الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

آيات دالةٌ على العظمة 
سورة الرعد   الآيات 1 - 18


سورة الرعد مدنية وقيل مكيّة واستفتاحها بالحروف المقطعة يلمح إلى أنها مكيّة لكن وردت الحروف في المدنية بإتفاق كسورة البقرة وآل عمران، استفتح البيان بالحروف المقطعة وجعلها أربعة ما دعا بعض المفسرين أن يأولوها ب"أنا الله أعلم وأرى"، وعندي أنها من جنس الحروف المقطعة التي وردت في القرآن للتحدي والإعجاز ودللت على ذلك فيما مضى وأزيد هنا ذكر آيات الكتاب عقبها ما يدل على المراد، وهذا النوع من الإستفتاح ورد في تسع وعشرين سورة من سور القرآن معظمها مكي وبعضها مدني وبعضها مختلف فيه، (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) إشارة إلى السورة، والكتاب هو المكتوب مفروضٌ على الأمة إتباعه وتنفيذ أحكامه، (وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) بيّن أن القرآن جميعه منزل على محمد صلى الله عليه وسلم من رب محمد، ووصفه بالحق أي الثابت نسبته إلى الله لأن البشر يعجزون عن الإتيان ببعضه فأحرى أن يعجزوا عن معارضته، لذلك ذيّل الآية بما يفهم منه أن الأكثر لا يؤمنون وأن القليل يؤمنون، ولما كانت مهمة الدعوة تقتضي إقامة الأدلة على التوحيد ناسب أن يذكر الدليل الأول من الطبيعة البعيدة (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) فذكر أنه رفع السموات بغير عمد ترونها، أهي مرفوعة بغير عمد البتة أم مرفوعة بعمد غير مرئيّ؟ وعلى كل حال فرفعها على هذه الصورة سواءٌ أكان بغير عمدٍ مرئيّ أو موجود أو كانت مرفوعةً هكذا بقدرة الله فهو دليل الإعجاز، لكننا نراها هكذا فلنتصور ما شئنا، وقوله:(ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) هذا التركيب يأتي للمرة الثانية بعد سورة الأعراف ويدل على أن الكون كله تحت سلطان الله وأن الله هو المتصرف الوحيد فيه وهذا يدل على كمال القدرة وسعة العلم وحسن التدبير ويؤكده تسخير الشمس والقمر إلى وقت محدد حين ينتهي دورهما آخر الزمان، فالأجل المسمى هو الوقت المحدد لإنتهاء عمل الشمس والقمر وأشير إليه في غير هذا الموضع (إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت) في مقدمات فناء هذا العالم، وقوله:(يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ) مما يؤكد على أن (استوى على العرش) فيها معنى الرعاية والتدبير لهذا الكون، فمملكة بلا ملك يحكم تصرفات المخلوقين لا يمكن أن يستقر فيها الأمر، ومعنى:(يُدَبِّرُ الأَمْرَ) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها، (يُفَصِّلُ الآيَاتِ) يوضحها ويبين ما فيها ليقنعكم أن هناك يوماً آخر يحاسب فيه العباد فيجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فاعتبروا بالأدلة راجين أن يزداد إيمانكم فتصلوا إلى درجة اليقين. ولما ذكر الطبيعة البعيدة ناسب أن يذكر الطبيعة القريبة فقال:(وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فذكر أولاً مد الأرض وهي بحسب الناظر لا أن الأرض مسطحة، وثقّلها بالجبال لأنها تتحرك بسرعة فلو لم تكن ثقيلة لاضطربت على أهلها فعجزوا عن البناء عليها والسير والعمل وغير ذلك، والأرض تواجه الشمس فلا بد من ماءٍ يخفف الحرارة فأوجد الأنهار وأمّن للناس الراحة عن طريق وجود الليل والنهار فالليل للنوم والراحة والنهار للعمل المنتج، ثم لفت إلى عظيم قدرة الله وسعة علمه وإتقانه لمخلوقاته فذكر أن في الأرض قطعاً متجاورات، الأرض واحدة والتراب واحد والماء الواحد والثمار مختلفة من جنات وأعناب ومن زرع لا ساق له ونخيل مختلف يسقى بماء واحد، وجه الإعجاز فيه أن بعض الثمار فيه أطيب من بعض، بل إن ثمار شجرة واحدة قد تختلف في الطعم فمنها اللذيذ والألذ، فهذا دليل واضح على وجود فاعل مختار يختار ما يشاء ويفعل ما يريد له الأمر وبيده الحكم، فهل يجوز بعد هذه الآيات أن ينكر البعث للحساب والثواب والعقاب؟، يأتي الجواب (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) إن خطر ببال أحدهم أن يتعجب من البعث للحساب فالعجب إنكار الحساب بعد قيام الأدلة على وجود الفاعل المختار، فالذي أوجد من العدم وربّى بالنعم قادرٌ على إعادة ما بدأ لأن الإعادة أسهل من البدء، وإعادة الموجود أكثر إمكاناً من الإيجاد ابتداءً، لذلك رد عليهم رداً قوياً فحكم عليهم بالكفر لأنهم أنكروا البعث، فإنكارهم له إنكار للباعث وجعل الكون كله عبثاً من العبث ما يستوجب المسؤولية الجزائية، لذلك حكم عليهم بأن الأغلال في أعناقهم وأنهم أصحاب النار هم فيها مقيمون إقامةً دائمةً ممتدة، لكن الناس لا يؤمنون رغم وضوح الأدلة وقوة الحجة لأنهم لا يريدون ذلك لأن مصلحتهم في إنكار البعث إذ يرتب عليهم مسؤولية جزائية لا يمكنهم التخلص منها إلا بإنكاره على حد قوله:(بل يريد الإنسان ليفجر أمامه*يسأل أيان يوم القيامة) لذلك وجهوا همهم في الرد على النبي بتعجيزه بأنه إن كان صادقاً فلينزل عليهم العذاب، فإذا لم ينزل شككوا فيه وسمحوا لأنفسهم أن ينكروا البعث والباعث ويفلتوا من قبضة الجبار (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ) يستعجلون بالسيئة قبل الإيمان ولما يعتبروا بما حصل لمن قبلهم من الأمم ما كان فيه عبرةً لهم على حد قولهم"السعيد من وعظ بغيره" على أن الله يمهل عباده ولا يهملهم لأنه صاحب المغفرة يغفر للناس ويعفو عنهم مع أنهم مصرون على الظلم غافلون عن أن الله شديد العقاب (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) ويحاولون ستر ظلمهم وباطلهم بطلب المعجزات التي يستدلون بها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ويتمنون مجيء المعجزة ليؤمنوا بها، ولعلها إن جاءت لا يؤمنون فيستحقون الإستئصال، إن واجب الرسول أن يبلغ الناس ولا عليه إن لم يقبلوا فوظيفته التبليغ وإقامة الحجة والله يتولى حساب الخلق، يوفق من شاء لطاعته ويخذل من يشاء لأنه علم أنه ذا نفس شريرة لا تقبل الخير ولا تدعو إليه ولا تقتنع به، وبيّن مقدار علمه فقال:(اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ*عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ*سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) تحدث في هذه الآيات عن سعة علم الله وشموله وبدأ بأشياء من عالم الغيب، حمل النساء أهو ذكر أم أنثى واحدٌ أو أكثر، سيتكامل خلقه أو يسقط قبل ذلك، على أن كل شيء عند الله محسوب مقدّر بمقدار معيّن، زاد أن علم الله محيط بعالم الغيب والشهادة، فالغيب كالروح والعلم والعقل، والشهادة كالجسم والعظم واللحم وكل ما له جرم يدرك بالحواس، وهو الكبير الذي لا أكبر منه في جميع صفاته وأفعاله، المتعال على كل ما فيه نقص أو ظلمٌ أو سوء، الخلق كلهم في قبضته عالمٌ بجميع أحوالهم سرها وجهرها، خفيها وظاهرها، من يتخفى في العبادة آناء الليل ويظهر إنساناً عادياً بالنهار، يكرمه الله غاية الإكرام (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) الله يحفظه فيسخر له ملائكةً يحيطون به من أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله يحفظونه بأمر الله، أو مسخرين له من أمر الله يحفظونه، على أنهم إن كان في ما يصيب العبد قدرٌ يخلون بينه وبين قدره، أما في الظروف العادية فيحمونه، ألم تر أن الإنسان قد ينكسر أمام عينيه زجاج فلا يصيب عينيه أو يسقط على الأرض فلا يصيبه شيء وقد تصيبه مصيبةٌ بسبب ذنب اقترفه أو قدر قدّره الله عليه، لذلك ذيّل الآية بقوله:(إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ..) فالمراد بالقدر البلاء الذي ينزل بسبب الذنوب فلا يرتفع هذا البلاء إلا بتوبة، وهذا معنى تغيير ما بأنفسهم من إصرار على المعصية إلى توبةٍ وإنابةٍ ومراجعة الحق، على أن قدر الله ثابت لا يتغير ولا يتبدل، فإذا قدّر الله على الإنسان شيئاً فلا يستطيع أحد دفعه لأن الله قد يبتلي الخلق فيظهر فضل الصالحين وزيف المخادعين ويكشف أخلاق الناس ومعاملاتهم، هو وحده الولي ولا في الكون غيره متصرفٌ قادر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشار إلى شيء من آثار قدرته فقال:(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ*وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) إذا ظهر البرق شعر العباد بالخوف منه والطمع فيه، الخوف لأنه يحمل شحنات كهربائية قد تحدث حريقاً أو دماراً، والطمع فيه لأن اجتماع الغيم وتكاثفه يؤذن بنزول المطر، وهو نتيجة وجود السحاب الممتلئ بالماء ذا الوزن الثقيل، ثم بيّن آثار النعمة في الرعد فبيّن أنه يسبح بحمد الله لأن الرعد بإذن الله يحدث في الأرض نوعاً من الفطر يعرف بالكمأة، وكلما كثر الرعد كثرت الكمأة، وهذه النبتة لا تزرع ولا يتولى الإنسان من أمرها شيئاً اللهم إلا جمعها وهي طعام لذيذ مغذٍ، فهذا إشارة إلى عظمة البارئ الذي ينزهه هذا المخلوق الضعيف الذي وجد من لاشيء، ولما ذكر تسبيح الرعد ذكر تسبيح الملائكة، والفرق واضح فالملائكة يسبحون من خيفة الله والرعد يسبح بحمده فيظهر آثار قدرته وعظمته وعلمه، وأشار إلى الصواعق جند من جند الله يصيب بها من يشاء، فذكر القسيم وألمح به إلى قسيمه يعني ويصرفها عمن يشاء، لكامل قدرته وسعة علمه وحكمته، ومع ذلك يأتي بعض الجهلة المغترين بحلم الله فيجادلون في الله، لكن الله شديد المحال قادر على البطش بمن شاء متى شاء وكيف شاء، لكنه حليم يمهل العصاة ويفسح لهم ليتوبوا فاعتبروا بذلك وعودوا إلى الله قبل فوات الأوان، سلموا له لتسلموا، أكد على ذلك بقوله:(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ) الله حق ومحمد حق والإسلام حق والدعوة إليه ثابتةٌ لأنه أمر ثابت ودين مستقيم، وإذا قارنا بين دعوة الله ودعوة الأصنام علمنا علم اليقين أن دعوة الله حق لأنه يجيب المضطر ويكشف السوء، وأما الأصنام فلا تنفع ولا تدفع، والله قادر على إغاثة من استغاث به، والأصنام لا تقدر على شيء لا تنفع ولا تدفع، ولله دره ما أجمله من مثال وما أوضحه من بيان حين عقد مقارنة بين دعوة الله ودعوة الأصنام، فجعل دعوة الله الحق والحق الثابت المدرك بالحس، وجعل دعوة الأصنام لا تستطيع أن تجيبه، مثله في ذلك مثل من يبسط كفيه إلى الماء ظاناً أن الماء يبلغ فاه، وسواءٌ أكان وضع الكفين في الماء وإيصالهما إلى الفم أو كان تشبيهاً تمثيلياً كالشجرة فأنها تشرب بجذورها ينتقل الماء عبرها إلى الأغصان والثمار، أما الإنسان فلا فمهما بسط كفيه إلى الماء لا يبلغ الماء فاه، لهذا ذيّل الآية بقوله:(وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ) يعني أصنامهم إلا في ضلال هباء وضياع، مِن ضل السكّر في الشاي أو ضل الملح في الماء، مع فرق وحيد أن السكّر والملح أثّر في الطعم ودعاء الأصنام لا يؤثر فيها لأنها حجارة لا تسمع، ولما قرر صفات الألوهية ناسب أن يبيّن أن جميع المخلوقات خاضعة لله منقادة لأمره طوعاً أو كرهاً فقال:(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) وأكد على هذا بالجزء الأخير من الآية (وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) فالإنسان يسجد لله طوعاً إن كان مؤمناً، يحكّم الله ويرضى حكمه، ومهما أصابه يحمد الله عليه ويطلب الأجر منه، والكافر يسجد لله رغم أنفه لأنه يمرض فلا يستطيع دفع المرض ويموت فلا يستطيع دفع الموت وتصيبه المصائب رغماً عنه، ولو آمن لأجر عليها، ولما كان في المخلوقين من يكابر فينكر الإله جزئياً أو كلياً، أعني أنه إما ملحد لا يؤمن بالإله أو يؤمن به ويشرك معه غيره، ناسب أن ينشئ حواراً يتولاه الله مع نبيه تشريفاً له ويتولاه النبي مع الناس تكليفاً، ليقيم الحجة ويدحض الشبهة فقال:(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) سألهم سؤالاً ليبني عليه مقتضاه، فأمر النبي أن يقول لهم من رب السموات والأرض، ولما كان الجواب بديهياً معترفاً به عندهم مقرراً في فطرهم لم ينتظرهم أن يجيبوا ولكنه أمر رسوله أن يجيب عنهم (قُلِ اللَّهُ) فإذا كان الله رب السموات والأرض أوجدهما من العدم هما وما فيهما من مخلوقات أفيكون من العقل تركه والإقبال على غيره؟!، ترك الغني القوي والإقبال على الفقير الضعيف العاجز الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، لاشك من يفعل ذلك أعمى لا يبصر ولا يميز، لذلك رتّب عليه السؤال الثاني (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) ولما كان الأعمى لا يميز بين الظلمات والنور ولا يفرق بينهما كانوا كمن جعلوا لله شركاء ولا يكونون شركاء حتى يخلقوا، ولم يثبت أن أحداً من المشركين ادعى أن هذه الأصنام أو الملائكة أو المسيح أو العزير خلقوا كخلق الله، لذلك تهكم بهم فقال:(فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) أي خلق الأصنام وخلق الله، لذلك رد كل ذلك وحكم بأن الله خالق كل شيء وأنه الواحد القهار، ودلل على عظيم قدرته وسعة علمه فقال:(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ) ماءً غزيراً فسالت أوديةٌ بقدرها، كثر الماء على الأرض فتحرك الوادي وحمل معه أشياء كثيرة، ولما تحرك الماء ظهر على وجهه شيء من الرغوة مشارٌ إليه بالزبد، وكلما كان الماء غزيراً كان الزبد رابياً وحمل معه أشياء يفيد منها الإنسان، بعض الأخشاب والأوراق توقد بها النار وينتج منها بعض الحليّ من المعادن رخيصة الثمن أو غالية الثمن، يتمتع بها الناس فترةً من الزمن ثم يلقونها، هكذا الإنسان يعيش فترة من الزمن في صراع مع الباطل، تارةً ينصره وطوراً يحاربه، ونتيجةً لذلك لا يصح إلا الصحيح ولا يثبت إلا الحق، أما الباطل فيذهب جفاءً أي بدون فائدة، وأما الحق فيمكث في الأرض يثبت ويقوى وينفع، لذلك ضرب الله المثل للمفيد وغير المفيد واستخلص النتيجة فبيّن أن للذين استجابوا لربهم الحسنى وهي دار كرامته، والذين لم يستجيبوا خسروا دنياهم وأخراهم وبحثوا عن وسيلة تنقذهم مما صاروا إليه، فاستعدوا لبذل الفداء وكان يكفيهم أقل القليل فلم يفعلوا، أضاعوا الفرصة وبعد فوات الأوان طلبوها، لخص كل ذلك في آية واحدة لو أن العقلاء يعتبرون فقال:(لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) "لو" حرف امتناع لوجود، لو أن لهم ما في الأرض جميعاً لافتدوا به، فإن أضفنا له مثله معه لبذلوه وافتدوا به ولكن ليس لهم مثل ذلك، ولو كان لهم لما قُبل منهم لأن وقت التكليف قد فات ووقت الجزاء قد حان، فما أغبى الإنسان حين يضيع الفرص ثم يبحث عنها فلا يجدها، فاللهم وفقنا لاغتنام الفرص والتحقق بها قبل فوات الأوان، قبل أن نندم ولات ساعة مندم.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة