الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

من توكل على الله كفاه  
سورة الحجر   الآيات 51 - 99


لما ذكر فيما سبق أنه غفور رحيم وأن عذابه هو العذاب الأليم، ناسب أن يذكر شيئاً من مغفرته وشيئاً عن عذابه فقال: (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ*إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ*قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) اختصر القصة هنا وذكرها في سورة هود بأطول من هذا، سلّموا سلاماً فرد عليهم السلام وقدّم لهم الطعام، ولما لم يأكلوا قال إنا منكم خائفون، لأن الوجل خوف مع حياء، فهدّؤا من روعه وطمأنوه وذكروا له ما يسعده ويسعد كل أب مشتاق إلى ولد يحمل اسمه ويتابع مسيره، فتعجب إبراهيم من ذلك إذ كان عمره قد قارب المائة أو زاد عليها، وامرأته كذلك وهي في الأصل عاقر (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ*قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ) قال مستبعداً وقوع ما بشر به لما قدمتُ، فبشارته بالولد كلا بشارة لذلك تعجب منها، فرد عليه الملائكة إنها بشارة ملتبسة بالحق ثابتة واقعة لا محالة، ونهوه أن يكون ممن ييأس من رحمة الله، فرد عليهم (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ) يعني لا أحد ييأس من رحمة الله إلا الإنسان الذي ضاع وأخطأ التصرف وأخطأ العمل وتمادى في غيّه، هنا ذهب الخوف عن إبراهيم واطمأن إليهم أنهم قد جاؤا بالخير، لكن نزولهم يؤذن بأمر خطير ذلك أن نزول الملائكة إلى الأرض يكون بمعاقبة عصاة فاستفهم قائلاً (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ*قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ*إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ*إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) ما الأمر الذي أرسلكم الله لأجله؟ فأوضحوا له أنهم إنما بعثوا لعقوبة قوم لوط الذين تجاوزوا الحد وبالغوا في المعصية فشذوا في أخلاقهم وفي معاملاتهم وقطعوا السبيل وأتوا في ناديهم المنكر، واستثنوا من المجرمين آل لوط، أولاده والمؤمنين به، فأكدوا أن هؤلاء سيعمل الملائكة على نجاتهم من العذاب واستثنوا من آل لوط امرأته، ذلك أنها كانت تنقل أخبار لوط وضيفه إلى قومها، وفعلت ذلك في هذه المرة أيضاً، لذلك قدّر الله أن يكون مصيرها كمصير القوم الذين أحبتهم ورضيت صحبتهم وناصرتهم على زوجها، وهنا يقصّ علينا القرآن جانباً من حوار بين لوط والمرسلين، سبق أن أشار إلى شيء منه في سورة هود، لكنه هنا ركّز على أنهم غير معروفين لديه (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ*قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ*قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ*وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) دخل الملائكة على لوط رجالاً كاملين جميلي الهيئة وعرف بخبرهم قومه فأسرعوا إليه وهو لا يعرف شيئاً عن أحوالهم، عبّر القرآن عن جهل لوط بحالهم أنه صرح بأنهم غير معروفين له، وأكدها بمؤكدين "إن" والجملة الإسمية، وكأنه في هذا الموضع يذكر ما ترك في سورة هود، فخشي عليهم أن ينالهم القوم بسوء ولم يدر كيف يدفع عنهم، فأخبروه أنهم أتوا بما كان يشك به قومه، وأكدوا له ذلك وطيبوا خاطره بأن أحداً لن يصل إليه وأكدوا أن خبرهم حق ثابت لا يحتمل النقيض بمؤكدين "إن" واللام المزحلقة، ورتبوا على ذلك أمراً بالفاء الفصيحة يتبعه نهي وأمر ثانٍ وخبر يفرحه (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ*وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ) أمره بالفاء الفصيحة أن يترك هذه البلاد قبل طلوع الفجر وأن يقدم أهله والمؤمنين به ويكون هو في المؤخرة وأن لا يلتفت أحد ممن معه، وأمروه أن يتبع الأمر الذي يؤمر به إلى المكان الذي يتوجه إليه، وأخبروه ما يثلج صدره أن القوم الذي عانى منهم وتمردوا عليه مقطوع دابرهم مصبحين، وأخر الحديث عن القوم الذين علموا بقدوم الملائكة رجالاً كاملين تسعد بهم العين، وأرادوا منهم ما يريد الشاذ من نظيره جهلاً منهم أنهم ملائكة، ودافع عن الملائكة دفاع الأبطال، ولنترك للقرآن يتحدث (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ*قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ*وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ*قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ*قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ*لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) جاء القوم يظنون الملائكة من جنس البشر، فرحوا بهم واستبشروا بقدومهم وحزن لوط أيما حزن، وهذا الجانب من القصة مقدم في الترتيب في سورة هود مؤخر هنا، قال إن هؤلاء ضيفي يستنهض همتهم ويستعطفهم فيخبرهم أن هؤلاء القوم ضيفه، وهو من أهل المدينة فيجب إحترام ضيفه وعدم إيقاع الخزي عليه بسبب الإساءة إلى ضيفه، لكن شعور القوم قد تبلد وطغى عليهم الهوى والشذوذ وما كانوا قادرين على ضبط شهوتهم إلى جنسهم لتحكم الهوى والشهوة فيهم، فجعلوا من استقباله الضيف سبباً لاعتدائهم عليه، قالوا قد حذرناك من استقبال الناس في بيتك وأمرناك أن لا تستضيف أحداً فأرشدهم إلى أن فعلهم يخالف الفطرة ويخالف الأعراف الإجتماعية وأرشدهم إلى ما يتفق والفطرة السليمة، فأرشدهم إلى الزواج من بنات القرية وهن كثيرات عانسات لا من يتزوجهن، وهنا يتوقف القرآن عن متابعة القصة ليقسم بعمر النبي صلى الله عليه وسلم على أن قوم لوط سكارى قد استحكم فيهم الهوى وأعمتهم الشهوة فتصرفوا على غير هدى، وما زالوا كذلك حتى انتقم الله منهم (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ*فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ*إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ*وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ*إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ) فلما حان الوقت رفع الملك القرية إلى السماء وقلبها رأساً على عقب وأتبعها بالحجارة المعلمة تصيب من أراد الله إصابته، ثم بيّن أن في هذه القصة عبرةً لمن يعتبر خاصةً من يؤمن بالقرآن فإنه المنتفع بآياته المتدبر لها العامل بما تأمر به، ولما أنهى الحديث عن قوم لوط إنتقل ليتحدث عن أصحاب الأيكة وأورد طرفاً من قصتهم دون تفصيل، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب أو بعض قومه، وقد ذكرهم الله في القرآن ولم يفصّل القول فيهم، حكم عليهم بالظلم وانتقم منهم وسجّل أعمالهم في كتاب، هكذا بإيجاز بليغ مختصر (وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ). ثم انتقل إلى أصحاب الحجر وهم قوم صالح، ذكر هنا تكذيبهم المرسلين وذكر ما آتاهم من آيات لو أنهم آمنوا لكان خيراً لهم ولكن قست قلوبهم فأعرضوا عن آيات الله التي طلبوها واغتروا بقوتهم فأخذتهم الصيحة في حال الصباح تماماً كما فعل بقوم لوط، المناسب لذكر قصتهم بعد قصة لوط أن كلا الطائفتين انتقم الله منهم في الصباح، وذكر بينهما أصحاب الأيكة لأن العذاب أتاهم من حيث تنتظر الرحمة، وهؤلاء واولئك لم ينفعهم مالهم ولا دفع عنهم، فهل من يعتبر!! (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ*وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ*وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ*فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ*فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ). الله أغنى الأغنياء عن الشرك، ينعم على عباده ويرأف بهم ويعطف عليهم، لكن لابد من الحساب آخر الأمر، فالله خلق الكون وما فيه متلبساً بالحق، وكلّف الإنسان بعمارة الأرض ولابد أن يحاسبه على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ولكن المسلم يجب أن يكون حسن الأخلاق حسن التعامل ينقل الإسلام إلى الآخرين بخلقه وتعامله قبل أن يدعوهم إليه بلسانه، وهاهنا يمتن الله على النبي ويعظه وفي ضمن ذلك يمتن على أمته وتابعيه (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ*إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ) لقد عانى النبي من قومه ويعاني المسلمون اليوم من المسلمين ومن غيرهم ما تنوء بحمله الجبال، لكن لابد من الصبر والتحمل لأننا بصبرنا نعلم الناس الأخلاق وأدب التعامل مع المخالف وحسن الخلق، مقتدين بالله عز وجل نتعلم منه الحلم والحكمة، والصفح الجميل هو الصفح الذي لا يعقب شتماً ولا حقداً بل يكون مع سلامة القلب ووضوح الرؤية، واعتقاد أن الله يثيب على عمل الخير. ثم ذكر أعظم نعمة أنعم الله بها على محمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده أمته فقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ينقسم القرآن إلى أقسام: الطوال وهي التي زادت على المائة وقاربت المائتين أو زادت عليها، والمئيين وهي ما كانت في حدود المائة أو تزيد عليها، والمثاني ما كانت أقل من مائة، والمفصل وهو القسم الأخير من القرآن من "سورة ق" إلى آخر المصحف، وعليه فالمثاني هي السور التي تقرأ مرتين في جلسة واحدة، ومنها سورة الفاتحة أم القرآن والشافية والكافية، وذكره هنا المثاني والقرآن كأنه يمتن على الرسول صلى الله عليه وسلم بنعمة إنزال القرآن عليه، لذلك رتّب عليها النهي عن عدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين فقال: (لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) ينهاه وقد أوتي القرآن أن ينظر إلى غيره من النعم المادية، وفهم النبي ذلك فهماً جيداً وعبّر عنه بقوله:"ليس منا من لم يتغنى بالقرآن"، أي يستغني بالقرآن عن غيره، فمن آتاه الله القرآن لا يجوز له أن يلتفت إلى غيره من النعم المادية ولا المعنوية، فإن نعمة الإيمان ونعمة القرآن هما اثمن النعم، ولما كان النبي محباً للأمة حريصاً على هدايتها مشفقاً عليها قال له: (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) ثم أمره بالتواضع لهم والعطف على المؤمنين نفس الخلق الذي دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:"إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجالساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطؤن أكنافا الذين يألفون ويؤلفون"، وخفض الجناح كناية عن التواضع والترفق، ثم أمره أن يوجه الخطاب إلى الأمة قائلاً: (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) شرفٌ بعد شرف وتكليف بعد تشريف، ثم عاد ليذكره بنعمته عليه وفي ضمن ذلك يهدد المخالفين فقال: (كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ*الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ*فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قومٌ اقتسموا أعالي مكة وحرسوا مداخلها همهم أن يصرفوا الناس عن القرآن وعن محمد عليه الصلاة والسلام، بعضهم قسم القرآن إلى قسمين فجعل بعضه حقاً وبعضه باطل، فما كان موافقاً للتوراة اعتبره حقاً وما كان مخالفاً اعتبره باطلاً، وبعضهم قال عن القرآن إنه شعر أو سحر أو كهانة أو أساطير الأولين، شأن الناس اليوم يستعملون الحيلة والإعلام السيء لصرف الناس عن الإسلام والتمسك بالكفر والباطل، ومع أن القرآن بريء من ذلك كله وأبعد ما يكون عن الشعر أوالسحر أو الكهانة، إنه حقائق ثابتة وبراهين قاطعة وحجج لا تقبل النقض، وقوله:(عِضِينَ) جمع عضة ولها أكثر من معنى المهم منها تجزئة القرآن لصرف الناس عنه وعن الإيمان بالله، لذلك أوعدهم مقسماً بالله ليسألنهم سؤال تبكيت يقيم عليهم الحجة ويحقق عليهم العقوبة عن العمل الذي عملوه لصرف الناس عن القرآن وإبعادهم عنه، ولما كان الداعية يحتاج إلى ما يقوي يقينه ويزيد في ثقته أمره فقال: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) أمره أن يبلغ القرآن بلاغاً مؤثراً بالنفوس بقوة وثقة وعزم، ونهاه أن يلتفت إلى المجرمين وألاعيبهم وقدّم له الدليل الذي يثبت قدرته على حمايته وكفايته فقال: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ*الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَاهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) والمستهزؤن خمسة كانوا يزعجون رسول الله صلى الله عليه وسلم فكفاه الله إياهم وأماتهم شر ميتة، وهم الوليد ابن المغيرة وكان مثلاً في التكبر، مر بنباّل فعلق بثوبه سهم فلم ينحني ليزيله ومضى في طريقه فأصاب عرقاً في عقبه فمات، العاص ابن وائل أصابته شوكة في قدمه فانتفخت رجله فمات، عدي ابن قيس أصاب القيح رأسه ونزل من أنفه ومات، الأسود ابن عبد يغوث كان جالساً تحت شجرة وفجأة بدأ يضرب رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، الأسود ابن المطلب عمي ومات، فكفى الله النبي شرهم وأخزاهم، وهذا دليل على كمال القدرة يعطي النبي روحاً معنوية عالية تؤثر في الناس، وهؤلاء كانوا يعبدون مع الله أصناماً حجارةً لا تنفع ولا تدفع فأوعدهم مجملاً بعد أن عاقبهم مفرقاً، ثم مسح رأس النبي ورأف به وقال: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) أخبر أنه مطلع على أحوالهم عالم بما يعاني من قومه، وإذا كان كذلك فسوف يعاقبهم على أقوالهم واستخدم الفعل المضارع ليدل على التجدد والحدوث كأنه يقول له أنا أعلم كل حركاتهم وكل أقوالهم، وقالوا عنه ساحر وشاعر وكاهن إلى غير ذلك مما سبق، وإذا كان الإنسان على الحق واثقاً بالله فإن كلام الناس لا ينفع ولا يغني، لذلك ناسب أن يقول له: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ*وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أمره بتنزيه الله مشتغلاً بحمده تعالى وعبادته، عبادةً عامة كالصلاة، ثم عطف على الخاص العام، فأمره بعبادة ربه الذي رباه بالنعم وأكد على أنه يستمر على ذلك حتى يأتيه الموت، وكأنه عهدٌ على الإستقامة والطاعة من حين نزلت الآية إلى أن يفارق هذه الدنيا على التوحيد. وبعد، فهذه سورة الحجر ذكر فيها الحجر: قرى قوم صالح عليه السلام، وذكر معه طائفة من الأنبياء وركز في أولها على التوحيد وسعة علم الله، فجاءت السورة وافية بالغرض، وكأن القيامة قامت وحان وقت البعث فجاءت سورة النحل مستهلة ب(أتى أمر الله) فإذا كانت القيامة غيبا فيجب على العاقل أن يستعد لها وأن يترقبها ولا يغفل عن حساب نفسه، فاللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة