الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

قولوا التي هي أحسن  
سورة الإسراء   الآيات 53 - 84


لما قرر في الآيات السابقة أنه قادر على البعث وأن البعث قريب متحقق الوقوع، ناسب أن يعلّم الناس كيف يفيد من هذه الحياة ليكون ذلك زاداً لهم في الحياة الأخرى فقال:(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم آمراً له أن يأمر عباد الله أن يقولوا التي هي أحسن، وجاء بالجواب هنا كأنه قال لهم قولوا التي هي أحسن يقولوا التي هي أحسن، يجيبوا كلامك ويطيعوا أمرك، وعلل ذلك بأن الشيطان عدو الإنسان اللدود يتربص به محاولاً إيقاع الفتنة بينهم وتغذية الشر، فعداوته للإنسان ظاهرة، ثم ذكر ما يرغّب في طاعة الله ويعلل هذا الأمر لأنه أراد من عباده أن يكونوا طائعين له باختيارهم فقال:(رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) ربكم الذي رباكم بالنعم أعلم بما يصلح حالكم، إن يشأ رحمتكم يوفقكم للطاعة، وإن يشأ تعذيبكم يخذلكم، فالأمر بيده لا يجب عليه شيء، ثم نفى أن يكون الرسول كفيلاً على الأمة متوكلاً بهم يرعى شؤونهم ويأخذ بأيديهم لما فيه صلاحهم، ليس فقط هو عالم بالمخاطبين بل عالم بمن في السموات والأرض، فيى الماضي والحاضر والمستقبل، وعزة الله لقد فضّل بعض النبيين على بعض، وخص داود بالزبور (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) ثم أراد أن يبطل ألوهية ما جعلوه إلاهاً بحجة واضحة لا لبس فيها ليبين لهم أن من اعتمدوا عليه فقيرٌ عاجز ضعيف فقال:(قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً) لأنهم ليس بأيديهم شيء ولا يقدرون على شيء، بل على العكس هم محتاجون إلى الله يحاولون أن يتقربوا إليه يخافونه ويرجون رحمته ويسعون لاتقاء عذابه، وكأنه بهذا يقول لهم الأليق بكم أن تلتجؤا إلى الله وتحتموا به، تخافوا عذابه وتطلبوا رحمته، فعذاب الله جدير أن يُحذر ويُخاف (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) فإن أصروا على باطلهم واتبعوا أهواءهم يوشك أن يحل بهم ما حل بمن قبلهم فإن عذاب الله آت على المكذبين لامحالة طال الزمان أم قصر (وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) فما من قرية إلا ويوشك أن يحل بها الهلاك مادامت ظالمة، أو ينزل بها عذاب الله في الدنيا تأديباً لها وإصلاحاً لحالها علها تتوب إلى الله وتقلع عن الباطل وتستقيم على الحق. ثم بيّن السبب الذي لأجله لم يجب طلب العرب إلى ما اقترحوه من معجزات أن من قبلهم طلب المعجزات، فلما جاءت لم يؤمن فاستحق الإستئصال، وقد اقتضت حكمة الله أن تكون أمة محمد باقيةً إلى يوم القيامة، فحفاظاً منه عليها لم يجب طلبهم، ثم إن الآيات تخوف القوم الذين جاءت لهم فتردعهم، وقد تكون قلوبهم قاسيةً فلا يخافون أو يتمردون كما حصل لقوم صالح عليه السلام، فقد أعطى الله ثمود الناقة دليلاً واضحاً ومعجزةً حقيقيةً تضمنت أكثر من معجزة في واحدة: خرجت من الصخر، وخرج معها فصيلها، وتسقي القرية لبناً، وتشرب العين كأنها مصنع حليب يحوّل الماء إلى لبن، ومع ذلك لم يؤمنوا وقتلوها، فانتقم الله منهم (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا).
ولما ذكر ناقة صالح وجعل فيها دليلاً يبصّر بالحق ويدعو إليه، ناسب أن يذكر رؤيا رآها تبصّر بالحق وتدعو إليه فقال:(وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا) اختلف أهل التأويل في هذه الرؤيا ما هي بعد اتفاقهم على أن الله قد أحاط علمه وسلطانه وقدرته بالناس، وهذه الرؤيا جائز أن تكون ليلة أسري به، فقد قال رب العزة (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) فلاشك أن ما رآه يخوّف الناس فيدعوهم أن يستقيموا على المنهج، ولكنهم لقسوة قلوبهم يزدادون طغياناً بدل أن يزدادوا تواضعاً واستقامةً وصلاحا، ولما ذكر خطأ قوم صالح وبعض المسلمين، ناسب أن يذكر خطأ أبي البشر وقصته فإن فيها عبرةً لمن يعتبر، فشتان بين خطأ آدم وخطأ إبليس، من هنا جاء قوله:(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) لما خلق الله آدم حوّل المادة الصماء إلى حي يتحرك ويتألم، فأمر الملائكة بالسجود لأجل هذه المعجزة فاستجاب الملائكة إلا إبليس رفض أن يطيع الأمر الإلهي وتكبر أن يكون مطيعاً لله بحجة أنه خير من آدم، وآدم ليس المسجود له ولكنه السبب الذي استدعى السجود لله.
حقد الشيطان على آدم وأرعد وأزبد وقال:(قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً) تربص الشيطان ببني آدم واعتذر عن السجود لأبيهم بأعذار واهية، وأقسم ليتربصن بهم ليصرفهم عن الحق فيخالط حواسهم ودماءهم ويسوقهم إلى المعصية سوقا، فرد الله عليه رد القوي الغني (قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا*وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا*إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) رد الله عليه فأخبره أنه إن فعل ما أوعد به فإن مصيره ومصير من يتبعه عذاب جهنم، هذا العذاب يصلح أن يكون عقوبةً لمن يعمل الشر ويسعى إليه ويثير النعرات بين الناس، يستعديهم على بعضهم ويستفزهم ويحرك دواعي الشر فيهم ويبذل جهده في نشر الفساد، فساد الأنفس وفساد الأموال والأولاد، ويعدهم وعوداً كاذبةً لا يستطيع تحقيق شيء منها وسيأتي يوم القيامة ينصب له منبر في جهنم يخطب أهل جهنم فيقول (إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم) وها هو نفس المعنى يقرره رب العزة مبينا الحقيقة التي لا مراء فيها أن الشيطان لا يملك من أمره شيئاً وان الحكم لله يأمر ويريد ويأمر ولا يريد ويريد ولا يأمر، وبعد هذه القصة التي ترينا الفرق بين خطأ آدم وخطأ إبليس، ناسب أن يقيم الدليل من الطبيعة القريبة على كمال قدرته فقال:(رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا*وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُورًا) فالله يكرم الإنسان وييسر له أموره ويسهّل عليه حياته وإذا وقع في مأزق ساعده ورفع عنه البلاء، فإذا أمن واطمأن غفل عن الله، لأنه لا يراعي جنابه مادام مطمئناً، ما باله يأمن وهو في قبضة الله يتصرف به كيف يشاء، انظر كيف يوجّه إليه الخطاب فيدعوه إلى مراقبة الله في السر والعلن والخوف منه مقيماً ومسافرا فيقول:(أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً*أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا) من الذي أمّنك أيها الإنسان وثبّت الأرض التي تعيش عليها، ألا يستطيع أن يحركها متى شاء كيف شاء، ألا تخاف من غضبه أن يرسل عليك حاصباً كما فعل بقرى المؤتفكات أو بأصحاب الفيل، إن فعل فمن ينقذك منه؟! ألا تفكر في السفر في البحر مرة أخرى؟ أما تخاف أن يسلط عليك عاصفةً فيغرقك ويعاقبك على غفلتك؟! من يحميك، من يدافع عنك، راجع نفسك وعد إلى الله تفلح، فالله بدأك بالنعم وتولاك بالحفظ ورعاك في جميع أوقاتك فأقبل عليه تفلح، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) أقسم الله أنه كرّم بني آدم فجعلهم يأكلون بأيديهم بخلاف كثير من الحيوانات، وجعل لهم لذةً في الطعام والشراب إضافةً إلى حفظ النفس، وجعل لهم لذة في حفظ النسل، وميزهم بالعقل يعصمهم من السفه ويرشّد تصرفاتهم، وحملهم في البر والبحر على الطائرات والبواخر وعلى الدواب وفي السيارات، ورزقهم من الطيبات في المطعم والملبس والمسكن وفضّلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، يظهر أثر ذلك كله حين يشكر الإنسان فضل الله ونعمته ويعمل بطاعته، يظهر ذلك يوم القيامة يوم يدعى الناس بالنبي الذي بعث فيهم أو بالكتاب الذي أنزل عليهم، ويعطى كل واحد كتاب أعماله، فمن أعطي كتابه بيمينه فهؤلاء يقرؤن كتابهم ولا يظلمون ولو أقل ظلم، فالفتيل ورقة رقيقة تكون بين نواة البلحة وثمرتها رقيقة جداً، أو هي الفتحة في بذرة البلح رفيعةٌ جداً لا يكاد يعتبر ما أخرج منها، أما الذي أعمى عينيه عن إبصار الحق والعمل بالآيات فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا، جزاءً وفاقاً لأنه ضل عن الحق فعومل بما عمل (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً*وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) ولما ذكر الأعمى ناسب أن يذكر بعض من عمي قلبه فلم يبصر الحق وعميت بصيرته فلم يتعرف إليه، وحاول صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن الحق وزيّن له أنه إن فعل إذاً لأحبه الناس وخالطت محبته شغاف قلوبهم، وقد بالغوا في التزيين حتى كاد النبي أن يقع تحت تأثير تزيينهم لكن الله ثبته وحفظه، وبيّن له هنا إذا فعل ما يدعونه إليه وأجابهم إلى طلبهم لأذاقه الله ضعف الحياة بأن تزداد ضغطهم عليه حتى يصرفوه عن الدين، وأن يتخلى الله عنه فيحيط به العذاب من كل جانب وتزداد عليه المشاق ولا من ينصره على الله لأنه تخلى عن الله، فتضاعفت همومه ومشاكله وسيئاته (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً*وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً*إِذَاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). ولما ذكر محاولاتهم صرف النبي عن الحق الذي جاء به ودعوته إلى التخلي عن الدين شيئاً فشيئاً حتى يجردوه من الدين كله كما فعلوا بكثير من المسلمين المعاصرين، وبين له أن أهم سبب للنجاح في هذه الحياة هو الثبات على الحق وعدم التنازل عن شيء من الأصول لأن الخصم إذا تنازلنا عن شيء ضغط علينا لتنازل عن غيره، فإن أجبنا ازداد الضغط حتى يجردنا من كل شيء، ويحضرني في هذا قصةٌ كان الناس في هذا البلد يعطلون يوم الخميس والجمعة من كل أسبوع، ويعملون يوم الأحد يوماً كاملاً، ففكر شياطين الإنس بحيلة للتعطيل يوم الأحد فقالوا للمسلمين أنتم تعطلون يوم الجمعة وتصلون وغير المسلمين يصلي يوم الأحد، فلنعطل يوم الأحد من أجلهم، وبدل الخميس والجمعة نعطل الجمعة والأحد، فوافق زعماء المسلمين على هذا الاقتراح بادي الرأي دون أن يتفكروا ويدركوا أبعاد هذا القول، مضت الأيام ليقولوا يوم السبت لا عمل فيه لأنه واقع بين عطلتين فلنعطل السبت والأحد وهكذا ضاعت العطلة يوم الجمعة وصارت يوم السبت والأحد، فالسبت لليهود والأحد للنصارى ويعطى المسلمون ساعةً يؤدون صلاة الجمعة ثم يعودون إلى أعمالهم، ومضوا على ذلك لنرى بعد أن يوم الجمعة صار عملاً إلزامياً وضاعت العطلة ومنع الطلاب من الخروج إلى المسجد، فهذه إحدى نتائج التنازل وهناك أشياء أخر لا أطيل بذكرها لأنها تخرج الموضوع عن هدفه، ولما ذكر محاولة صرف النبي عن الدين وإيقاعه في شرك التنازل عن بعض الأحكام ناسب ان يذكر سعي أهل مكة إلى إخراج النبي من بين أظهرهم، وبين القرآن أن إخراج النبي من بين أظهرهم يوشك أن يكون مقدمةً للقضاء عليهم، فما من نبي ترك قومه أو أخرجه قومه إلا نزل بهم البلاء وانتقم الله منهم (وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً*سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً). ولما ذكر مؤامرات الأعداء على الإسلام وكيدهم له، ناسب أن يذكر ما يعين المسلمين على الثبات ومواجهة الباطل ونصرة الحق، فبدأ بعماد الدين العبادة التي تصلح النفس وتقوي اليقين وتثبّت القلب فقال:(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا*وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) دلوك الشمس تحولها من جهة الشرق إلى جهة الغرب، وبالتالي تحول الظل إلى جهة الشرق، وهو وقت صلاة الظهر، ولما كان الظهر والعصر وقتهما واحد وأجاز الفقهاء الجمع بينهما في بعض الأوقات، كانت الآية مشيرةً إلى وقتين، وقوله:(إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) وقت المغرب والعشاء على نفس القاعدة، فإن من يبلغ قبل المغرب يلزمه أن يصلي الظهر والعصر، ومن يبلغ قبل الفجر يلزمه أن يصلي المغرب والعشاء، والمراد ب(قُرْآنَ الْفَجْرِ) أي صلاة الفجر سميت قرآناً لكثرة ما يقرأ فيها، ولأن الملائكة تتبادل عند الفجر وعند العصر كما ثبت في السنة المطهرة، فالملائكة تشهد صلاة الفجر، ثم ذكر قيام الليل وكان فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن نصّ هنا على أنه تطوع رجاء أن يبعثه الله مقاماً محموداً وهو الشفاعة في الفصل بين العباد يوم القيامة، ما يعرف بالشفاعة العظمى التي يتخلى عن القيام بها الرسل من آدم إلى عيسى، ويقبلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يسألوا له الوسيلة وقال إنها منزلة في الجنة لا تكون إلا لعبد صالح أرجو أن أكون هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي، والصلاة في الجملة عماد الدين تنقل الإيمان من حاشية الشعور إلى مركزه، وتربي في نفس المصلي مراقبة الله والبحث عما يرضيه، ثم ذكر بعض الصلاة المراقبة فيما يأتي ويذر وأشار إلى ذلك بقوله:(وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا*وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) فهذا الدعاء يربي في الإنسان مراقبة الله، فلا يدخل في شيء إلا وفيه صلاحٌ لنفسه أو لغيره، ولا يخرج من شيء إلا كذلك، ويطلب في هذا وذاك أن يكون مؤيداً من الله منصوراً على من عاداه، ويدعو إلى الحق الذي جاء به جهاراً نهاراً لا يخاف في الله لومة لائم، يظهر الحق ويبينه وينصره ويدافع عنه، ويرد الباطل ويدحضه ويبعده عن طريق المسلمين، ولما كان بيان ذلك كله بالقرآن الكريم بيّن أن القرآن الكريم شفاء للناس من أمراضهم الحسية والعقلية والاجتماعية، وأن الشر كل الشر لاحق بالظالمين الذين لم ينتفعوا بالقرآن بل جعلوه وسيلةً لتحقيق مآربهم ومصالحهم يلجئون إلى الله إذا ضعفوا فإذا اشتد عودهم نسوا الله وأعرضوا عنه، (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا*وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا*قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً) كان العرب متفرقين مختلفين يعادي بعضهم بعضا ويحقد بعضهم على بعض، وربما قامت الحرب من أجل ناقة سبقت أو بعير تأخر، فجعلهم القرآن خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، تعرف الحق وتنشره وتنصره وتدعو إليه، طهر فلوبهم من النفاق ومن العيوب الاجتماعية وجمعهم على الخير، ومن لم ينتفع بالقرآن ما ازداد بنزول القرآن إلا خسارا لأن كفره ازداد ومعاصيه كثرت ويوشك أن يدركه الأجل، لكن بعض النفوس قد تميل إلى الدنيا وترضى بها وتقبل عليها وتنسى المنعم المتفضل، فناسب أن يختم الآيات بما يبين الحق أوضح بيان ويترك للناس الحرية أن يفعلوا ما يشاؤن، لا يحاسبهم ولا يمنعهم ولكن يتركهم وما أرادوا، والله يحاسب الجميع وهو أعلم بمن اتبع الحق وأقبل عليه ونصره، ومن اتبع الباطل ورغب فيه وشايعه، فاللهم وفقنا ننصر الحق وندعوا إليه نرغب فيه، جنبنا الزلل ووفقنا للعمل.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة