الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

نعم متواليه والحياة ليست باقية  
سورة النحل   الآيات 1 - 36


لما ذكر في آخر سورة الحجر العبادة وجعل أمدها حتى يأتيه اليقين، وكان اليقين أحد أمرين: الموت أو الحساب يوم الحساب، وكان ذلك يأتي بأمر الله، ناسب أن يجعل بعد سورة الحجر سورة النحل، وسورة النحل وإن كان اسمها كذلك فالأولى بها أن تسمى سورة النعم لكثرة ما ذكر فيها من النعم، بدءً من إنزال الملائكة بالوحي الإلهي (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ*يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ) أخبر أن أمر الله آتٍ وقال:(أتى) لتحقق الوقوع وإلا فهو سيأتي بدليل بقية الآية (فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) ثم نزّه الله ورفع من شأنه عما يحاول الكفرة إلحاقه به من النقائص كنسبة الولد إليه، فهو المنزّه عن أن يكون له ولد أو صاحبة إذ لا حاجة به إلى شيء من ذلك، فهو الذي ينزّل الملائكة بالوحي الإلهي الذي به حياة الناس المعنوية، يخص بالرسالة من يشاء، يأمره أن ينذر الخلق أن لا مستحق للعبادة إلا إياه، إذا كان كذلك فاتقوني ولا تتقوا غيري، ثم بدأ بأول النعم (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) لم يدّعِ أحد أن شيئاً من آلهتهم التي يعبدون خلق السموات والأرض وما فيهما ومن فيهما فيلزمهم الخضوع لله وحده ما داموا قد أقروا أن الله خلق السموات والأرض وما فيهما فيلزمهم أن ينزهوا الله عن الشريك، ثم ذكر النعمة الثانية التي جحدها الإنسان (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ) أصل الإنسان نقطة ماء حولها الله إلى إنسان يعقل وينطق ويتكلم، فاستغل نعمة الله بحرب الله ومعاندته، واستخدم "إذا" الفجائية فما إن خرج من النطفة حتى انقلب مخاصماً لله قوي الحجة بينَها يعاند الله، ألم ينظر في الأدلة الدالة على ضعفه وعجزه وقوة الله وغناه، لينظر أولاً إلى الأنعام وهي أربعة أو ثمانية أزواج: الإبل والبقر والغنم والماعز وما فيها من فوائد (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ*وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ*وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) فصوفها ووبرها وشعرها يصنع من بعض ذلك الثياب ومن بعضه الخيم ومن بعضه الفرش، ومن لحمها الطعام، ومن وبر الجمل تصنع الثياب التي تقاوم البرد، والخيام التي تقاوم الريح والمطر، ومن صوف الخراف ما يكون جمالاً للرجل والمرأة، وهذه الأصناف الأربعة هي الثروة المعروفة في ذلك الزمان البعيد، تدل على العز والغنى حين تكون قريباً من البيت وحين يخرج بها الراعي إلى البرية، ثم ذكر نعمة من نعم الله يدركها الإنسان إذا سافر من بلد إلى بلد، فالجمال تحمل الأثقال وتقطع الصحاري وتوصل الإنسان إلى بلد الله الحرام لأداء فريضة الحج أو العمرة، وأخبر عن البلد بقوله:(إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ) إن الحج من الصعوبة بمكان لمن يريد أن يؤديه على الوجه الذي أمر الله وعلى الصفة التي يجب أن يلتزم بها الحجاج، إنها لمشقة ما بعدها من مشقة، والحجاج اليوم يحتالون فيتركون كثيراً من الواجبات ويحاولون أن يتخلصوا منها بتتبع الرخص والتلفيق بين المذاهب ومحاولة الأخذ بالرخص من المذاهب المختلفة، ولكن الله جعل الحج مراحل كمراحل الجهاد ومدرسةً تعلم الناس كيف ينتقلون من مرحلة إلى مرحلة ليكون الحج معلماً للتخطيط والتنفيذ والصبر على المشاق والحلم في معاملة الرفاق، ولما ذكر الحج ناسب أن يذكر بعض الحيوانات التي يستعان بها في السفر وفي الحضر فقال:(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) فذكر الخيل ولا تستطيع أن تقطع المسافات الطوال بل لا بد أن تستريح وهذا أوحى إلى المسلمين فكرة البريد التي إبتكرها الخلفاء الراشدون لإبلاغ الأوامر وتلقي أخبار الجند والغزاة والمسافرين، فجعلوا البريد مسافةً معينة يستطيع الحصان قطعها ولا بد أن يستريح بعدها، فإذا كان القائد بحاجة إلى إيصال خبر أو معرفة خبر فإن حصانه يصل إلى نهاية البريد فيتركه ويأخذ آخر من البريد الثاني ويتركه ويأخذ ثالثاً من البريد الثالث وهكذا حتى يبلغ المكان الذي يريده ويقضي حاجته ويكون الحصان الأخير قد استراح فيركبه وإذا وصل إلى المكان الثاني اخذ الحصان وترك الآخر وهكذا حتى يعود إلى المكان الذي انطلق منه ويعود على الحصان الذي غادر عليه، وهكذا استطاع المسلمون نقل الأوامر والرسائل وإبلاغ الحكام التعليمات في أقصر مدة، ولما كان الحصان لا يصلح للحمل خلق الله البغل وهو هجين بين الحصان والحمار، فأمه حمار وابوه حصان، فجاء كبير الجسم قوياً من الحصان وصبوراً يتحمل الصعاب من الحمار فجمع القوة واللين، والحمار حيوان سهل لين يصعد الجبال، فامتن الله على العباد بهذه الثلاثة لأن كل واحد منها يصلح لمهمة لذلك قال:(لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) وأدخل في بقية الآية (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) الطائرات والبواخر والسيارات كبيرها وصغيرها. ولما كان السفر مظنة الهلاك أو فيه خوف منه ناسب أن يقول:(وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) تكفل الله بحفظ الطرقات وحفظ الناس عليها وهو وحده الحامي لخلقه، ولله دره ما أجمله من كلام حين ينتقل من السبيل الحسي إلى السبيل المعنوي فيبين أنه القادر على توفيق الخلق لسلوك سبيل الرشاد وأن يعصمهم من سبيل الردى، إلى ذلك أشار بقوله:(وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) فعلى العقلاء أن يؤمنوا به ويطهروا قلوبهم عن كل وصف يباعدهم عن الله، لذلك ناسب أن يذكر شيئاً من الأدلة التي تقوي الإيمان وتثبته في النفس فبدأ بالآيات من الطبيعة القريبة فقال:(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ*يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الله وحده الذي ينزل الماء وهو الذي جعل فيه فوائد، ذلك أنه عصب الحياة يحتاج إليه كل مخلوق من حيوان وغيره، أشار هنا إلى الأشجار صغيرها وكبيرها، وذكر الزرع وهو ما لا ساق له، والزيتون والرمان ما لها ساق ترتفع في السماء، والأعناب ترتفع على عريش يعرشه لها الإنسان، وبعد أن خصص عمم فقال:(وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) فالماء والتراب واحد والثمرات مختلفة، وهذا يدل على فاعل مختار يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، والتفكر في هذه الآية ينقل الإنسان من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان بالله الواحد القهار، وآية ثانية ونعمة أنعم بها على بني آدم وهي تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، فالشمس تنشر الحياة وتنشر الدفء، والنور والنهار يمكّن الناس من العمل، والليل يمكّنهم من الراحة، والنجوم تدل على المواقع في الليل، كل ذلك مسخّر بأمر الله ما يدعو العاقل إلى الإيمان، ويثبت إيمانه النظر في المخلوقات المنتشرة في الأرض (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ*وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) كان هذا في البر من الطبيعة القريبة، وثمة آيات في البحر وفوائد منه تدل على الفاعل المختار (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) يخبر أنه ذلل لنا البحر نصيد منه ونستخرج منه اللؤلؤ والمرجان، وتسير فيه الفلك تمخر عُبابه لتصل إلى أطراف الأرض، تجلب البضائع من هنا وهناك، تؤمن للناس حياة رغيدة، فتأملوا عظمة الله كيف جعل في الماء القدرة على حمل الحديد وجعل فيه الخيرات، فاللحم يستخرج منه والجواهر تستخرج منه، على أن كلمة البحر تعني الماء الكثير فيدخل فيه البحر المعروف والأنهار الكبيرة، فإذا تفكرتم أدركتم عظمة الله فآمنتم به وأطعتموه، وعاد إلى الأرض فذكر أنه ثبتها بالجبال حتى لا تضطرب على أهلها ولا تسقط عنها الأبنية، وجعل فيها الأنهار تلطف الجو وتؤمن للناس الماء الذي به قوام حياتهم، وبواسطة الجبال تعرف الأماكن ويهتدي الإنسان إلى الأرض التي ولد فيها وعاش، وأكد على الإهتداء بقوله:(وعلامات) كأن الجبال لها هدفان: تثبيت الأرض وجعل معالم يهتدي بها الناس إلى المكان الذي انطلقوا منه فيسهل عليهم العودة إليه، ولما ذكر أن الجبال علامات ناسب أن يذكر علامة أخرى يعرفها العرب يهتدون بها في ظلمات الليل، فيعرفون الإتجاه ويصلون إلى هدفهم (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ*وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) والمراد بالنجم الجنس لأنه مفرد معرّف، ويجوز أن يراد به النجوم وهي نجوم معروفة للعرب خاصةً من كان يسافر منهم في الليل كقريش، فلكل نجم جهة يكون فيها بواسطته يهتدون إلى الطريق التي يريدون. هذا خلق الله الذي أنكره العرب وتركوا الخالق وعبدوا الحجارة أو الأشخاص فكيف يصرفهم عن باطلهم؟ بيّن لنا طريقة رائعة في الحوار تفحم الخصم وترد كيده إلى نحره فقال:(أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) الأقرب أن يقال لهم سويتم العاجز الضعيف بالقادر القوي، وعليه فكان ترتيب الآية على العكس في الواقع، أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ وإنما عدل عن ذلك إلى النظم ليلزمهم الحجة ويقطع عذرهم ولأن في معبوداتهم عقلاء، ثم ذيّل الآية بجملتين حذف إحداهما وأدخل همزة الإستفهام على المحذوف وذكر المعطوف عليه (أ) تعلمون ذلك علماً يقينياً (فَلا تَذَكَّرُونَ)، ولما كانت نعم الله على عباده كثيرة يعسر عدها دون خطأ ناسب أن يلمح إلى ذلك ناهياً عن إحصائها فقال:(وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) نهاهم أن يحصوا نعم الله لكثرتها وعجزهم، وأمرهم ضمناً بشكرها، وتجاوز عن تقصيرهم فبين أنه غفور رحيم، بجملة مؤكدة بمؤكدين "إن" واللام المزحلقة، ثم ذكر شيئاً من علمه يوازن بينه وبين علم المعبودين الأخر فقال:(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) فعلمه محيط لا يخفى عليه شيء، أما معبودهم فإضافةً إلى أنهم عاجزون لا يقدرون على الخلق هم مخلوقون لله وفي نفس الوقت هم حجارة لا تسمع ولا تعقل فاستعار لهم أموات غير أحياء، لأن الأموات لا يسمعون ولا يفعلون، وهؤلاء الأموات ينتظرون البعث فقال:(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) فهذه الأصنام التي عبدها العرب مخلوقة إن كان ما صُنع منه فمخلوق لله، والناس هم الذين ركّبوها على هذه الصورة فمخلوقون، مخلوق لمخلوق عاجز ضعيف يشبه الميْتَ، لذلك أكد المنطوق بالمفهوم فجعل منطوق الثانية مفهوم الأولى ومنطوق الأولى مفهوم الثانية، ثم أكّد على ذلك بنهاية الآية فأخبر أنهم ينتظرون الوقت الذي يبعثون فيه للحساب والجزاء تهكماً بهم ومعاملةً لهذه الحجارة معاملة الأحياء، واستخلص من ذلك القضية التي يدعو إليها ويقيم الدليل عليها، عنيت الإيمان بالله واليوم الآخر فقال:(إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ) فقرر أن المستحق للعبادة واحد لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وأن اليوم الآخر حق وإن أنكرته قلوب الكافرين لأنهم تكبروا عن قبول الحق والخضوع له، ثم جاء بالدليل الذي يبرهن إنكارهم وتكبرهم فقال:(لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) فالله يعلم جهر القوم وسرهم ما يخفون وما يعلنون، وأعلن أنه لا يثيب المستكبرين لأنهم تكبروا عن قبول الحق والخضوع له ورضوا بمعاملته ومخالفة أمره، وإذا سألوا عن الوحي المتلو حاولوا تشويه صورته فاتهموه أنه حكايات من الزمن الغابر يقولها محمد، فناسب أن يتهددهم بالعذاب يوم القيامة ويحملهم أوزاراً إقترفوها، ومن أوزار الذين أضلوهم على حد قوله:"ومن سن سنة سيئة فعليها وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ*لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ) إن الإنسان يجني على نفسه كل ما حاول أن يجني على غيره لأنه مسؤول عن عمله محاسب عليه، ثم إن الله شبّه الذين يحاربون شرع الله وأولياء الله بمن بنى بنايةً على أساس خاطئ فجاءها عقوبة من الله، أنظر إليه ما أجمله (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) دبروا في خفاء لحرب الإسلام وجندوا الجنود لمقاتلة المسلمين (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ) المجيء لأمر الله لا لذاته، فقد أمر أن يهدم هذا البنيان من جهة قواعده على طريق الإستعارة التمثيلية، كأنهم لما تطاولوا في حرب الإسلام بالغوا في بناء قوة تحاربه فأصاب قواعدها أمر الله فسقط عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ) هكذا هلكوا وقطع دابرهم في الدنيا، وهذا العذاب لا يغني عن عذاب يوم القيامة، إلى ذلك اشار بقوله:(ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ*الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) فبين أن الخزي كل الخزي حين يفقد العابدون معبوديهم بعد أن ظلموا أنفسهم بعبادتهم وحملوهم المسؤولية عن أنفسهم، فلما ووجهوا حملوا المسؤولية غيرهم وبرأوا أنفسهم، فأتاهم الجواب إن علم الله أحاط بكم وبما اقترفتم من السيئات والآثام وحان وقت محاسبتكم (فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) هذا جزاء الظالمين استحقوه بعملهم الذي اختاروه عن سابق تصور وتصميم، وتكبروا عن قبول الحق فعوقبوا عقاباً شديداً بخلاف الفريق الآخر (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ*جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) لما سئل المؤمنون ما الذي أنزله ربكم الذي رباكم بالنعم قالوا خيراً، أنزل ما فيه صلاح حالنا في عاجل أمرنا وآجله، في دنيانا وأخرانا، فيما يقيم الحياة على مبدء التعاون والتناصر والتناصح، لذلك استحقوا أجرين: أجراً في الدنيا هو الحسنة، أشار إليها في السورة بعد قليل (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبة) فكانت الحسنة حياة طيبة في الدنيا، وما يلقونه في الآخرة خير منها وأحسن، يستحق المدح بفعل "نعم" الخاص بالمدح، ثم فسره بما يبدأ به الأجر من ساعة الوفاة، فبين أن الملائكة تستقبلهم أحسن إستقبال وتفتح لهم باب الجنة جزاءً على عملهم الصالح، هذا جزاء الصالحين وذاك جزاء الظالمين والطريق واضح وكل من سار عليه وصل، فماذا ينتظر الظلمة حتى يتوبوا؟ هل ينتظرون نزول الملائكة أم أن تأتيهم مصيبة تقطع دابرهم فينتهي شرهم من الأرض، كان عليهم أن يعتبروا بمن سبقهم من العصاة الذين طهّر الله الأرض من شرهم وأخزاهم على معاصيهم فكانت عقوبتهم بسبب ما اقترفت أيديهم، أحاطت بهم السيئات التي عملوا ونزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزؤن به (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ*فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ). ولما ذكر مخازي الكفار ناسب أن يذكر قولاً من أقوالهم إخترعوه لمحاربة النبي مع أنه لا يصلح لذلك على ما ترى (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) زعم المشركون أن لو شاء الله ما أشركوا، وفي هذا دعوة إلى الشرك يتمسح بها المشركون ويقال لهم هل أشركتم تنفيذاً لمشيئة الله أم استكباراً عن قبول الحق وتعالياً عن الخضوع له؟، يدّعون أنهم حرّموا ما حرموا لأن الله شاء ذلك، فمن أين عرفتم مشيئته!! هل بلغكم ذلك بنقل أو بعقل!! إنما تدعونه وإن كان في الظاهر حق لكن يراد به الباطل على عادتهم في تحميل المسؤولية لغيرهم، ألم يرسل الله إليكم الرسل ودعاكم إلى التوحيد وبيّن لكم الحلال والحرم؟! ألم يقم لكم الأدلة التي تثبت أن محمداً رسول الله وأن القرآن وحي الله؟ ألم يبلغكم أن الشرك وتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرّم الله مخالف لما شرع الله؟! إنه التقليد الأعمى للآباء، وظيفة الرسل بيان الحق وتوضيحه وهذا دأب الرسل جميعاً من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، يرسل الله الرسل فيبلغون رسالته ويدعون الناس إلى التوحيد وينهوهم عن اجتناب الطاغوت، فمن أعمل عقله وفكره هداه الله، ومن أصم أذنيه وأعمى عن عينيه عن رؤية الرسل وما يدعون إليه وقع في الضلال، فإن أردتم العبرة فاخرجوا خارج بلادكم وانظروا كيف كان عاقبة المكذبين للرسل (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) فاللهم وفقنا لقبول الحق، نور قلوبنا وأبصارنا للعمل به واهدنا فيمن هديت.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة