الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

آيات الله عبر!!  
سورة الحجر   الآيات 1 - 50


لما بين في السورة السابقة عاقبة المجرمين وما يعانون في جهنم، وجعل خاتمة السورة بلاغاً للناس وطريق تخويف لهم ليقلعوا عن غيهم، وليتذكر أصحاب العقول فينتفعوا بالذكر، ناسب أن يستفتح البيان بالحروف المقطعة وجعلها ثلاثة على غرار سورة إبراهيم، وأشار إلى آياتها باسم الإشارة للبعيد فقال:(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ) وسورة الحجر مكيّة وآياتها تسع وتسعون، استهلها بأن القرآن واضحٌ إذ كان يخاطب العرب أهل اللغة بلسان معجز، ثم قال:(رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ) ذلك عندما رأوا نصر الله المؤمنين حين أخرجهم من الشعب سالمين، وحين رد رسوله إلى مكة، وحين نصر المؤمنين في بدر، لعلهم أحبوا أن يكونوا مسلمين لله فيسلموا من حرب النبي صلى الله عليه وسلم، حاولوا قتل أولياء الله وحبسهم وتجويعهم والإستهزاء بهم فكفاهم الله وأخزى الظالمين (ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) يقول لرسوله اتركهم يشتغلوا عن الجوهر بالتوافه، فهم يشتغلون بالأكل عن العمل ويتمتعون بلذات الحياة الدنيا عن النظر إلى الآخرة ويتلهون بالأمل في القضاء على المسلمين والظفر عليهم في الدنيا والآخرة، فسوف يعلمون الحقيقة حين يفارقون هذه الدنيا، أو حين ينتصر الحق على الباطل، أو حين ينتصر أولياء الله على أعدائهم، ولم يقل ماذا يعلمون حذف المعمول لتذهب به النفس كل مذهب، وفيه وعيد تنخلع له القلوب رهبةً وهيبةً خاصةً إذا نظرنا إلى ما بعدها (وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ*مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) هاتين الآيتين تعلمان المسلم التخطيط وإعمال العقل فيما يلم به من أمر، فالله يخبرنا أنه ما أهلك من قرية أي قرية إلا وحدد لإهلاكها والقضاء على أهلها كتاباً معلوماً عنده، لا يتأخر ولا يتقدم، فكل أمة من العاصين يهلكها الله في وقت حدده، وهذا يعني أن على العاصي الإسراع في التوبة وعدم التسويف لأنه لا يدري متى يأتيه أجله إذ كان الأجل مخفياً عن الناس، فإذا كان للحياة آخر لا ندري متى هو، فواجبنا أن نستعد لهذا الآخر بتوبة نصوح وعزم على عدم العود وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، هذا واجب العقلاء، أما السفهاء فيخلطون بين الحق والباطل ويمزجون بين الحقائق الثابتة والأوهام، وتجلى ذلك في قولهم:(وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ*لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ*مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ) هذا يصدّق ما قلت وإليك بيان ذلك، تراهم أول الأمر يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بحرف النداء للبعيد لغفلتهم عن دعوته وبعدهم عنها، ويستخدمون الإسم الموصول لتعظيم النبي ويفسرونه بالصلة التي توجب عليهم الإيمان به وطاعته وتحكيمه والرضى بحكمه ما دام أن الله خصه فأنزل عليه القرآن الذي هو شرف له ولهم، وآخر الآية يناقض أولها فادعوا أنه مجنون وأكدوا دعوتهم بمؤكدين "إنّ" واللام المزحلقة، وهذا يدل على تناقض هل يختار الله لمن يوحي إليه مجانين أم عقلاء، لاشك أن الصالح للدعوة لا بد وأن يكون عاقلاً نبيهاً فطناً والمجنون أبعد ما يكون عن ذلك، فكيف يختاره الله وهو العليم الحكيم!! واعترافهم بأنه نزّل عليه إعتراف لا يحتاج إلى دليل فلماذا يطلبون الدليل بصورة إمتناع وجوده لاستخدامهم "لو" وقد اعترفوا أول الأمر أنه صادق حين أثبتوا له الإنزال فكيف هذا؟! من المجنون هو أم هم أو هم أم هو؟! يأتي الجواب من رب العزة إن إنزال الملائكة لا يكون إلا للبطش بهم والقضاء عليهم وتطهير الأرض من شرهم، فلو أنزل الملائكة لم يمهلهم ولكن عاجلهم بالعقوبة، ثم إنه بيّن براءة النبي من أي نوع من أنواع الجنون أو الاضطراب، بل أثبت نقيض ذلك بالحجة الواضحة حين قال في غير هذا الموضع (وإنك لعلى خلق عظيم) وهذه براءة للنبي من أي عيب خلقيّ، وقال هنا:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) فما دام أن القرآن ذكر وشرف وما دام أن الله حافظ له فإن المنزل عليه أعقل الناس وأحسنهم خلقا، وما دام أن الله تكفل بحفظه فقد أنزله على أعقل العقلاء وأولاهم بالإختيار.
إن العرب ليسوا بدعاً من الناس بل هم كغيرهم، لذلك أتى بالدليل من التاريخ يدل على أن دأب المرسل إليهم تكذيب الرسل وإن اختلفوا في المكان والزمان والرسول، اسمعه يقول:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ*وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) استدل بالتاريخ وبدأ بالقسم "ولقد" فأكد الخبر بمؤكدين: اللام الواقعة في جواب القسم أو لام الإبتداء وقد، في الأقوام السابقة سماهم شيعاً لأنهم جماعات متفرقة من قوم نوح إلى قوم هود إلى قوم صالح إلى قوم لوط وقوم شعيب وقوم موسى وغيرهم، الدعوة واحدة والجواب متشابه والعقوبة نزلت بجميع المكذبين، لخص ذلك كله بقوله:(كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ*لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) فالأمم التي أهلكها الله استهزأت برسولها وكذبته وطلبت الدليل ولم تؤمن كأن الكفر متغلغل فيها، وكأنها عاهدت نفسها أن لا تؤمن بأي رسول وهكذا مضى الحال، وهؤلاء العرب يطلبون آيات فهل إذا جاءتهم يؤمنون؟ خير من يجيب عالم الغيب والشهادة فيقول:(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ*لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) هل ثمة آية أوضح من أن يفتح لهم باباً من السماء ويمكنهم من العروج إليها، وعبر عن ذلك بالفعل المضارع الذي يفيد التجدد والحدوث، لقالوا إنما سيطر على عقولنا وأوهمنا أنه يعرج بنا وأنّا نعرج، بل قالوا لعل ذلك كان تحت تأثير سحره فنحن قوم مسحورون لا ندرك الحقيقة مع أن الحقيقة واضحة، الباب مفتوح والعروج إلى السماء ممكن، ولكنه التعنت والتكلف والإعراض، علهم إذا قدّم لهم آيات من الطبيعة القريبة والبعيدة يقتنعون أن لهذا الكون إلاهاً قادراً يتصرف فيه كيف يشاء، لذلك تراه يقدم الأدلة الدليل الأول من الطبيعة البعيدة فيقول:(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ*وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ*إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ) كان العرب يتكهنون مستعينين بالجن الذين يركب بعضهم بعضاً إلى السماء الدنيا فيسمعون ما تقول الملائكة من أمور الأرض فينزلون إلى أوليائهم من الإنس ويخبرونهم بعض الحق فيضم الكاهن إليه مئة كذبة، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا ذلك، ولعل الجن الذين سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم في نخلةَ بين مكة والطائف حين كان يصلي من الليل في أثناء عودته من رحلة الطائف فآمنوا به، وكانوا يبحثون عن السبب الذي لأجله منعوا السمع، وسجّل الوحي الإلهي قصتهم في سورة الأحقاف قرآناً يتلى (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين..الآيات) فقد كانوا دعاة حق وخير لأقوامهم، آمنوا بالله وبرسول الله ودعوا قومهم إلى ذلك، فالله جل جلاله جعل في السماء بروجاً منازل للكواكب تنزل فيها على مدار السنة تتحرك من برج إلى برج، وزينها للناظرين وجعل في الزينة فائدة مهمة هي حفظ السماء من جميع الشياطين، وإذا فرض واستمع شيطان ما فإن الشهب تحرقه، فأصبح الذين يسترقون السمع من السماء قلة قليلة خائفون، وبذلك حمى الإنس من بعضهم.
ثم استدل بالطبيعة القريبة فقال:(وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ*وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ*وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) الأرض ممدودة بحسب النظر وهذا لا يتنافى وما تقرر من أن الأرض كروية الشكل بيضاوية ولكن السائر عليها مبسوطة، ولما كانت متحركة بسرعة هائلة ثبتها بالجبال لئلاّ تضطرب على أهلها، وهذا معنى قوله:(وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) فالجبال مترابطة تارةً فوق الأرض وتارةً تحت الأرض، لذلك ثقلت الأرض فلا تضطرب، ولما كان أهل الأرض بحاجة إلى مطعم ومشرب وملبس إمتن الله على خلقه فأنبت لهم في الأرض من كل شيء موزون، حبوباً وخضروات وفواكه وغير ذلك، ومكّن الناس من تحصيل ما يحتاجون إليه لأنفسهم ولمن تلزمهم نفقته من أمور الرزق وغيره، وما من شيء في الأرض إلا عند الله خزائنه ينزل في وقت معلوم وبقدر معلوم ليصلح الناس وييسر أمورهم.
ولما كانت بعض الأشجار فيها المذكر والمؤنث فكانت بحاجة إلى وسيلة للتزاوج بينها، هيأ الله لها سبيل التزاوج، ولما كانت الغيوم بعضها مذكر وبعضها مؤنث جمع بينها فأنتج المطر، هذه الحياة الدنيا مرتبة أحسن ترتيب (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ*وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) وظيفة الرياح تحريك السحاب والجمع بين المختلف منه، وينتج عن التقاء السالب والموجب موجات كهربائية تتمثل في البرق والرعد وقد ينتج عنها الصواعق، لكنه اكتفى هنا بالإشارة إلى أنه أرسلها لواقح فهي تلقح الأشجار والغيوم، وينتج عن تلقيح الغيوم إنزال المطر، فالماء يشرب ويثمر ويضيع قسم منه في البحر، أما الدليل الرابع فهو الإحياء والإماتة وهذان لا يقدر عليهما إلا الله الذي أحاط علمه بكل شيء فلا يخفى عليه شيء وسيأتي الوقت الذي يحشر فيه الخلق ليحاسبهم فيثيب المطيعين ويعاقب العصاة، (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ*وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) المستقدمين هم الذين تقدم موتهم أو هم المتقدمون في صفوف الصلاة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يليه أولوا الأحلام والنهى، والمستأخرين هم الذين تأخر موتهم أو المتأخرين في الصف، ومن طريف ما يروى أن النساء يصففن في المؤخر وأمامهم الأولاد وأمامهم الرجال، فبعض القوم تأخر ليرى النساء ولعل الذي قال هذا مريض فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا أبعد ما يكون عن الحرام، يغضون أبصارهم عن النظر إلى المرأة، فالظاهر والمناسب المعنى الأول ويؤيده الآية التي بعدها فهي تناسب متقدمي الوفاة ومتأخريهم، وقبلها ذكر الموت فالسياق متتابع والحديث عن تأخر أو تقدم لرؤية النساء خارج عن موضوع الآيات. ولما كان الله عالماً بما كان وما يكون ناسب أن يذكر الخلق الأول فقال:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) خلق الإنسان أطورا، كان من تراب فأضيف إلى التراب الماء فصار طيناً، فترك حتى تغير فصار يعرف بالحمأ المسنون، فلما جف صار صلصالاً، وعندما يموت تنقلب الآية، فبالموت يقسو الإنسان ثم يلين ثم يبدأ التغير ثم يعود طيناً فتراباً فينتهي، وهنا أشار إلى الطور الأخير قبل أن يصير لحماً ودماً، وجمع بين الصلصال والحمإ المسنون (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ) قال مرةً (من مارج من نار) والمارج هو اللهب الخالص الذي لا دخان فيه، كمثل الذي ينتج عن الغاز حين يحترق في موقد سليم من العيوب، ثم بيّن تفاصيل خلق الإنسان وما كان من الشيطان فقال:(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ*فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ*فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) أخبر الله الملائكة بما قرر فعله وأمرهم بفعل عند حصول ذلك، والفعل لله، فقد أمر الملائكة بالسجود لله إذا وهب آدم الحياة، لأنه حوّل المادة الصماء إلى مخلوق حي يحس ويتألم، فلما صار آدم حياً سجد له الملائكة كلهم لم يتخلف واحد منهم، وأكد ذلك بمؤكدين "كلهم" و "أجمعون"، ثم استثنى إبليس استثناءً منقطعاً لأن إبليس لم يكن من جنس الملائكة كما صرّح في سورة الكهف (كان من الجن ففسق عن أمر ربه) أبى أن يسجد لأنه اعتبر نفسه خيراً من آدم ظناً منه أن النار خير من التراب، وقد قدمت أن التراب خير من النار لأن فيه الاضطراب والأذية وتتحرك وإذا وضع عليها التراب انطفأت، أم التراب ففيه الثبات والإستقرار والهدوء، وإذا طبخ في النار اشتد وقوي، لكن إبليس تصور نفسه خيراً من آدم وفهم بغبائه أن السجود لآدم فتأبى على الأمر الإلهي، لذلك رد أمر الله ورفض أن ينفذه (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ*قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) ولما كان منه ما كان طرده من رحمته وأخرجه من جنته وحكم عليه بحكمين: أنه مرجوم مطرود، وأن عليه لعنة الله إلى يوم القيامة (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ*وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) طلب الإمهال إلى يوم القيامة إفساحاً في المجال فاقتضت حكمة الله أن يجيبه إلى ما طلب، فبدل أن يشكر الله أوعد بني آدم بالإنتقام منهم (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ*قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ*إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) إن الله قوي لا يهمه شيء، طلب الإمهال فأمهله، لأن حكمته اقتضت ذلك، وهو إنما خلق آدم ليعمر الأرض ولا يتميز أهل الأرض إلا إذا كان فيهم مخالفون لأمر الله، فاقتضت حكمة الله أن يخلق الخلق على الصفة التي علمها منهم، إما قابلين للخير غير قابلين للشر وهم الملائكة، أو قابلين للشر غير قابلين للخير وهم الشياطين، أو بين بين يغلب خيرهم تارةً ويغلب شرهم أخرى وهم بين ذلك مترددين وهم بنو آدم، لذلك جاء الخلق مختلفين ليتعاونوا على عمارة الأرض وإقامة الشرع، فمن أطاع الله فله الجنة ومن عصى فله النار، لكن إبليس لم يشكر نعمة الله عليه بالإمهال شأن كثير من الناس في أيامنا ذوي أخلاق شيطانية، إن أنت أحسنت إليهم أساؤا إليك، وهذا إبليس مثل حي لهم (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) علم إبليس أن الله قد أحاط علمه بكل شيء، يتعلق بجميع المخلوقات وهو أحدها، فصوّر له خياله أن الله حين أمره بالسجود لآدم عالماً أن لن يسجد أوقعه في الغواية، وهذه فلسفة يمارسها بعض الملحدين في أيامنا، وحين يعجز الإنسان عن مواجهة خصمه يصب جام غضبه على الطرف الضعيف ليوقعه في الغواية، فعبّر عن سوء أدبه ووقاحته حين قال:"بسبب إغوائك لي حين أمرتني بالسجود لآدم وأنت تعلم أني ما كنت لأسجد له، فعهد علي لأزينن لهم في الأرض يعني المعاصي ومخالفة أمرك ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"، لأنه عاجز عن إغوائهم لإتصالهم بالله سبحانه وتعالى، فحكم الله حكماً مبرماً أن لا يسلط الشيطان على من أطاع الله واتبع أمره (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ*إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) والإستثناء هنا منقطع فمن يتبع الشيطان يعصي الله ويقع في الغواية وهي ضد الرشد يرتكب الذنوب والمعاصي، ولذلك أوعدهم فقال:(وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ*لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ) جهنم الموعد يدخلها أعوان الشيطان وأتباعه من سبعة أبواب كل باب يدخله جماعة.
ولما ذكر أصحاب جهنم، ناسب أن يذكر أهل الجنة بصفاتهم المميزة وعلى رأسها وفي مقدمتها التقوى، وهي ترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس، سلموا لله واستسلموا له فأدخلوا الجنة بسلام آمنين (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ) ولأنهم لم يحملوا في قلوبهم غلاً ولا حسداً وعاملوا الناس بالعدل والإحسان، كافأهم الله فنزع من صدورهم الغل وجعلهم يعيشون متحابين في الجنة لا يمسهم فيها تعب وما هم منها بمخرجين (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ*لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ) ولما ذكر أهل النار وأهل الجنة وبيّن جزاء كلٍ وأقام الأدلة على كمال قدرته، ناسب أن يختم الآيات بآيتان تدلان على عظيم فضله وسعة علمه وكمال قدرته، واستعمل فيهما الترغيب والترهيب بعد أن أرى المخاطبين الجنة والنار فقال:(نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) ليحذر المخاطبون عذابه ويقوا أنفسهم منه بالإيمان به وإلتزام طاعته وفعل الخيرات وترك المنكرات، فكأن الآية لخصت جميع ما مر من أول السورة إلى الآية الخمسين، فهل من عائد إلى الله ملتمس هداه تارك هوى نفسه مبتعداً عن ظلمها وظلم الآخرين، اللهم بصرنا بالحق ووفقنا لمعرفته والعمل به.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة