الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين الأعمى والبصير 
سورة الرعد   الآيات 19 - 43


لما بين في الآيات السابقة عاقبة الكافر وعقوبته واستعداده أن يفدي نفسه بما في الأرض جميعاً أو مثليه، ناسب أن يعقد مقارنةً بين الأعمى الذي لم يبصر ما ينفعه والبصير صاحب العقل النير الذي انتفع بهدى الله وعمل بمقتضاه فقال:(أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ*الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ*وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) من علم أن الله حق وأن القرآن أنزله الله فثبتت نسبته إليه بالأدلة القطعية التي بلغت مبلغ اليقين لكثرتها وقوتها، فإنه من القوة بمكان أن البشر مهما أوتي من قوة بيان لا يستطيع أن يساويه أو يدانيه، فهذا الذي عرف ذلك بدليله هل يمكن أن يكون كالأعمى الذي لم يبصر الحق ولا عرف كيف يستدل عليه، لذلك ختم الآية بقوله:(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) كأنه يقول إنما ينتفع بالقرآن أصحاب العقول الذين يستخدمون عقولهم فيما ينفعهم فيحققوا لهم المصلحة ويعرفهم بما هو واجب عليهم نحو إخوانهم، بين ذلك بقوله:(يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) الوفاء بالعهد صفة حميدة تدل على الإيمان وترشد إليه، ومفهوم الوفاء بالعهد عدم نقضه، ولذلك أكد مفهوم (يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) منطوق (وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ) إذاً علاقاتهم مع بعضهم علاقات مستقيمة يحترم بعضهم بعضاً ويساعد بعضهم بعضا، المودة تجمع بينهم لأن من آداب الإسلام صلة ما أمر الله به أن يوصل: صلة الرحم والقرابات وبر الوالدين في حياتهما وبعد موتهما، وإن ما يدعو إلى الصلة الخوف من الله لأن الله أعطى تفضلاً، فإذا لم يشكر الإنسان هذا الفضل يخاف عليه سوء الحساب (وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) والإستقامة على المنهج تتطلب الصبر مع التوجه بالكلية إلى الله وإقامة الصلاة بالمحافظة عليها في أوقاتها وشروطها وسننها وهيئاتها حتى لكأنها حية فيهم وهم أحياء فيها، فالصلاة تذكر الإنسان وتصوب مسيره وتقوّم منهجه، ولما كانت الصلاة عبادةً يقصر خيرها على العابد لا بد من عبادة تعم أفراد المجتمع وهي الإنفاق من رزق الله، سواء أكان ذلك صدقةً واجبة أو تطوعاً أو نفقة واجبة في جميع الأحوال، في السر والعلن، ويتبعون نفقتهم بأخلاق طيبة ومعاملة حسنة، يدفعون بالحسنة السيئة لاجرم استحق هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات الخمسة عقب الدار أي الدار الآخرة التي تعقب هذه الدار، بينها بقوله:(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ*سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) جنات إقامة دائمة من قولهم "عدن بالمكان إذا أقام فيه إقامة طويلة" فهؤلاء العاملون أدخلهم الله الجنة بعملهم هم ومن صلح من أبائهم وأزواجهم وذرياتهم، لا لمجرد القرابة ولكن لأنهم جمعوا إليها الأعمال الصالحة التي عملها أقرباؤهم على حد قوله:(والذين آمنوا وأتبعتهم ذريتهم بإحسان ألحقنا بهم ذريتهم) فحين يُدخلون الجنة ترحب بهم الملائكة وتدخل إليهم من كل باب من أبواب الجنة تحييهم وتدعو لهم بالسلامة والإقامة في النعيم الذي استحقوه تفضلاً من الله عليهم بصبرهم أي بسببه أو بمصاحبته أعمالهم الصالحة، وتمدح الملائكة ومن يسمع ذلك الجنة وطيب إقامتها فتثني عليها بالفعل "نعمة" الذي هو فعل جامد للمدح، وهكذا نرى إكرام الله لأوليائه الذين أطاعوه وعمروا الأرض ونشروا الخير في المجتمع خير إكرام وأحسن جزاء، على النقيض من الآخرين المشار إليهم بقوله:(وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) خمسة في خمسة نقيض الأول، الأولون يوفون بالعهد ولا ينقضون وهؤلاء على العكس ينقضون العهد المؤكد الموثق بالأيمان، وإذا كان الأولون قد احترموا العهد دون يمين لمجرد الإقرار بأن الله ربهم أول الأمر في عالم الذر وثانياً حين أجابوا الرسل فهؤلاء على النقيض منهم، والأولون يصلون ما أمر الله به أن يوصل فينشرون الخير في الأرض ويصلحون الأرض ويعمرونها وهؤلاء على النقيض يقطعون ما أمر الله به أن يوصل وينشرون الشر والفساد في المجتمع: يستعدون الناس على بعضهم ويثيرون الناس على إخوانهم، لاجرم أن الله أوعدهم بسوء الدار واللعنة لأنهم لم يرحموا خلق الله طردهم الله من رحمته، ولم يعملوا لطلب رضاه أوعدهم بسوء الدار، ولما كانت الدنيا دار إبتلاء والإبتلاء يتنوع فقد يكون بالنعمة وبغيرها قال:(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ) الله يوسع على من يشاء ويضيّق على من يشاء وفي هذا وهذا ابتلاء، فمن شكر ما وسع الله به عليه أثابه ومن صبر على ما أصابه من ضيق أثابه الله عليه على حد قوله عليه الصلاة والسلام:"عجبت لأمر المؤمن فإن أمره له كله خير"، لكن ضعاف النفوس الذين تشغلهم المادة عن الحق يفرحون بالدنيا غافلين أن الحياة الدنيا في الآخرة لا تساوي شيئاً، هي لذة عاجلة مقرونة بالمنغصات سرعان ما تنقضي وقد تعقب خيراً أو لا، من هنا ناسب أن يذكر قول المغترين بالدنيا الذين يبحثون عن حيلة يتهربون بها من الإيمان بإرهاق الرسول، أشار إلى ذلك:(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) يتمنوا نزول آية ملجئة، لكن إنزال هذه الآية المطلوبة يوجب عليهم عقوبة شديدة إن لم يؤمنوا بها، وربما اقتضى ذلك القضاء عليهم، ولما كان الله عالماً بخفايا وخبايا خلقه لم يجبهم إلى طلبهم واكتفى بالرد عليهم بأن الإيمان والكفر أمر بيد الله فمن عَلِمَ الله أنه لا يؤمن ويموت على الكفر لا يجيب طلبه الآيات المقترحة، ومن علم أنه صالح يوفقه إلى الإيمان، ينوّر بصيرته ويجعله يستجيب للحق، يوفقه إلى سلوك الطريق الموصل إلى رضوان الله ليكون من (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) تطمئن قلوبهم لما رأوا من الآيات المقنعة ولما علموا من الصفات التي اتصف بها الله من الرحمة والعفو وصفات الجلال، ولابد أن يترجموا هذا الإيمان إلى عمل منتج ليستحقوا الأجر المناسب، لذلك أبدل منه (الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) الإيمان هو الأساس والعمل الصالح هو الدليل عليه، وطوبى من الطيب الأجر الحسن والثواب العظيم، وحسن المآب إي حسن العودة إلى الله لأنهم يلقون عنده جزاء أعمالهم الصالحة ويسعدون وينعمون بحياةٍ حقيقية هانئة. ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله، ناسب أن يذكره مؤيداً لعمله جاهداً بصدقه مادحاً له فقال:( كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك الإرسال الذي سبق لغيرك أرسلناك، وكما كان الأنبياء يرسلون إلى أمم أرسلناك إلى أمةٍ قد خلت من قبلها أمم، فليست أول أمة تسكن الأرض بل سكنها قبلهم كثيرون وأرسلنا إليهم رسلاً، وبين أن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتلو على الناس الذي أوحي إليه من القرآن على حال أن الناس يكفرون بالرحمن فواجبه أن يقف في وجههم وأن يقولها بصدق علانية دون خوف أو وجل، قل لهم الرحمن الذي تكفرون به هو ربي أوجدني من العدم ورباني بالنعم لا مستحق للعبادة إلا هو لأنه لا خالق من العدم إلا هو ولا مربي بالنعم إلا هو، فوضت أمري إليه واعتمدت عليه منه المبدأ وإليه المعاد وبينهما أنا في حاجة إليه.
ولما عرض القرآن على أهل مكة، طلبوا منه أن يوسع لهم أرض مكة وأن ينحّي عنهم الجبال وأن يجري لهم الماء في مكة حتى يؤمنوا بأن القرآن كلام الله، وطلبوا منه أن يحيي لهم قصي بن كلاب ليسألوه عن محمد صلى الله عليه وسلم أيشهد له بالنبوة، فأنزل الله (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) قال لهم لو أن قرآناً سيّرت به الجبال أو قطعت به الأرض، رداً عليهم لأنهم طلبوا بالقرآن أن يحول عنهم جبال مكة وأن يجعل أرض مكة واسعة مليئة بالأشجار والأنهار فرد عليهم لو أن قرآناً فعل هذا لكان هذا القرآن، حذف الجواب لتذهب به النفس كل مذهب، ثم بيّن كمال قدرته وسعة علمه وحكمته فقال: (بَل لِّلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا) لو شاء شيئاً من ذلك لفعل ولكنه لم يفعل حرصاً عليهم ورحمةً بهم، ثم سأل سؤالاً (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ...) علم المؤمنون صفات الله وأدلته ومحاجة الكفرة وتمسكهم بباطلهم فلم ييأسوا من إيمانهم، أو تكون "ييأس" بمعنى يعلم لغةً من لغات العرب، كأنه قال أغفل المؤمنون فلم يعلموا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، لو أراد الله هداية الناس جميعاً لهداهم ولكنه خلقهم على طبيعتهم وعلى ما علم من حالهم ولو لم يردهم كذلك لأبقاهم في العدم ولم يخرجهم إلى الوجود فيكون الناس أمةً واحدة كما قال في السورة السابقة (ولو شاء الله لجعل الناس أمةً واحدة) فواجب المؤمن أن يؤمن أن الله يأمر ويريد، ويأمر ولا يريد، ويريد ولا يأمر، أما الكفار فلا يزالون في شك يحاربون شرع الله فينتقم الله منهم في الدنيا بما يصيبهم به بالقوارع تحل عليهم أو تكون قريباً من دارهم، وهذه القوارع إما أن تكون سماوية كالتي أشار إليها قبل (الصواعق) أو الحروب التي شنها رسول الله عليهم، لا يزالون يتقلبون في هذا وذاك حتى يأتي يوم القيامة فيعاقبهم الله العقاب الذي يستحقون، ثم واسى النبي وأخذ بيده يحنو عليه فقال: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) يقسم الله لنبيه أن رسلاً قبل محمد صلى الله عليه وسلم استهزأ بهم أقوامهم، وأن الله صبر عليهم فلم يعاجلهم بالعقوبة ثم أخذهم أخذاً عجيباً تقشعر لهوله الجلود ويتعجب من قوته وشدته، لأن الله جل جلاله عالمٌ بأحوال عباده وتفاصيل حياتهم لا يخفى عليه منها شيء، ولكن الأغبياء جعلوا له شركاء عبدوهم من دون الله وذلوا لهم فتحداهم أن يصفوهم له مبينين الصفات التي أهلتهم أن يشاركوا الله في صفاته، ثم أضرب عن هذه القضية مستخدماً "أم" المنقطعة كأنه قال "بل أتخبرون الله عن أشياء لا يعلمها في الأرض" كأنه يقول لهم لا وجود لها في الحقيقة والواقع لأنه لو كان لها وجود لعلمها الله، ثم أضرب عن هذه القضية إلى قضية أخرى، بل أتقولون قولاً يستند إلى الظاهر دون أن يكون له حقيقة في واقع الأمر، لذلك ناسب أن يختم الآية بالإخبار أنه زين للكافرين مكرهم ولم يسمِّ الفاعل تأدباً مع الله، وصدّوا عن السبيل ومن ختم الله على بصيرته وأعمى عينيه عن إبصار الحق لا أحد يستطيع أن يرشده، لأن بصيرته عميت وعقله كلّ واستحكم فيه الغباء فلا يفهم إلا ما يعتقده، لذلك أوعدهم فقال: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ*لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ) فإذا تخلى الإنسان عن هداية الله ضاع وأضاع نفسه ووقته وماله فيما لا فائدة فيه ولا ثمرة له، ولما بين عاقبة المخالفين المعاندين ناسب أن يصف لهم الجنة ليعاقبهم على أعمالهم السيئة عقوبةً نفسيةً ولينشط المؤمنين على الطاعة والإقبال عليه (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) قصة الجنة قصةٌ عجيبة والحديث عنها ينتشر في المجتمع كما ينتشر المثل وهو القول الموجز الملخص لقصةٍ يشبه فيها أمراً بأمر، فالجنة لا يتصورها العقل كيف تجري الأنهار من تحت أشجارها ولا تفسدها، ونحن ندرك بالحاسة أن الماء الكثير يفسد الأشجار، فههنا يقول التي وعد الله المتقين بها تجري من تحتها الأنهار خلاف ما ندرك بالحاسة، وخلاف آخر أكلها دائم والأشجار لها موسم تثمر فيه ولا تعود إلى ذلك إلا بعد مدة والجنة لا، والأشجار قد تسقط منها الأوراق في الدنيا فيذهب ظلها ولكن ظل الجنة باق دائم، بعد هذا الوصف العجيب المشوق يقول إنها مصير الذين اتقوا ومصير الكافرين النار.
ثم بيّن حال المؤمنين من أهل الكتاب والمؤمنين من أمة محمد فقال: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ) الناس فريقان: مؤمنون بالأنبياء السابقين يعرفون الحقيقة كاملة، فلما عرفوا محمداً صلى الله عليه وسلم آمنوا بما أنزل إليه، والمؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم يفرحون بنزول القرآن لأنه يخبرهم عن أشياء ليؤمنوا بها فيزداد المؤمَن به، والطائفة الثانية تفرق بين المتماثل، أشار إلى قسيم فعلها إنكار بعض القرآن، وترك القسيم والإيمان ببعضه، إلا أن الإيمان وحدة متكاملة يجب أخذه كله واتباعه كله، أكد على هذه الحقيقة تلميحاً لا تصريحاً فقال: (أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ) وحصرها ب "إنما" كأنه يقول لهم لا مستحق للعبادة إلا الله فأنا أمرت بما هو حق ثابت، فليس لله شريك شاركه في صنع شيء من المخلوقات، لذلك لا أدعو إلا إليه لأن عودتي إليه فيجزيني على إيماني وعملي، ثم وجّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي ضمن ذلك دعوة إلى الناس كل الناس إلى الإيمان وتهديد للكافرين أيما تهديد فقال: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ) يقول إنه جعل القرآن عربياً لأنه أرسل إلى العرب ليفهموه ويتدبروا آياته ويعملوا بما يأمرهم به، ثم يقسم جامعاً بين القسم والشرط موجهاً الخطاب إلى النبي يحذره من اتباع الهوى بعد ما جاءه من العلم ويهدده بأن يتخلى عنه فلا من ينصره غير الله ولا من يحميه من عذاب الله، حاش النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبع الهوى، هوى نفسه أو هوى غيره بعدما تبين له الحق بالدليل، ولكن الخطاب مشرف به والقصد الأمة فلا يفكر أحد منها بمخالفة شرع الله لأنه إن فعل خسر من يواليه وخسر من يقيه عذاب الله.
ولما ذكر الرسل فيما سبق ناسب أن يعود إلى الحديث عنهم، لا عن استهزاء الأقوام بهم ولكن ليبين أن محمداً يجوز عليه ما يجوز على البشر من الزواج والذرية لأنها سنة الله في رسله فقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ* يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) لكن ما صح ولا استقام لرسول أي رسول أن يأتي بمعجزة مقترحة إلا بإذن الله برضاه، لكن للمعجزات أوقات لا تأتي فجأةً غب الطلب، بل لمجيئها وقت محدد، كتب الله ذلك في اللوح المحفوظ وذكر ما هو كائن إلى يوم القيامة، وتتابع الأنبياء والرسل ضرورة اقتضتها تربية الأمة، ونسخ بعض الشرائع وإثبات بعضها أمر يتفق والحكمة، فكل ذلك مرتبط بمشيئة الله، ينسخ من الشرائع ما شاء ويثبت ما شاء، وأصل الشرائع والأحكام في أم الكتاب، وما يستدل به بعض المسلمين بهذه الآية على إمكان تغيير القدر يخالف الشرع، فالقدر ثابت فإذا وقع صار قضاءً، وما علمه الله أنه كائن لابد أن يكون، والنسخ للأحكام لا لأعمال الناس، ولما رغب النبي في معاقبة بعض الكفرة أخبره جل جلاله أنه حتماً معاقبٌ لهم لكن في الوقت المناسب، إما أن يريه بعض الذي يعدهم به في الدنيا أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وعلى كل حال فمسؤولية الرسول إبلاغ الناس وبيان الحق بالأدلة الواضحة والحساب على الله عز وجل (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).
ثم بين للناس كمال قدرته وسعة علمه فقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) يقول أكذبوا ولم يعلموا أن الله هو وحده المتصرف في هذا الكون يأتي الأرض ينقصها من أطرافها، إما حسياً وقد رأيت ذلك على ضفاف المحيط في كليفورنيا، يأكل البحر من اليابسة في كل عام سنتيمترات، لا تكاد تراها العين ولكن عليها دليل حسي وهو تضرر الأرصفة نتيجة زحف الرمل إلى البحر، وإما معنوياً بموت العلماء لأن العلماء يحفظون الأرض ويعلمون الناس ما فيه صلاحهم، ومهما يكن من أمر فالله يحكم لا أحد يستطيع أن يعقّب حكمه وهو سريع الحساب لأن الحساب آت لا محالة، والدليل محاسبة الماكرين في هذه الدنيا بتسليط المؤمنين عليهم (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) دبروا في خفاء فعاملهم الله بعملهم وانتقم منهم في الوقت المناسب لأنه العالم بجميع أحوالهم وتصرفاتهم، ولا بد أن ينتصر الحق في النهاية، حينها يعلم الكفار لمن الغلبة في نهاية الأمر، وختم السورة بآية لخصت مضمون السورة وأقامت الدليل الذي لا يمكن رده فقال: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) بعد قيام الأدلة المتعددة المختلفة يصر أهل الباطل على باطلهم ويتبعون أهواءهم ولا يقنعون، لم تقنعهم الأدلة العقلية ولا البراهين الحسية فماذا يقنعهم؟! مرةً ثانية يقولون لست مرسلاً مع أن القرآن يشهد أنه مرسل والعقل يشهد والحس يشهد ولكن عقول الكافرين معطلة لا تعمل، إذاً لا بد من شهادة تكون بينةً كاملةً للرسول صلى الله عليه وسلم، يكفي في هذا أن يكون الله شاهداً وشهيداً بين محمد وبينهم، فالله وحده عنده علم الكتاب، الكتاب اللوح المحفوظ أو الكتاب الجنس أو المراد به الوحي المتلو، ولا شك أن خير من يشهد بصدق النبي الكتاب المعجز المنزل عليه وعند الله علمه، هذا ما أعان الله على قوله والله أسأل التوفيق والسداد.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة