الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بفضل الله فليفرحوا  
سورة يونس   الآيات 57 - 93


لما بيّن فيما سبق أن له ما في السماوات والأرض وأنه يحيي ويميت، ناسب أن يدعو الناس كل الناس إلى الطريق المستقيم لتستقيم حياتهم وينتفعوا بما أكرمهم به من الوحي فقال:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) نادى الناس بحرف النداء للبعيد، ينبّه الغافل ويوقظ النائم، واستخدم حرف التنبيه "ها" واستخدم المخصوص بالنداء اسم جَمعٍ لا مفرد له من لفظه، يعم بذلك الناس كل الناس مؤمنهم وكافرهم، والموعظة القصة المؤثرة التي تنوّر بصيرة المخاطب وتردعه عن غيّه وهي نكرة في سياق الإثبات وصفها (مِن ربكم) فهي جديرة بالإتباع والقبول، كيف لا وفيها شفاء لما في الصدور من الأمراض القلبية: الحقد والحسد والكبر والعجب وغيرها، (وهدى) تدل الناس على ما فيه صلاحهم في عاجل أمرهم وآجله، هي خارطة الطريق الموصل إلى رضوان الله والجنة، وسبيل التمتع برحمة الله في دار كرامته، وذيّل الآية بقوله:(لِّلْمُؤْمِنِينَ) لأنهم المنتفعون بهذا، أما غير المؤمنين فشعورهم متبلّد لأنهم مرضى وعقلهم غائب، ثم وجّه الخطاب إلى رسوله ليقول للناس (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) إرسال الرسول تفضّلٌ من الله وفتح باب التوبة رحمةٌ منه، وهذان الخبران يوجبان على المؤمن أن ينتفع بما أكرمه الله، لذلك أشار إليهما باسم الاشارة للبعيد ورغّبهم بالفرح وبيّن لهم أن الإقبال على الله وتلقي إفضاله بالقبول والإستعداد للدخول برحمته خيرٌ من المال أو الجاه أو السلطان أو المنصب، كنّى عن ذلك بقوله:(يَجْمَعُونَ) حذف معموله ليعم جميع ما يمكن جمعه مالاً أو جاهاً أو سلطاناً أو غير ذلك، وهنا حان الوقت لمناقشتهم فيما شرعوا لأنفسهم من أحكام لإقامة الحجة عليهم فقال:(قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) في الآية دليل على أن الرزق منزل بقدر الله لأنه إن كان حَباً أو فاكهة أو خضروات فإنه ينبت من الماء، والماء ينزل من السماء، وإن كان غير ذلك فبقدر الله والأقدار تنزل من السماء، تفضلاً من الملك الجبّار، فبأي حقٍ تجرؤون فتجعلون بعضه حراماً وبعضه حلالاً، هل أذن لكم الله بذلك؟! أم تكذبون على الله وتنسبون أهواءكم إليه ترويجاً لها، ثم أوعدهم بالعذاب فقال:(وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ) يسألهم ما تظنون؟ أتظنون أن الله غافلاً عنكم خافٍ عليه أمركم فتكذبون عليه!!، أغفلتم عن يوم القيامة؟، إن الله متفضل على الخلق كل الخلق لكنّ أكثر الناس لا يشكرون، ثم بيّن لهم أنه مطلع على عباده مراقب لهم في حركاتهم وسكناتهم فيما يأتون ويذرون موجهاً الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأمته له تبع، ثم التفت إلى النبي فقال له:(وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) المراد بالشأن الحال، والإنسان يتحول من حال إلى حال، من صحة إلى مرض ومن عبادة إلى عمل، وجميع ذلك معلوم لله، وأشار إلى الجانب الخيّر في حياة النبي وفي حياة الناس تلاوة القرآن، فأي تلاوة يؤجر عليها الإنسان وأي عمل يعمله يثاب عليه إذا ما طلب الثواب من الله، والله مطلع عليه محاسبٌ له قد يغفل الإنسان عن الله ولكنّ الله مراقبٌ له لا يغيب عن علمه أقل شيء أكان في أعماق الأرض أو كان في أعالي السماء، كان ذرةً أو أصغر أو أكبر، كل ذلك في كتابٍ واضحٍ لا يخفى عليه منه شيء، فمن عرف الله حق المعرفة فهو من أولياء الله الذين ينصرون الله ويستنصرون به ويعتمدون عليه ولا يلتفتون إلى غيره، من هنا ناسب أن يذكر صفات الأولياء الكاشفة فقال:(أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ*الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ*لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فأولياء الله لا خوفٌ عليهم، الخوف يكون من أمر في المستقبل والحزن يكون على أمر في الماضي، فالإنسان يخاف الفقر والموت والمصائب، ويحزن على فقد المال والجاه والمنصب، أما أولياء الله ففوضوا أمرهم إلى الله واتجهوا بكليتهم إليه، وثقوا بما عنده أكثر من ثقتهم بما في أيديهم، لذلك وعدهم بالفوز فلا خوف عليهم من الهلاك أو دخول النار، أم المصائب فيعتبرونها خيراً يستغفرون الله عند نزولها ويصبرون عليها حتى تنقضي ولا يشكون الله، وإذا فقدوا شيئاً لا يحزنون عليه مهما كان، لأنهم رضوا بقضاء الله وعلموا أن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما أصابهم لم يكن ليخطئهم، أنظر إليه كيف مدحهم بصفتين (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) آمنوا بالله الهاً واحداً متصرفاً في هذا الكون، يعطي ويمنع، يخفض ويرفع، لا راد لحكمه ولا معقّب لأمره، داوموا على تقوى الله فعملوا ما أمرهم به وتركوا ما نهى عنه واتقوا ما يحبط العمل ويفسد الأخلاق ويسيء إلى الناس، لذلك استحقوا البشارة مرتين في الدنيا والآخرة لأن حكم الله مبرم وقوله لا يتبدل، فإذا أطعت الله فزت بالجنة وأي فوزٍ أعظم من هذا. ثم واسى النبي صلى الله عليه وسلم، يشد من أزره ويقوي همته فقال له:(وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) قالوا عن رسول الله ما قالوا، والرسول بشر يؤلمه ما يؤلم البشر، والقرآن يخاطب الرسول وفي ثنايا خطابه له خطاب للأمة، يربي المؤمنين أن يكونوا مؤثّرين غير متأثرين، أقوياء لا يصيبهم الإحباط لأي سبب، لأنهم أقوياء بالله أعزة به، فمن اعتز بالله عز ومن طلب القوة فليتقوى بالله لأنه سميع لدعاء عباده العليم بأحوالهم: خفاياهم وخباياهم على ما قدمت قبل آيات، كيف لا وهم المملوكون له وهو الوحيد في هذا الكون لا اله غيره ولا مستحق للعبادة إلا هو، لأنه لا خالق لهذا الكون ولا مالك له إلا الله، لذلك بدأ الكلام بالنفي والإثبات الذي يعني التقرير، (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) فالعابدون ومعبوداتهم ملكٌ له فكيف يجرؤ المملوك على مخالفة أمر مالكه، ولا وجود في الحقيقة لإله غير الله إنما هي أوهام توهمها القوم بدون دليل واتبعوها، فسيأتي اليوم الذي يندمون فيه على ما فعلوا من افتراءٍ على الله وكذب على الخلق واتباع للظن وإعراضٍ عن الحق الثابت، فإن أردت الدليل على أنه الواحد الوحيد المتصرف في هذا الكون فانظر إلى آثار قدرته في هذا العالم، (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) آيات يدركها الإنسان بالتجربة، فالنوم في النهار مزعجٌ لا يؤدي الغرض المطلوب منه، والعمل في الليل مزعجٌ يصيب الإنسان بالأمراض المختلفة، واقتضت الحكمة أن يكون الليل للراحة والسكون، يريح الجسم ويريح العقل ويريح الحواس، والنهار مبصراً يتيح لك العمل والكسب وتحصيل المصالح، ولو تدبرت في هذا لعلمت أنه صنع عليم حكيم، وذيّل الآية بقوله:(لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) يسمعون الكلام فيفهمون معانيه ويتدبرون ويقبلون على المتكلم فيطيعونه ويوحدونه، لكن ما نصنع بمن أصمّ أذنيه عن سماع الحق وأعمى عينيه عن إبصار الأدلة، وادعى أن الله اتخذ ولدا، (قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) فرية إفتراها اليهود، فزعموا العزير ابن الله وتابعهم النصارى فزعموا المسيح ابن الله ووافقهم المشركون فزعموا الملائكة بنات الله، وكل اولئك يتكلموا بلا دليل، فما حاجة الله إلى الولد وهو الذي يملك الكون كله، ما فيه من أشياء صغيرة وكبيرة مملوكة له، ولكنّ الله يتجلى على عباده فيرفق بهم ويدلهم على الحق بأسلوب لطيف، قلتم إن له ولد ما دليلكم؟ هل عندك دليل؟ دليل عقلي فالعقل يأبى ذلك لأن الله لا يتغير، المخلوق يتخذ الولد لأنه يعجز فيحتاج إليه، ويموت فيحتاج من يخلفه، والله لا يعجز ولا يموت فما حاجته إلى الولد؟ لو أراد أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء، أما النقل فيحتاج إلى علم إلهيّ، والإله ينكر أن يكون له ولد فكيف تنسبون له الولد!!، أتقولون على الله ما لا تعلمون؟!، ويتابع رده ليؤدب الذين افتروا على الله بنسبة الولد إليه فيقول:(قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ*مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ) ولما كان قولهم لا دليل عليه لا عقلاً ولا حساً ولا نقلاً كان قولاً يؤدبون عليه، لذلك بيّن أن من يكذب على الله فينسب إليه ما لا يليق به يكفر بالله أولاً ولا ينال مطلوبه وما يريد ثانياً، وربما تمتع بكذبه قليلاً مدة بقائه في هذه الدنيا فإذا فارقها إلى الدار الآخرة يذيقه الله العذاب الشديد بسبب كفره وإصراره على الكفر ونسبة الولد إليه، وهنا جاء وقت الحديث عن الأمم السابقة، يقدّم بالحديث عنهم الدليل التاريخي الذي يبطل مقولة إن لله ولداً وأن لله شريكاً، فجميع الأنبياء من نوح إلى محمد عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالتوحيد الخالص، عرفوا الله وما يجب في حقه وما يجوز وما يستحيل، كل نبي دعا أمته لعبادة الله الواحد القهار، فهذا نوح أبو الأنبياء بل أبو البشر الثاني يقول:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ*فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لم يذكر عن نوح أين ولد ولا متى ولا أين عاش لأن تلك الأشياء لا فائدة فيها ولا ثمرة لها، ذكر أهم الأشياء جداله مع قومه يعلم المؤمنين أن يثبتوا على الحق ويعرّفوا الناس به وينشرونه بينهم وينصرونه، وتجلى ذلك في قوله:(إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ) يبدوا أن نوحاً عانى من قومه الشيء الكثير، وصبر عليهم صبراً جميلا، وها هو رابط الجأش واثق بالله معتمد عليه، يقول للقوم وقد أساءتهم دعوته، يأمرهم أن يجتمعوا عليه هم وأصنامهم الخمسة، ولا يأنفوا من ذلك بل يجتمعوا جميعاً على حربه ولا يعطوه مهلةً ليستعد، يهجموا عليه هجمة رجل واحد، فإنه واثق بالله معتمد عليه قادر على حربهم جميعاً، وهذا درس بالثبات على الحق والإقبال على مواجهة المخالف بقوة وشدّة وعظيم الثقة بالله، وإنما قال ذلك لا ليحاربهم ولا ليقاتلهم إنما أراده إثباتاً لدعوته وبرهاناً على صدقه بدليل أنه لم يقاتلهم ولكن أخبرهم أنه يدعوهم لله لا يريد منهم أجراً على دعوته إنما أجره على الله، فإن أعرضوا عنه ولم يجرؤا على مقاتلته، أخبرهم أنه أمر أن يكون من المسلمين الذين يسلمون قيادهم لله ويستسلمون لأمره ولا يخافون فيه لومة لائم، ثم بين القرآن موقفهم منه وما كان من أمره معهم فقال:(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) فأخبرهم أولاً أنه لا يطلب منهم شيئاً إنما يطلب الأجر من الله، فلما كذبوه فاصروا على باطلهم وتمسكوا به أغرقهم الله وأنجاه ومن آمن به، ثم وجّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بالإعتبار كيف كانت عاقبة المنذرين حين رفضوا الإنذار ويوشك أن ينزل بالعرب ما نزل بقوم نوح المكذبين له، إنها السنن كل من يكذّب الرسل يهلكه الله ويقطع أثره فهل من معتبر؟!، هكذا اجتزأ من قصة نوح هذا القدر يدلل به على كمال قدرته وسعة علمه، ليرد على من زعم أن له ولداً ويضحض حجته، إنه القرآن بأسلوبه الفريد. ثم ذكر جملةً من الأنبياء على طريق الإجمال مكتفياً بالتلميح عن التصريح فقال:(ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) فبيّن أن دأب الناس تكذيب الرسل وعدم الإقتناع بما يدعونهم إليه والتمسك بالباطل والإعراض عن الحق، وأن اولئك الأمم كذبوا الرسل لأن قلوبهم أظلمت بما اقترفت من المعاصي والآثام فلم تتدبر دعوتهم ولا أقلعت عن باطلها، لينتقل إلى جانب من قصة موسى فيقول:(ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ*فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ) لم يذكر القرآن المدة بين نوح وموسى ولا ذكر بداية حياة موسى لأنه سيفصلها في سورة القصص، واكتفى هنا بذكر طرفٍ من القصة، فنص على أن قوم فرعون استكبروا أي طلبوا الكبر لأنفسهم لأنهم قوم أشرار لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فبدل أن يقبلوا الحق شوهوا صورته زاعمين أنه سحرٌ واضحٌ مع أنه حقٌ جاءهم من عند الله، فردّ عليهم موسى (قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ*قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) أفحمهم موسى عليه السلام وأنكر عليهم أن تكون المعجزة سحراً لأنها أبعد ما تكون عنه، والساحر لا يفلح والنبي يفلح، فلما ألزمهم الحجة انتقل إلى الحجة القديمة الجديدة، أتيتنا لتصرفنا عن العبادة التي وجدنا آباءنا يؤدونها وتريدنا أن نكون مستسلمين لك تكون لك ولأخيك القيادة، وقرروا أنهم لن يؤمنوا به، فمعلوم أن أخاه تبع له وإذا كانوا لم يؤمنوا بموسى فلن يؤمنوا بهارون أيضاً، هنا تشجع فرعون وتكلّم فأمر بإحضار كل ساحر عليم في البلاد (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) فلما اجتمع السحرة لمبارزة موسى (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ) ألقوا حبالهم وعصيهم وأوهموا الناس أنها انقلبت حيات حقيقية جل أمرها أنها تتحرك إما بقوة شخصيته أو لأنه حشى عصيه وحباله زئبقاً فتحركت لما لامست حرارة الأرض، وهنا ألقى موسى عصاه وقبل أن يلقيها قال شيئاً (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ*وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) هكذا كان، أكلت الحية جميع الحبال والعصي ولم تسمن، فحق الحق بكلمات الله وبطل السحر، ومع أن هذه المعجزة واضحةٌ في الدلالة على نبوته ومع أن السحرة آمنوا وأوعدهم فرعون بالويل والثبور وعظائم الأمور (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) هكذا لخّص قصة موسى وذكر منها مشهداً واحداً ليبين لنا كيف أن الحق يغلب الباطل وأن المبطل سرعان ما يمضي خائباً، فالذين آمنوا بموسى بعض قومه لأن الجبن متغلغل في قلوب اليهود ويخافون بطش فرعون، لذلك ختم الآية بوصفين لفرعون: الأول أنه متكبّر يؤذي من خالفه والثاني أنه من المسرفين، ولما خلا موسى بقومه وجّه إليهم الخطاب (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ*فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ*وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) نصح موسى قومه إن كان إيمانكم صادقاً وكنتم مؤمنين حقاً بالله فعليه توكلوا وأسلموا أموركم كلها له، فهو الكافي لكم من الأعداء والقادر على الإنتقام ممن خالفكم أو آذاكم، وطلبوا من الله أن لا يسلط عليهم عدوهم فيكونون فتنة للأعداء تصرفهم عن الإيمان وطلبوا النجاة من فرعون وقومه، وأوحى الله إلى موسى وأخيه (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) هذه فكرة حي اليهود عبر التاريخ، من هنا نشأت لا لينعزلوا عن المجتمع ولكن ليسهل التواصل معهم وإنقاذهم في وقت قريب، وقوله أقيموا الصلاة ليجتمعوا في مكان معين يلتقوا بموسى ويأخذوا عنه إعلان الخروج في الوقت الذي يحدده، وذيّل الآية بقوله:(وبشّر المؤمنين) ولم يقل بماذا لتذهب فيه النفس كل مذهب، ثم دعى لموسى دعاءً غريباً يشد انتباه السامع ويدعوه إلى البحث في معناه، كيف يجوز لنبي أن يدعو على القوم جاء لإنقاذهم، وأنا أحاول شرح الآية ليسهل فهمها وتدبر معناها وبيان ما أراد موسى بهذا الدعاء، (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ذكر نعم الله على فرعون وقومه، فقوم فرعون زوّدهم الله بخير الدنيا زينةً وأموالاً، ما يوجب عليهم شكر الله والخضوع له والإيمان برسوله الذي أرسله إليهم، فكان خلاف ذلك أشار إليه بقوله:(رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ) بدل أن يحمدوك ويشكروك ويسرعون إلى طاعتك مغترين بالأموال والزينة (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) فلا يستخدمونها في حربي وحرب أوليائك، لا توفقهم لصرفها في نصرة الباطل ورد الحق، (وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي لا تمكنها من التفكير فيما يفسد على المؤمنين حياتهم فيصرفون عن طاعتك، لأنهم تمرسوا بالكفر وركنوا إليه فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، وعليه يكون معنى الآية:"ربنا آتيت فرعون وملأه زينة وأمولا في الحياة الدنيا ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم"، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا تكون سبباً لأذية عبادك، أجاب الله دعاء موسى (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) أمرهم بالإستقامة شكراً لله على إجابة الدعوة وتحقيق المطلوب، وهكذا نجى بنو إسرائيل من كيد فرعون فلم يرفع في وجههم سلاحاً ولا استطاع ان ينال منهم شيئاً، على العكس فقد أخذوا من القوم بعض ذهبهم، وقال الله (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) خرج بنو إسرائيل من مصر خلسةً في الليل ومضوا يريدون الهروب من ظلم فرعون، لم يذكر القرآن سبب مرورهم على البحر، إذ كان موسى وصل مصر ولم يعبر بحراً، وخرج فرعون في إثرهم، فخاف القوم وقالوا لموسى إنا لمدركون، فأجابهم جواب الواثق بالله المعتمد عليه المطمئن بإيمانه (كلاّ إن معي ربي سيهدين) وطوى القصة هنا مكتفياً بكلمتين: بغياً وعدواً، يعني بغى عليهم بغياً وعدا عليهم عدواناً، خرج ليردّهم ويعيدهم إليه عبيداً يخدمونه بطعامهم وشرابهم، فدخلوا البحر فأعمى الله بصيرته، لم يدر أن هناك بحراً فتح لبني إسرائيل ليعبروا ومن الجائز أن يغلق، ومضى بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى الضفة الثانية، ووصل فرعون إلى قلب البحر، وعبر موسى وقومه وضرب البحر بعصاه فانغلق وغرق فرعون وقومه، حتى إذا أدركه الغرق آمن بالله الذي لا إله إلا هو في وقت لا ينفع فيه الإيمان، وأقر أنه من المسلمين في وقت لا ينفع فيه الإسلام، وقال موسى لبني إسرائيل مات فرعون، قالوا فرعون لا يموت لأنه إله، فرد الله مقولة فرعون عليه ورد على بني إسرائيل القائلين بأن فرعون لا يموت، أراهم الله إياه ميتاً قد شبع من الموت، (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ*فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) فجعل موته دليلاً حسياً على أنه ليس بإله، أخرجه لهم من البحر ليروه ميتاً ويكون موته دليلاً للأحياء الذين عرفوه، ومع أن كثيرأ من الناس يرون آيات الله ويغفلون عنها، لذلك أكّد الخبر بمؤكدين "إن"و "اللام المزحلقة" (لغافلون) ولا يظنن ظان أن فرعون موسى هو فرعون الأهرام، ففرعون الأهرام آخر غير فرعون موسى، لأن فرعون موسى مات في البحر وفرعون الأهرام كان في قلب مصر، ثم منّ الله على بني إسرائيل وجعل لهم مكاناً في الأرض ومكانةً مرموقةً ورزقهم من الطيبات وكانوا ملتزمين بالمنهج حتى جاءهم العلم فاختلفوا وتفرقوا في الأرض وسيجمعهم الله جميعاً يوم القيامة ليقضي بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) هذا حديث مقتضب عن بني إسرائيل فيه عبرةٌ لمن يعمل عقله فيه ويتدبره فيعلم كيف يفكرون وكيف يخططون وكيف يعملون ليكون على بصيرة من أمره فيعلم ما يراد به فيحتاط حتى لا يقع في شركهم ويعرف ما يريد فيسعى لتحقيقه ويعتمد على الله في هذا وذاك يصوب مسيره ويسدد طريقه، فاللهم نور أبصارنا وبصيرتنا بنور كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة