الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

النفعُ في أربعة 


  
   
كتب ابن عطاء الله إلى بعض أخوانه يقول: وبعد: (فلا أرى شيئاً أنفع لك من أمور أربعة: الاستسلام إلى الله، والتضرع إليه، وحسن الظن به، وتجديد التوبة إليه).

   
الاستسلام معناه طلب السلام من الله بإسلام النفس إليه (إِذ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) وهذا (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) هو الدين الحق المتضمن الانقياد التام إلى الله، لأنه الخالق المنعم المتفضل، وبهذا حرر إبراهيم أبو الأنبياء نفسه من الاعتماد على غير الله وفوض أمره إليه، لأنه أيقن أن الكون كون الله، يفعل ما يشاء ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، فالسعيد من أطاعه.
 
 
    (ففي الاستسلام إليه الراحة من التدبير معه عاجلاً) إن الله كلف الناس بالعمل النافع: النافع للنفس بجلب النفع لها، أو دفع الضر عنها، النافع للآخرين، بجلب النفع لهم أو دفع الضر عنهم والناظر في كتاب الله العزيز يجد أن الله قرن الإيمان بالعمل لأن العمل دليل حسي على الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجزن فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت... ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل) وهذا المعنى هو الذي أشار إليه ابن عطاء الله: (ففي الاستسلام... فقوله (الراحة من التدبير معه) دعوة إلى طاعة الله ظاهراً وباطناً والرضى عنه طلباً لرضاه، والإنسان بحاجة إلى من يلجأ إليه ويعتمد عليه، من هنا استحق من يعتمد على الله وحده ولا يعتمد على غيره، أياً كان استحق الأجر في الآخرة لكمال إيمانه قال: (والظفر بالمنة العظمى آجلاً، والسلامة من الشرك بالمنازعة، ومن أين لك أن تنازعه فيما لا تملكه معه، والتي نفسك في مملكته فإنك قليل في كثيرها، وصغير في كبيرها، يدبرك كما يدبرها، فلا تخرج عما هو لك من العبودية، إلى ما ليس لك من ادعاء وصف الربوبية)، فتحل ما حرم الله وتنصب نفسك حاكماً على خلق الله، فتحكم عليهم بالوهم وأنت وهم عبيد لله الواحد القهار، قهركم بالمرض والموت والرزق، فإن كنت كما تدعي، فامنع نفسك من المرض والموت، وارزق نفسك ما تحب من المال والعلم والجاه، فإن عجزت فاعلم (أن التدبير والاختيار من كبائر القلوب والأسرار) أفعال الإنسان قسمان: جِبلّي لا يتعلق بها تكليف، لأنه لا اختيار فيها، واختيارية يفعلها الإنسان بمطلق حريته، فهو مسئول عنها محاسب عليها، لذلك يجب عليه قبل أن يقدم على عمل ما قولاً أو فعلاً أن يعرف حكم الله فيه، وأشار الله إلى القسم الأول بقوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)   ما صح ولا استقام أن يختار اسمه ونسبه، ولا لون بشرته ولا عينيه، ولا يختار أمه وأباه، ولا وقت ولادته وموته، فالله يخلق ما يشاء من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية والحياة والموت، فلا يكون في ملكه إلا ما يريد ( مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)في الجبلّيات والاتفاقيات أما التكليفات فالإنسان حر في الفعل أو الترك، وإن كان الله عالماً باختيار المكلف لكن لا يحاسبه على ما علمه منه، بل على ما عمله بالفعل، وإن خلق الله فيه القدرة على الفعل، لأن حرية التكليف تقتضي ذلك، وختم بالاخبار عن تنـزيه الله عما يحاول إلحاقه به بعض الناس من شريك، واختياره المضارع من الأفعال لينبه إلى استمرار ذلك منهم بحرية التكليف المقتضية ترك المكلف وما يختار، ومحاسبته عليه فيتميز البَر من الفاجر، والمطيع من العاصي، والمستسلم إلى الله من المعرض عن أمره ونهيه.

    قال: (وأما التضرع إلى الله تعالى – ففيه نزول الزوائد) أعني الرحمة والبركة والتوفيق والتسديد في القول والفعل، لأن فيه الالتجاء بالكلية إلى الله. (ورفع الشدائد، والانطواء في أردية المنن، والسلامة من المحن) ذلك أن الكون كله يسير وفق أوامر الله، فإذا كان الإنسان مطيعاً لله ملتجئاًَ إليه أحس بالسعادة والأمن والاطمئنان. إلى ذلك أشار بقوله (فتعوض... أن يتولى مولاك دفع المضار عنك، وجلب المسار لك)، ما ذاك إلا لأنك وثقت به واعتمدت عليه (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) فيجيبكم، فالتضرع إلى الله باب عظيم الفضل عميم الفائدة.

قال: (وأما حسن الظن بالله فبخ بخ بمَن مَنَّ الله عليه بها، فمن وجدها لم يفقد من الخير شيئاً)، قال عليه الصلاة والسلام عن ربه (أنا عند ظن عبدي بي) فمن فقد حسن الظن بالله لم يجد شيئاً، حسن الظن بالله خير ما ينفع الإنسان عند ربه، فإنه يعلّمه عن الله ما يريد أن يصنعه به، وتبشره ببشائر لا تقرأ سطورها العينان، ولا يترجم عنها اللسان، فإن الله يعامل عبده بما يعلمه منه، وخيراً مما يعلمه العبد تفضلاً.

    قال: (وأما تجديد التوبة إليه فهي عين كل رتبة ومقام أوله وآخره، باطنه وظاهره، لا مزية لمن فقدها، ولا فقد لمن وجدها، مفتاح كل خير ظاهر وباطن، لم يجعل الحق سبحانه رتبة دونها إلا الظلم فقال: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فالتوبة إلى الله مطلوبة من جميع الخلق، لأن الله ركّب في الإنسان ما يحركه ليعمر الأرض ويصلحها وقد تتعارض فيقع الخطأ وتجب التوبة. وفي التوبة اعتراف بالضعف والعجز والحاجة، وتعين على وضع ما يقي الإنسان عذاب الله لأنها تعين على المراقبة، من هنا أطلق بعضهم التقوى على التوبة من إطلاق السبب وإرادة المسبب، وآيات القرآن تحض على التقوى وترغب فيها، فإنها جماع كل خير وفضيلة، تصوب المسار وتقوّم السلوك.
رزقني الله وإياكم الانتفاع بهذه الأربع، ووفقنا لما فيه رضاه.


الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة