الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين الظلمات والنور 
سورة إبراهيم   الآيات 1 - 27


(الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ*اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)لما ختم سورة الرعد بدعوى الكافرين أن محمداً ليس مرسلاً من الله، ناسب أن يرد عليهم رداً بليغاً فاستشهد الله واكتفى به شاهداً يشهد له فيقيم الحجة عليهم، وإذا كان حال العرب ومحمد صلى الله عليه وسلم هذا فما حال الأمم مع أنبيائهم؟، العرب ليس نسيج وحده ولكنه من جنس الناس، هم أنكروا النبوة فجاءت سورة إبراهيم لتقيم الأدلة على ثبوت النبوة، ولإن كانت سورة الرعد مدنية فإن سورة إبراهيم مكية، تصب في موضوع واحد إثبات النبوة على منكريها وإثبات اليوم الآخر، واستفتح البيان بالحروف المقطعة على غرار ما فعل في يونس وهود على ثلاثة أحرف، ثم ذكر القرآن وفيه دليل على أن الله يتحدى العرب أن يعارضوا القرآن بقرآن مثله أو عشر سور أو سورة، وجاء قوله:(كِتَابٌ) نكرةً في سياق الإثبات ينبّه بذلك إلى أنه كتاب عظيم، مر وصفه فيما سبق ووصفه هنا بالجملة الفعلية التي تدل على الثبات أنه منزل من الله إلى محمد، وبيّن الهدف من إنزاله (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) جمع الظلمات لأن أسبابها متعددة، فالجهل والكفر والضلال واتباع الهوى ظلمات، ووحد النور لأنه واحدٌ يجمع جميع أنواعه، ولا يكون ذلك إلا بإذن الله رب الخلق لأنه رباهم بالنعم، وإخراج الناس من الظلمات إلى نور صراط العزيز الحميد الله، فجمع صفتين: العزة والحمد وأضافهما إلى لفظ الجلالة ليدل على أن الله غالب لا يغلب محمودٌ على كل حال، حمده الحامدون أو لم يفعلوا، وأشار إلى عزته أنه المالك لما في السموات وما في الأرض، فجميع ما فيهما وما بينهما ملك لله، وجعل من هذا مقدمة بنى عليها نتيجة أن للكافرين عذاب شديد، يناسب ما اقترفوا من اثم وما ارتكبوا من إساءة بتركهم القوي الغني والإعتزاز به إلى التعلق بنعيم زائل على نعيم دائم، وجعلوا من أنفسهم خصماً لله يصدون عباد الله عن طريق الحق التي أضافها الله إلى نفسه إشادةً بها، وبيّن سبب حيدهم عنها أنهم يريدون الحياة المعوجّة على الحياة المستقيمة، ثم وصفهم فقال:(الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) غفلةٌ وبعدٌ عن المنهج واتباع للهوى والشهوة، هل بعد هذا من ظلمات؟ وحين يشتد الظلام تشتد الحاجة إلى النور نور الرسالة الإلهية، لذلك اقتضت حكمة الله أن يرسل الرسول بلسان قومه ليبيّن لهم، فبعضهم لا يتبين فيبقى في ضلاله ويعضهم يتبين فيهتدي، بهذا أشار قوله:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وإنما نسب الضلال إلى الله لأن الإنسان وعمله مخلوق لله، فلا يمكن للإنسان أن يضل أو يهتدي إلا إذا خلق الله فيه الضلال أو الهدى، لكن الله لا يخلق ذلك إلا لأنه علم من حال الإنسان وخبايا نفسه أنه لا يبحث عن الهدى وأنه غارق في الضلال فيتركه وما أراد، ولأنه مخلوق له نسب الضلال إليه خلقاً لا إلزاماً، ومن علم فيه الخير وصفاء النفس وحب الطاعة خلق فيه الهدى فاهتدى فوفقه للطاعة، وعلى كل حال فالله غالب وحكيم يضع الأمور في موضعها اللائق بها.
ثم ذكر نموذجاً من الرسل فقال:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) أرسل الله موسى بالمعجزات الدالة على صدقه وكان منها العصا تنقلب حية حقيقية ويده يتغير لونها إذا أدخلها في فتحة ثوبه، وبعد أن عبر بنو إسرائيل البحر وأنجاهم من فرعون أنزل عليه الشريعة مكتوبة في ألواح، فأخرج بني إسرائيل أولاً من ظلمة الجهل والإستعباد وقتل أولادهم إلى نور المعرفة والعلم، ثم أخرجهم ثانياً من ظلمات الكفر والضلال والهوى إلى نور المعرفة والعلم والهدى، وأمره الله أن يذكر قومه بأيام الله التي أحسن فيها إليهم فأنجاهم وأغرق فرعون وقومه، فكانت بعثته تلك فيها دليل واضح لكل من يعرف أن يصبر على الطاعة وعن المعصية وأن يبالغ في شكر الله على نعمه الظاهرة والباطنة، ثم ذكر جانباً من موعظة موسى قومه فقال:(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) أمر موسى أن يذكّر قومه بنعم الله عليهم وهي كثيرة، أهمها إنجاؤهم من فرعون وقومه لأنهم كانوا يسومونهم سوء العذاب، عذاب سيء لا تحتمله النفس لأن فيه قتلاً للأولاد الذكور عن طريق ذبحهم وهو أمر شاق على الآباء والأمهات، وترك البنات أحياءً واستعباد الرجال والنساء لخدمة الفرعون وقومه، فأي بلاء أعظم من هذا؟ ثم وضع لهم الميزان الذي يضبط لهم حركة الحياة فينظمها في سلسلة مترابطة كأنها شجرة مثمرة تؤتي أكلها كل حين بإذن الله فقال:(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)الطاعة تنفع المطيع والمعصية تضر العاصي، لذلك أعلنها كلمةً واضحة يفهمها كل أحد، فالشكر يديم النعم ويبارك فيها، والكفر يؤدي إلى العذاب الشديد، فهم موسى الكلمة فهماً جيداً فترجمها لقومه، (وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ*أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) أخبر موسى قومه أن طاعتهم تفيدهم ومعصيتهم تضرهم، ولو كفر جميع بني إسرائيل ومن في الأرض جميعاً فإن الله غني عنهم محمود على كل حال حمده الحامدون أو لم يحمدوه، وأقام لهم الدليل الحسي على أن الكفر يضر صاحبه والإيمان ينفع صاحبه عن طريق النظر في التاريخ ليدخل قصةً في قصة، وسألهم سؤالاً أما علمتم ما حصل للذين من قبلكم؟ ممن كذب رسل الله وعاداهم، وذكر منهم قوم نوح أبو البشر الثاني وقبيلة عاد وثمود والذين من بعدهم، عطف العام على الخاص فجمع الكل في بوتقة واحدة، وعمم في المكذبين حين عدد من عدد وقال آخر كلمه:(لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ) فإن سأل سائلٌ ما قصتهم أتى الجواب (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة فوضعوا أيديهم في أفواه الرسل يمنعونهم من الكلام وأعلنوها كلمةً بمنتهى الوقاحة وقلة الحياء (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) كفراً بالموحى به وشكٌ بالمرسل والمرسل إليه، وقف الرسل مع الحق ناصرين له (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) القصة واحدة والناس هم الناس، فهؤلاء القوم أرسل الله إليهم الرسل فكفروا بهم وشكوا برسالتهم فدافعوا عن أنفسهم وأخبروهم أنهم رسل الله وأن الله فاطر السموات والأرض، ثبت خلقه للعالم بالأدلة القطعية اليقينية وتكرم على خلقه فدعاهم ليتجاوز عن سيئاتهم ويعفو عن ذنوبهم ويفسح لهم في المجال إلى موتهم عسى أن يكون ذلك دعوةً لهم إلى التوبة والرجوع إلى الله، فبدل أن يناقشوا الدليل ويطلبوا الحجة أصروا على باطلهم واتهموا الرسل بأنهم بشر مثلهم وأن غرضهم أن يصرفوهم عن الدين الذي كان عليه آباؤهم أعني عبادة الحجر والبشر، يخالفون أهواءهم، يصوبون منهجهم، فلا بد أن تأتوا بالدليل والحجة الواضحة التي لا تقبل النقيض، رد الرسل فوافقوا أنهم بشر ولكن خصهم الله بما لم يخص به غيرهم، وأن قضية المعجزات يستقل بها الله فيعطي معجزةً لمن أراد وقد لا يعطي، اعتباراً بالأدلة الظاهرة الدالة على الحق بوضوح (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) "إن" هي النافية والإستدراك في "لكن" يفيد الموافقة من جهة، ورد الدليل على الخصم من جهة ثانية، وقوله:(وَمَا كَانَ لَنَا...) اعتراف بعجز البشر وضعفهم ورضاهم أن يكونوا ملتزمين أمر الله راضين بحكمه لأن من يفوض أمره إلى الله يرض بحكمه وهكذا المؤمنون، وقال الرسل أي شيء يمنعنا من التوكل على الله والحال أنه قد بيّن لنا بالأدلة الواضحة الطريق الذي يجب أن نسير عليه، وعاهدوا الله على الصبر على ما يصيبهم لتبليغ الدعوة، فإن الإنسان إذا أراد أن يتوكل على الله يلزمه أن يرضى بقضاء الله ويصبر على البلاء وينتظر النصر (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) وما دام أن توكل الرسل على ربهم وفوضوا أمرهم إليه لابد أن ينصرهم على من عاداهم، وأن يكون إلى جانبهم يحميهم من عدوهم، مصداق ذلك (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ*وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) هدد الكفار الرسل وخيروهم بين أمرين أحلاهما مر: تهجيرهم من بلدهم أو يرتدوا على أدبارهم، فكان الله للكفرة بالمرصاد وللرسل بالتأييد، فأوحى إلى الرسل أن اثبتوا على ما أنتم عليه فالعذاب آت للظالمين لا محالة، وستكونون مكانهم تسكنون الأرض من بعدهم، هذا وإن كان في قضية خاصة فإنه مصير الصالحين الثابتين على الحق الذين يعرفون مقام الله فيراعونه ممتثلين راضين ويخافون وعيده فيبتعدون عما أوعدهم بالعذاب عليه، وصدّق ذلك عبرةً لمن يعتبر فقال:(وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ*مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ*يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) طلب الكفار النصر من الله فخاب سعيهم وسعي من كان على شاكلتهم من الجبارين والمعاندين، المصرين على الباطل المتمسكين به، المحاربين للحق المعرضين عنه، غافلين عما ينتظرهم من عذاب جهنم وشرابٍ من ما يسيل من أجسام المعذبين، شراب لا يستطيع أن يشربه الإنسان لأنه يعلق في حلقومه ولا يكاد يستطيع أن يبتلعه، في دار العذاب يأتيه الموت من كل مكان، ولكن الله حكم أن لا أحد يموت في جهنم لكن يعذبوا إلى ما لا نهاية، وصف العذاب ب(غَلِيظٌ) لشدته وقوته وما ينتج عنه من ألم. ولما كان الكافر يعمل في هذه الدنيا أعمالاً كثيرة لا يبنيها على الإيمان ولم يؤمن بالله، ولا طلب الأجر منه ولا رغب في ثوابه، ناسب أن يصف حال أعمال الكفار يوم القيامة فقال:(مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) شبّه القرآن أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا يوم يحتاجونها في الآخرة برماد عصفت به الريح فتطاير يمنة ويسره في يوم هاج فيه الريح وزاد سرعةً، هل يمكن جمع ذلك الرماد؟ لا شك ولا ريب أنه من الصعب العسير جمعه لأن الكافر إنغمس في الضلال البعيد أيام حياته فلم يعرف معروفاً ولا أنكر منكرا، غفل عن الإله فلم يوقره، وغفل عن الكون فلم يفكر فيه، وأفنى عمره في اللهو والعبث واتباع الهوى، فناسب أن يعظه في الدنيا ليتوب ويقلع عن باطله قبل أن يأخذه إلى الآخرة ويلقيه في جهنم، وبين له بالأدلة العقلية المنتزعة من الحس أن الله هو وحده المستحق للعبادة القادر على الخلق والإنتقام ممن عصاه، الخلق كلهم مفتقر إليه، وهو غني عنهم فقال:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ*وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) الهمزة للإستفهام و"لم" للنفي ومجموعهما يفيد التقرير، والرؤية آخرها قلبية، وعلّق عملها الجملة التي أفادت أن الله خلق السموات والأرض وأن ذلك ثابت بلا شك، وإذا كان كذلك فإنه خالق لجميع ما فيهما ومنهم البشر، فهو قادر على إعدامهم وإنشاء خلق جديد، أمر يسير لأن قدرة الله مطلقة لا يعجزه شيء، فحذار من غضبه.
وكأن القيامة قد قامت والحساب قد تم، فوقف الخلق العابدون والمعبودون بين يدي جبار السموات والأرض، فطلب الضعفاء من المستكبرين أن يتحملوا عنهم شيئاً من العذاب لقاء اتباعهم لهم في الدنيا، فبماذا ردوا عليهم؟ (وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) ردوا عليهم بحجة واهيه لا دليل عليها لا من عقل ولا من نقل، وعلقوها ب"لو" (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) من أين عرفتم ذلك؟ هل قال لكم رب العالمين ذلك أم تفترون عليه؟ لكنه في النتيجة استسلموا وأمروا أتباعهم أن يتابعوهم في التسليم لأمر الله، فلا فائدة في الإعتراض فلن يجدي نفعاً، انتهى الأمر وحكم الله حكماً مبرماً لا راد له، وهنا ينصب للشيطان منبر في جهنم وقد اجتمع فيها جميع العصاة من الجن والإنس، فيخطب فيهم خطبةً عصماء يصدق فيها ويبيّن أن المخطئ هم العصاة أنفسهم لا الشيطان ولا غيره، لا المستكبرين ولا الضعفاء، فيقول:(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) حق صراح يبين المسؤولية الجزائية للجميع، فالله وعد ووفى والشيطان وعد وأخلف، والكفار أطاعوا الشيطان وأعرضوا عن الله، لأن في اتباع الشيطان موافقةً لأهوائهم وكل إنسان مسؤول عن عمله، فبدل أن يلوموا الشيطان أو يلوموا المستكبرين ليلوم كل فريق نفسه، على كل حال لا يستطيع أحد إنقاذ أحد، والشيطان لم يصدّق أن البشر يخضعون له ولم يفكر يوماً أن يكون شريكاً لله، فكفره من نوع آخر غير الشرك بالله، وهكذا نال كل عامل جزاءه (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ) فالجنة دار السلام والحياة فيها سلام (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاما) والملائكة تسلّم على أهل الجنة وأهل الجنة يسلم بعضهم على بعض، ما أجملها من كلمة تورث المحبة والصفاء وترغّب في التعاون وتلبية النداء، وتجعل الناس يتفاعلون مع بعضهم ويتعاونون ويتناصرون، إنها الكلمة الطيبة تحمل الخير والبركة إلى الناس، مثلها مثل الكلمة التي أشار إليها بقوله:(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء*تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) الكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، تجمع ولا تفرق، تبني ولا تهدم، تنشر الخير بين الناس، أشبه شيء بشجرة النخل ثابتةٌ في الأرض وفروعها في السماء تؤدي إلى خير عميم وفضل عظيم، تثمر في كل وقت خيراً للعامة ورحمةً للمؤمنين، وإنما يشبّه الله المعاني بالأجسام تقريباً للأفهام، لأن نقل المعنى من الخيال إلى الحس يعني ثبوته في النفس واطمئنان القلب إليه، هكذا الإيمان يثمر الخير في كل وقت، وختم الآية بحض الناس على التفكر في معاني القرآن والعمل بمقتضى ما يأمر به.
ولما كان الضد يعرف بضده قال:(وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) رأينا الكفرة يتبرأ بعضهم من بعض ويتهم بعضهم البعض، ويحاول كل واحد أن يلصق التهمة بصاحبه حتى يتخلص من العذاب، بينما أهل الإيمان أمة واحدة ثابتة على الحق، مستمسكة به، داعيةٌ إليه، حريصة عليه، رأيها واحد وفكرها متقارب، كما قال:(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وقال هنا:(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء) فشخصية المؤمن قوية، وعقيدته راسخة، وقلبه مطمئن، لا يتغير ولا يتبدل مهما كان في الحياة الدنيا وفي الآخرة يبقى كما هو، أما الظالم فيتغير ويتلون تبعاً للظروف والأحوال، بهذا ظهر الفرق بين الإيمان والكفر واضحاً، كالفرق بين الظلمات والنور، مثل حسي يبين الحق، فاللهم وفقنا لنكون مؤمنين صادقين مقبلين على القرآن عاملين بما فيه متبعين لا مبتدعين.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة