذين يعبدون مع الله غيره أو يعبدون غيره ويصرون على الكفر، ثم أوكل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألهم سؤالاً يشير بذلك إلى أنه معرض عنهم مشرفٌ لنبيه بالخطاب، وصدّر السؤال بلو وضمنها معنى الشرط وجعل جوابه يدل على البخل فقال: (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُورًا) طبيعة الإنسان أن يبخل إيثاراً لنفسه على الآخرين مهما كان المال كثيراً، ألم تر أنه فرض مستحيلاً أن تكون عندهم خزائن الله، ومع ذلك يبخلون ويتأخرون عن الإنفاق خائفين الفقر متمسكين بالدنيا، طبيعة الإنسان الذي يؤثر نفسه على غيره مهما كان غنياً، بعكس أنصار رسول الله الذين كانوا يؤثرون غيرهم مع شدة حاجتهم.
وبعد طول غياب يعود إلى الحديث عن موسى، فيخبر أنه آتاه تسع آيات بينات واضحات الدلالة على أنه رسول الله وأن الله أيده، ويجوز أن تكون هذه الآيات أكثر من ذلك أو تكون أمهاتها تسع، فما كان من فرعون إلا أن استخف بموسى وأتهمه بأنه مسحور، تماماً كما فعل العرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا) فما كان من موسى إلا أن رد قول فرعون بأبلغ دليل فبين له أن ما حصل على يديه معجزات أجراها الله ليبصّره ويبصّر قومه الحق، وكما استطال فرعون على موسى رد موسى (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) وقد كان ما أخبر به موسى لأنه أهلك بعد هذه الكلمات على ما صرح به رب العالمين فقال: (فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا) وهكذا لم ينفع فرعون تكبره واستعلاؤه ورفضه الإيمان بما جاء به موسى مع وضوح الأدلة وقوة الحجة، وعذّب السحرة وحاول فتنهم وأراد أن يستفز بني إسرائيل، وفجأةً صار مصيره في البحر، وهكذا نصر الله اليهود على من عاداهم وحاربهم وأذلهم (وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) فأخبرهم أنهم سيجتمعون يوماً ما حين يحين وقت الإفسادة الثانية والعقوبة عليها، أما الآن فسيعيشوا متفرقين في أرض الله الواسعة وهذا ما حصل، لم يجد اليهود من يأويهم ويحميهم إلا العرب فسكنوا في بلادهم، فلما أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من جزيرة العرب تفرقوا في البلاد وها هم اليوم يجتمعون ليقضي عليهم المسلمون بإذن الله ويصدق خبر الله : (جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) ويؤيد ذلك ما قاله في الآية التي بعدها (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) معنى هذا أن ما يخبر به القرآن حق سيكون ما أخبر به ولو بعد حين، لأن وظيفة الرسول أن يبشر المؤمنين وينذر الكافرين، ومن بشارة المؤمنين نصرة الحق وإقامة العدل في الأرض، ثم بين أن القرآن نزل مفرقاً ليحفظه العرب ويفهموه ويعملوا بما فيه، ويربيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأخلاق الفاضلة، يأخذهم بالتي هي أحسن فيقوم ما اعوج من سلوكهم ويصوبوا ما عندهم من أخطاء، وحكم أنه نزله تنزيلا (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)، ثم خيّر الناس مشرفاً رسوله بالخطاب فقال له: (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا*وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً*وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) خيّرهم بين أن يؤمنوا فينتفعوا ويسلموا، أو لا يؤمنوا فيخيبوا ويخسروا، ودعاهم إلى الإيمان بالقدوة وحثهم على طلب العلم، فبين لهم أن الذين أوتوا العلم من قبل نزول القرآن إذا يتلى عليهم القرآن يسجدون لله الملك الديان وينزهون الله عن كل ما لا يليق به ويعترفون أن وعده لامحالة واقع أو آت، ثم وصف المؤمنين بأنهم يسجدون لله خاضعين خائفين تائبين يبكون ندماً على ما فرط منهم وشوقاً لدخول الجنة، وكلما سمعوا من القرآن شيئاً آمنوا به وازدادوا خشوعا، وختم السورة بآيتين: الأولى فيها تخيير بين دعوة الله أو دعوة الرحمن، فدعوة الله فيها معنى الخضوع والإذعان، ودعوة الرحمن فيها طلب الرحمة من المدعو فقال: (قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) إن المسلمين يحار فيهم إمامهم إن أطال قالوا أطلت، وإن اختصر قالوا قصّرت، فإن رفع صوته في القراءة لاموه، وإن خفضه لم يسمعوه، فوضعت هذه الآية الميزان فلا رفع لغير حاجة، ولا خفض فوق الحد ولكن توسّط، ذلك أن بعض السفهاء كانوا ينتهزون الفرص ليؤذوا المسلمين، فإذا سمعوهم يصلّون حاولوا ازعاجهم والتشويش عليهم، وإذا خفض القراءة لم يسمع الحاضرون ما يقرأ وهم بحاجة إلى السماع ليحفظوا ويفهموا، فالاعتدال في الصوت هو المطلوب، فلا رفع فوق الحد المطلوب، ولا خفض ولكن توسط، وختم السورة على غرار ما بدأها، بدأها بالتسبيح وختما بالحمد وفي هذا وذاك تنزيه لله عن كل ما لا يليق به، جل ما في الأمر أنه صرّح هنا بما يحمد الله لأجله، وهما شيئان أو ثلاثة: لم يتخذ ولدا، لم يكن له شريك في الملك لا في الخلق ولا في غيره، ولم يكن ليستنصر بأحد لحاجة، فهو الغني عن الجميع يحتاج إليه الجميع، كبيرٌ مكبّر في كل وقت وفي كل حين ، فله الحمد وله الشكر (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) فاللهم وفقنا لنعبده ونحمده ونتولاه ولا نتولى غيره.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة