الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

يوسف وإخوته  
سورة يوسف   الآيات 58 - 111


أصابت المجاعة أرض مصر وبلاد الشام فجعل الناس يبحثون عن الطعام، ولعل خبر مصر وصل إلى بلاد الشام فسافر إخوة يوسف يطلبون الطعام لأهلهم من مصر، إذ شاع بين الناس أن في مصر طعاماً (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) كان يوسف صغيراً حين ترك إخوته، فلما كبر تغيرت ملامحه واشتد عوده وقوي سلطانه ولم يخطر ببال إخوته أن هذا الذي جاؤا يطلبون منه الطعام هو الذي ألقوه في الجب من قبل، لكنه عرفهم لأن الكبير لا تتغير ملامحه العامة بل تبقى كما كانت، وجاؤا بأحد عشر بعيراً وهم عشرة، فسألهم ما قصة هذا البعير؟ فقالوا هو لأخينا الذي لا يسمح له أبوه بالسفر، لذلك جاء قوله تعالى:(وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ*فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ) فلما هيأ لهم الطعام المطلوب وأخذ منهم ثمنه في الظاهر وقبل أن يتركوه طلب إليهم أن يأتوا بهذا الأخ معهم في المرة القادمة، ودلل على حسن معاملته بأنه يوفي الكيل وخير من يضيّف زائريه، وهددهم أنهم إن لم يأتوا بأخيهم فلا كيل لهم عنده وأمرهم أن لا يقربوه (قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) قال الإخوة سنحاول إقناع أبينا أن يرسله معنا وتعهدوا بين يديه أن يفعلوا وأكدوا على فعلهم بمؤكدين "إنا" و"اللام المزحلقة"، وأراد يوسف أن يضمن عودتهم على أي حال مع أخيهم أو دونه فعمد إلى حيلة (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) في الظاهر أخذ الثمن وفي الحقيقة وضع ثمن كل حمل في متاع صاحبه، وبنو يعقوب لا يأكلون شيئاً لم يدفعوا ثمنه وبهذا ضمن عودتهم، إن لم يكن لأخذ الطعام فلأجل أن يردوا إليه ثمن الطعام الذي أعطاهم (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) أخبروا أباهم بما كان من أمر يوسف وطلبه إحضار أخيهم وأنه هددهم أنه إن لم يحضروا أخاهم لن يعطيهم طعاما، وطلبوا إلى أبيهم أن يرسل معهم أخاهم ليكتالوا وتعهدوا بحفظه، تذكر يعقوب عملهم الأول فتردد في إعطائهم أخيهم و (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) قال أبوهم أآمنكم عليه كما آمنتكم على أخيه من قبل فأضعتموه، تذكر أن الله حافظ لأخيهم فأشار إلى ذلك بقوله:(فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) لكنه لم يقل لهم شيئاً زيادةً على ذلك، وفي الظاهر لا زال يفكر أيرسل "بنيامين" أم ماذا يفعل؟ (وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) فتحوا متعاهم ووجدوا الثمن في داخل الكيس لعل الثمن كان نوعاً من المعاوضة شيءٌ يصنعونه في بلادهم لا يوجد في مصر أو مالٌ من مال بلادهم لا يتعامل به أهل مصر أو وجدوه في نفس الكيس ونفس الخاتم فعرفوا أن ذلك الثمن الذي دفعوه، عندها التجئوا إلى أبيهم قائلين هذا الثمن قد أعاده المصري إلينا فعلينا أن نعود إليه لنرد إليه ثمن ما أخذنا ونحضر الطعام لأهلنا، ونتعهد بحفظ أخينا ونزداد كيل بعير وهو كيل يسير ينفعنا في هذا الوقت، كان الأب خائفاً على ابنه لا يريد أن يرسله معهم أليربيهم أم لازال يشك فيهم؟ المهم أنه لا بد أن يأخذ عهداً موثّقاً أن يحفظوا إبنه وأن يأتوه به سالماً معافى من كل سوء إلاّ أن يغلبوا على أمرهم فيعجزون عن ذلك بقوة قاهرة (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) قرر الوالد أن لا يرسل معهم إبنه حتى يعطوه عهداً مؤكداً أن يلتزموا بإعادته معهم إلا إذا تعرضوا لظروف قاهرة منعتهم من ذلك، وحلّفهم أيماناً مغلظةً على ذلك، فلما حلفوا له (قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) وأوصى بنيه أن لا يدخلوا من باب واحد وأن يدخلوا من أبواب متفرقة، لعله احتياط من يعقوب أن لا يصاب أبناؤه بالعين أو لعله خشي عليهم مكيدةً كأن قلبه يقول له ثمة شيء قد يحدث لإبنك، شعور الأب الذي لا يحس به إلا هو (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) وتوكل على الله وفوض أمره إليه واستودع ابنه بين يديه، أطاع الأبناء أباهم وقال القرآن (وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) دخلوا من حيث أمرهم أبوهم وكان ذلك احتياطاً من يعقوب كما قلت أو لشيء في نفسه كما قال القرآن، على أن القرآن الكريم حكم ليعقوب أنه ذو علم لما أوحى الله به إليه ولكن الكثير من الناس لا يعلمون ويعيشون في الجهل، وحانت ساعة اللقاء ودخل الإخوة على يوسف فاحتضن أخاه وأخبره أنه أخوه وأمره أن لا يتأثر بما يفعل إخوته (وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، قسم يوسف اخوته اثنين اثنين فبقي واحد فضمه إليه، وهكذا أتيح له الخلوة بأخيه ومحادثته على انفراد، وأراد يوسف أن يبقي أخاه عنده فابتكر حيلةً وأوقع إخوته في الشرَك (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ*قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ*قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ) جهز يوسف إخوته بجهازهم وجعل المكيال الذي يكيل به للناس القمح في رحل بنيامين، وسار الإخوة في طريقهم وما إن قطعوا مسافةً قصيرة حتى سمعوا منادياً يخبرهم إنهم لسارقون، رجعوا إلى يوسف وسألوه ماذا تفقدون؟ قالوا نفقد الكأس الذي نكيل به القمح فمن يأتينا به فله حمل بعير وأنا أضمن ذلك له قاله المنادي رداً على الإخوة، أقسم الإخوة بالله ما جاؤا ليفسدوا في الأرض وما كانوا سارقين، فتحداهم قائلاً ما جزاء الذي تجازون به السارق؟ قالوا من وجد في رحله المسروق خذه عبداً لك، بدأ يوسف يبحث عن الصواع في أمتعة إخوته فمر عليهم جميعاً فلم يجد شيئاً، ولما وصل إلى رحل بنيامين أخرج الكأس منه ورأى ذلك الإخوة بأعينهم (قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ*قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ*قَالُواْ جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) هكذا استطاع يوسف أن يلجأ إخوته إلى تسليم أخيهم السارق وتنفيذ شريعة بني إسرائيل لا شريعة الفرعون لأن شريعة الفرعون تقضي بأن يغرّم السارق ضعف قيمة المسروق، أما شريعة بني إسرائيل فتقضي بأن يصير السارق عبداً لمن سرق منه، وصدق الله (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، كان على الإخوة أن لا ينفعلوا وأن يبقوا محافظين على مشاعرهم ملتزمين الهدوء صابرين ولا يستفزوا ولكن قدر الله كان أحكم، فإن يوسف ما كان ليستطيع أن يأخذ أخاه بحسب شريعة الملك السائدة في مصر ولكن إخوته أسلموه إلى قدره باختيارهم، هكذا الإنسان إذا انفعل أخطأ التصرف، ونبّه القرآن إلى قضية يغفل عنها الكثير أن فوق كل عالم عليمٌ أي أكثر علم منه، فليحرص الإنسان أن لا يغتر بعلمه ولا يتعالى على خلق الله، وعلى الإنسان أن لا يتكلم بكلام يكون حجة عليه أو يسيء في مستقبل الأيام إليه، فهؤلاء إخوة يوسف أضاعوا أخاهم ببساطة حين حكموا ليوسف أن يأخذ أخاهم وأساؤا إليه حين حكّموا شرع يعقوب والأصل تحكيم شرع البلد لأنه أرفق بهم وفيه مصلحة لهم ولكنها العصبية والإنفعال، ويوشك أن يقعوا في خطأ جديد حين اتهموا يوسف بالسرقة دون أن يدروا أن الذي يتحدث معهم هو نفسه يوسف (قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ) لكن يوسف لم ينفعل واكتفى بتأنيبهم وأنكر التهمة دون أن يصرّح بأنه المتهم وهذا معنى (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) ولما وصفهم أنهم في شر حال وشر مكان لم ينس تبرئة نفسه من السرقة حين فوض العلم إلى الله فيما اتهموه به كل ذلك دون أن يصرّح. أحس الإخوة بالذنب وعمق ما وقعوا فيه فبدؤا يبحثون عن طريقة يخلصون بها أخاهم من الأسر ويعودون به إلى أبيهم، فاستغلوا عاطفة يوسف وشفقته وأرادوا تهييج الرحمة فيه ف(قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) عرضوا عليه أن يختار واحداً منهم غير معيّن لا لأنه لم يسرق ولا لأنهم رفضوا الحكم الذي اقترحوه ولكن شفقةً على أبيهم ورحمة به وقد كبرت سنه وضعف عن تحمل ألم الفراق بعد أن فارق ابنه الأول، ونسبوه إلى الإحسان يريدون أن يحركوا فيه شعور العطف والتسامح، لكن يوسف أحسن التخطيط وأحسن التنفيذ ووصل إلى مراده من أيسر طريق، ولا يريد أن يتخلى عن أخيه ولو لفترة يسيرة يربي إخوته ويعلمهم الإستقامة والمحبة والتعاون (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ) قال إنني إن أخذت غير الذي سرق مني وضعت الأمور في غير موضعها وأعوذ بالله أن أفعل شيئاً يوقعني في الظلم ظلم نفسي أو ظلم غيري، يئس الإخوة من عودة أخيهم إليهم وعلموا أن لا سبيل لعودته وعرفوا جهلهم وعجزهم وضعفهم، فاجتمعوا ليبحثوا في الأمر ماذا يفعلون وبما يجيبون أباهم إذا سألهم عن ابنه (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) قال الرجل الصالح منهم الذي حمى يوسف من القتل ووقف إلى جانبه سراً، لخّص حديثهم في كلمات الأولى أعلمهم أن أباهم قد أخذ عليهم عهداً مؤكداً أقسموا عليه ووثقوه بأن لا يرجعوا دون أخيهم وقد أخطؤا مرة حين باعوا يوسف أو تركوا يوسف ولا يمكن أن يخطؤا مرة ثانية، وأخبرهم هذا الأخ الطيب أنه لن يبرح الأرض حتى يأذن له أبوه أو يحكم الله له فيأخذ معه أخاه إلى أبيه وفوض الأمر إلى الله وتبرأ من قوته إلى قوة الله (ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ*وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) أمرهم أخوهم أن يرجعوا إلى أبيهم فيخبروه بما كان من ابنه وأنهم رأوا حرس الملك يخرجون الكأس من رحل بنيامين فصار لديهم علم يقيني أن ابنه سرق وأنهم لم يعلموا ذلك إلا بعد وقوعه، وطلبوا إلى أبيهم أن يسأل أهل القرية التي كانوا فيها وأصحاب القافلة التي أقبلوا فيها واقسموا له إنهم لصادقون، لكن أباهم لم يصدقهم لأن من يكذب مرةً يجوز أن يكذب مرات (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) اتهمهم ولعله في قرارة نفسه مطمئن إلى سلامة ولديه يوسف وأخيه، وقرر أن صبره صبر جميل لا يعقب سخطاً ولا ألماً، ورجى أن يأتيه الله بهم جميعاً يوسف وأخيه الكبير وبنيامين، وقرر أن الله العليم بكل شيء الحكيم في تصرفاته يضع الأمور في موضعها يبتلي الخلق ليكشف زيف الزائفين وضعف الضعفاء وصدق الصادقين، وتركهم وتذكّر يوسف وندب حظه معه فبكى (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ*قَالُواْ تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ*قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) بكى على يوسف بكاءً شديداً حتى أتعب عينيه من شدة الحزن وكظم غيظه فلم يتكلم بشيء، ما دعا أبناءه إلى الخوف عليه فلاموه أن أكثر من البكاء على يوسف وخوفوه الهلاك من كثرة البكاء أو العجز، فأخبرهم أنه يشكو حزنه وألمه إلى الله ويعلم من الله ما لا يعلمون. حرك في أنفس أبنائه الرغبة في البحث عن يوسف، فلربما كان نفسه الذي يزعجهم ويقلق راحتهم دون أن يصرح بذلك بل اكتفى بذكر يوسف مع أخيه فقال:(يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) وهكذا ألمح إليهم أن الذي فعل ما فعل ربما يكون يوسف عليه السلام، فليعودوا إليه يستأنسون به ويحركون عاطفته عله يعرف شيئاً عن يوسف أو ربما يكون هو نفسه، وبيّن لهم أن الأمل موجود ما دامت الحياة وأن لا أحد ييأس من روح الله إلا من لا يؤمن بالله، وهكذا دخلوا على يوسف متنبهين فما إن ظهر منه ما يدل عليه إلا وعرفوا ذلك منه (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) حرّكوا عاطفته وذكّروه والده وما يعاني من فقد ولديه، فسألهم سؤالاً يفهم منه دقة علمه بقصة يوسف (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) هذه القصة لا يعلمها إلا يوسف وهم حتى أخوه لا يعلمها، من هنا أيقنوا أن محدثهم يوسف فردوا عليه (قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ*قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) فلما سألهم سؤالاً لا يعلم حقيقته إلا يوسف وهم استنتجوا أنه يوسف ولعل طريقته في السؤال أو حركةً ما تحركها نبهتهم إليه، فاستعلموا منه واستفهموا فأجابهم بكل صراحة أنه هو وأن الثاني أخاه وأن الله قد منّ عليهما، وبيّن سبب نعمة الله عليهما وهما شرطان: أن يتقِ ويصبر ولم يأتِ بجواب الشرط ولكن بجملة اسمية مؤكدة ب"إنّ" منفية الخبر (لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) فاعترف أنه وأخاه من المحسنين المستحقين لإحسان الله وحذف معمول "يتق" و"يصبر" ليدل على العموم في الزمان والمكان والصفة، هنا علم الإخوة أنهم كانوا خاطئين والخاطئ من يتعمد الخطأ، ونظروا إليه فرأوا حاله ومكانه ومكانته أين هم منه، أرادوا التخلص منه فأكرمه الله وحماه ونصره وأحوجهم إليه، أقسموا بالله على أن الله فضله عليهم فعذرهم وقبل اعتذارهم (قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) قبل عذرهم وعذرهم وعفى عنهم، ثم أمرهم أن يأخذوا قميصه وأشار إلى قميص معيّن لا أدري لعله الذي كان يلبسه حين خرج من بيت أبيه أو قميص آخر وطلب إليهم أن يلقوه على وجه أبيه، فإن فعلوا عاد إلى عينيه صفاؤها، وأمرهم أن يأتوه بأهلهم أجمعين (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) سبحان الله أحس الأب إمّا بما يسمونه الحاسة السادسة أو عن طريق الوحي أو ربما لشدة شوقه إلى ابنه، قال لمن في البيت معه في فلسطين إني لأجد ريح يوسف لولا أن تتهموني بضياع العقل فرد القوم عليه على عادتهم (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ*قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) مضت القافلة إلى فلسطين ومعها القميص (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) فباح لأبنائه بالحقيقة، هذه الحقيقة التي لم يكونوا ليصدقوها لو لم يحصل ما حصل، وعين ما قال يوسف لإخوته قاله محمد صلى الله عليه وسلم لأهل مكة لأن محمداً صلى الله عليه وسلم تعلم الدرس بالقدوة ونجح أيما نجاح، هنا اعترف الأخوة بذنبهم وسألوا والدهم السماح وطلبوا منه أن يدعو الله لهم (قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ*قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) لم يستغفر لهم لأحد سببين: إما لأنه انتظر يوسف ليسأله أعفى عنهم فيستغفر لهم، أو أنه أخر الإستغفار إلى وقت السحر حين يجاب الدعاء وتقضى الحاجات، على أنه سامحهم بناءً على قوله عن الله إن شأنه أنه الغفور الرحيم، وهنا تحركت القصة بسرعة فأرانا يعقوب وأولاده الأحد عشر في قصر يوسف عليه السلام حين رحّب بهم ودعا لهم بالتوفيق وطيب الإقامة في مصر، ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وجاء بهذا تأويل الرؤيا التي أريها قبل ثلاثين أو أربعين سنة (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ*وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فُسرت رؤيا يوسف عليه السلام بعد مدة طويلة وتجلى في هذه الآية لطف يوسف وأدبه حين قال:(هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا...) لم يذكر الجبّ ولا بيع إخوته له واكتفى بالتلميح عن التصريح، وجاء بكم من البدو واكتفى بالإشارة إلى أن الشيطان نزغ بينه وبين إخوته ولم يصرّح بما نزغ به، وختم الآية بقوله:(إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) فعلّم العباد التخطيط والتنفيذ والصبر والثبات على المنهج والمراقبة والسعي في تحقيق المراد بتؤدة وأناة، وبعد أن تمت القصة نادى ربه حامداً له ذاكراً آلاءه (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) حمد الله على ما أنعم به عليه من الملك والسلطان والتصرف في مقدرات البلاد والتكرم على العباد وتعليمه تأويل الأحلام ناسباً كل ذلك إلى الله فاطر السماوات والأرض يتولاه ولا يتولى غيره في الدنيا والآخرة، وطلب منه حسن الختام والوفاة على الإسلام وأن يلحقه بالصالحين، وآن للقرآن أن يستنبط العبر فبيّن أن هذه القصة من عالم الغيب الذي أوحاه الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وبيّن أن محمداً لم يكن مع إخوة يوسف حين أجمعوا أمرهم وتآمروا على أخيهم ومكروا به وحبسوه في الجب وربما باعوه وأبعدوه عن أبيه، تفاصيل دقيقة في القصة لا يعلمها إلا الله وهو الذي علّمها محمداً صلى الله عليه وسلم، وليس إخوة يوسف بدعاً من الناس بل هم مثل غيرهم لأن غالبية الناس مهما حاولت هدايتهم لا يؤمنون، أعمى أبصارهم الطمع وغرتهم الحياة الدنيا وشغلوا بالعاجل عن الآجل (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ*وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) علّم النبي صلى الله عليه وسلم الناس القرآن وأخلص في ذلك، قدّم لقريش الورد فقدمت له الشوك وقدم لهم الهدى فأرادوا قتله، لم يسألهم شيئاً ومع ذلك بالغوا في عداوته (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ) يشرّف الناس ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ويدعوهم إلى عبادة الواحد القهار، يصوّب مسارهم ويقوّم ما اعوج من أخلاقهم، ولكن الهوى وحب النفس قد يعمي الإنسان عن إبصار الحق ويصم أذنيه عن سماع داعيه، والله يكرم عباده بآيات في السموات والأرض يمر الناس عليها وهم معرضون (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) شأن قريش التي كانت تعبد الله وتعرف أنه الخالق والرازق والمستحق للحمد وله الملك ومع ذلك كانت تعبد معه غيره، وإلى خطأ طالما كرره أهل مكة "لبيك لا شريك لبيك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك" فجاءت الآية ترد عليهم بأوضح عبارة (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) وهنا جاء وقت الوعيد والتهديد بعذاب دنيوي أو قيام الساعة في غفلة من الناس فعلى العاقل أن يتنبه إلى نفسه وحاله ويعتبر بما أصاب الآخرين (أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) مهما يكن فطريق الرسول واضح بيّنٌ عرف ما يريد فسعى إلى تحقيقه، وما يراد به وله فسعى لإجتنابه ورده، وبيّن هنا أن طريق الإسلام طريق واضح وأن المسلم يجب أن يكون عالماً بما يدعو إليه قادراً على إيصال الدعوة إلى أصحابها لأنها وظيفة الأنبياء (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) تنزيه لله عن كل ما لا يليق به وتبرؤٌ من الشرك بجميع أنواعه وأشكاله، ثم بيّن أن الأنبياء الذين سبقوهم كانوا من البشر يحسون بآلامهم ويطمعون إلى تحقيق آمالهم، وأن الله نبّه البشر على لسان الأنبياء أن يحذروا عاقبة الذين من قبلهم، وبيّن أن الآخرة خير من الدنيا للذين يتقون (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) فإذا أصر الناس على باطلهم وأعرضوا عن الرسل ولم يتبعوا المنهج وأوشك الرسل أن يفقدوا الثقة بالمدعويين أتاهم نصر الله فنجّى الله من يشاء وأهلك من شاء، فما استطاع أحد رد القضاء عنهم (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ). وختم السورة بما يليق بقصة عظيمةٍ جسدت السيرة النبوية بمعظم مفارقها وبيّنت للناس العبرة فيما سردت فكانت منهجاً رائعاً يقتدى به ويسار على منهجه، لم يكن القرآن حديثاً مكذوباً ولا مخترعاً من محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه كان وحياً فيه تفصيل كل ما يحتاج إليه البشر وفيه هدى أي خارطة طريق يمكن أن يُسار عليها فتحقق للمؤمنين رحمةً في الدنيا والآخرة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة