الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

والله يدعو إلى دار السلام فهل من مجيب!!  
سورة يونس   الآيات 25 - 56


لما ضرب الحياة الدنيا مثلاً في سرعة انقضائها ونبّه على أن الإنسان لا تنتهي حياته بالموت بل لا بد من الحساب والثواب أو العقاب، ناسب أن يقول:(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) دار السلام هي الجنة، والسلام إما أن يكون الله عز وجل لأن من أسمائه السلام، أو دار السلام لا يُسمع فيها إلا السلام، فالملائكة تسلّم على أهل الجنة، وأهل الجنة يسلّم بعضهم على بعض، وإنما سميت دار السلام لأن داخلها استقام على الإسلام فاتبع هداية الله على صراط مستقيم ووصل سالماً إلى الجنة من أقرب طريق، ثم بيّن بعد إجمال ثواب المطيع والعاصي فقال:(لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الحسنى هي الجنة لقوله تعالى:(وصدّق بالحسنى) والزيادة هي ما يتفضل به الله على أصحاب الجنة من رؤية الجبّار في درجاتها لقوله:(وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) ولا يصيب وجوههم شيء من غبار النار ولا يلحقهم الهوان، لأنهم استحقوا الجنة فنالوا طيب الإقامة، ولأنها دار السلام فلهم السلامة، (وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) اقترفوا الذنوب الكبائر التي أوعد الله عليها بالنار من قتلٍ أو ظلمٍ أو إفساد في الأرض، جزاء سيئة مثلها جزاءً وفاقاً، يشعرون بالهوان لأنهم أهانوا شرع الله وخافوا منه لأنه لا يعصمهم من عذابه أحد، حتى اسودت وجوههم من شدة الخوف، عبّر عن شدة سوادها كأن أجزاء من الليل غطت وجوهها فاشتد عليها الظلام والسواد، كلا الفريقين مخلدٌ في ما استحق من نعيم أو عذاب، لكن لا بد قبل ذلك من إقامة الحجة على أهل النار، إلى ذلك أشار بقوله:(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ) يوم القيامة يجمع الله بين العابدين والمعبودين ثم يوجّه الخطاب إليهما يأمرهم أن يقفوا حيث هم بالسؤال والجواب، وهنا يتفرق المجتمِع ويختلف المتفِق، الشركاء يريدون أن ينجوا والعابدون يريدون أن ينجوا فمن أقدر على ذلك؟!، هنا يتبرأ المعبودون من عابديهم ويوجهون إليهم الخطاب (مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ) كنتم أهواءكم تعبدون، آثرتم الهوى على الحق، لم نأمركم بعبادتنا ولا رضينا عبادتكم ولا التفتنا إليكم في يوم من الأيام، ويستشهدون الله على ذلك ( فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ) "إنْ" هذه المخففة من الثقيلة وإسمها ضمير الشأن، والدليل اللام التي يسميها أهل النحو "الفارقة" تفرق بين إنْ النافية والمخففة، والمعنى حالنا وشأننا الغفلة عن عبادتكم، لم نلتفت إليها ولا رضيناها، هناك في ذلك الموقف يحصد الكافر ما زرع (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) في ذلك الموقف يتبين الصادق من الكاذب والمحق من المبطل وتظهر عاقبة الأعمال ويظهر للكافر فساد عقيدته وتبرؤ معبوديه منه فكان الحكم لله الحكم العدل وضاع الشركاء فاختفوا عن أعين عابديهم، لأنهم في الحقيقة ما كانوا عابدين لهم بل لأهوائهم ومصالحهم، ولا مصالح في الاخرة ولا هوى بل الحق الصرف، وهنا آن أوان الحوار في الدنيا بعد أن أراهم الاخرة وعاقبة ضلالهم ليكون ذلك سبباً لإقلاعهم عن الباطل وخضوعهم للحق، وهذه الأسئلة التي سألها الله للكافرين على لسان نبيه، شرف نبيه بالخطاب وأمره أن يسألهم أولاً فقال:(قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) هذا السؤال مكوّن من خمسة أسئلة، من يرزقكم من السماء والأرض؟، الإنسان بحاجة إلى طعام وشراب وهذا الطعام والشراب يأتي من السماء والأرض، من الذي جعل في التراب القدرة على الإنبات، إنبات أنواع مختلفة لم يذكرها هنا وسبق أن ذكرها في غير هذا الموضع وسيعود إلى ذكرها بعد سورتين أو ثلاثة. الله بيده إنزال المطر وإخراج النبات، والإنسان لا يستغني عن الطعام والشراب، فإن لم يرزقه الله فمن يرزقه؟، ثم أضرب إلى قضية ثانية كأنه قال "بل من يملك السمع والأبصار؟" أنتم تخالفون الرسل فلا تقبلون ما تسمعون ولا تعتبرون بما تبصرون ولا تفكرون فيما تسمعون وتبصرون، فإن سلبكم الله السمع والبصر والعقل فماذا تفعلون؟، ثم أضرب إلى ثالثة من يخلق الحياة في الجماد فيحيا ويخلق الموت في الحي فيموت؟، فالله وحده قادر على هذا لا أحد غيره، وخامسة من يدبّر أمر هذا الكون؟، جواب واحد لا ثاني له، لذلك أخبر أنهم سيجيبون به، إنه الله الذي لا إله إلا هو يفعل كل ذلك، (أ)تعلمون ذلك؟ (فَلاَ تَتَّقُونَ)، فالهمزة داخلة على محذوف هو المعطوف عليه، والفاء حرف العطف و(لا تتقون) عطفٌ على المحذوف، (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) إذا ثبت أن الله يفعل ذلك كله وهو كذلك فالله الحق أي الثابت بالأدلة العقلية والحسية، فهو الذي رباكم بالنعم وأنتم محتاجون إليه في حياتكم الدنيا وفي الآخرة، ولما كانت القسمة ثنائية حقٌ وضلال، وكان النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فكيف تصرفون عن الحق إلى الضلال؟، فتخرجون من دائرة الإيمان التي قامت عليه الأدلة الثابتة إلى الضلال، إنه الظلام الذي استحكم في قلوبكم بسبب انغماسكم في شهواتكم ومصالحكم وأطماعكم فحكم عليكم بذلك من أعمالكم، (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) أي خرجوا من دائرة الإيمان بسبب فساد سريرتهم بترك الحق والإعراض عنه والميل إلى الباطل والتمسك به، فنتيجةً لذلك لا يؤمنون.
مرةً ثانية أسئلة تحتاج إلى جواب ليبنى على الشيء مقتضاه، (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) لم يدعِ أحد من المشركين أن أصنامهم أو معبوداتهم تبدأ الخلق أو تعيده، بل اعترفوا بنقيض هذا بمواضع كثيرة، من خلق...ليقولن الله، لذلك تولى الإجابة عن هذا السؤال بنفسه وأوكل إلى رسوله إبلاغه إعراضاً عنهم وتشريفاً لرسوله فقال:(قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) إذا كان الله هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده فكيف تجرؤون على الكذب عليه؟، والإفك أبشع أنواع الكذب، سؤالٌ ثالث (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) لم يدعِ أحدٌ أن الأصنام تتكلم فتأمر أو تنهى، أو أن المسيح والعزير والملائكة كلموا الناس الذين يعبدونهم من دون الله فأرشدوهم إلى ما فيه صلاحهم، على العكس من ذلك، فإن المشركين يفزعون إلى الله عندما يصيبهم الضر يستغيثون به، لذلك تولى القرآن الإجابة معرضاً عنهم مشرّفاً رسوله بالخطاب (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) إذا كان الله يهدي للحق فمن الأولى بالإتباع؟ (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى) الأحق طبعاً الذي يهدي يعطي ويمنع، يضر وينفع، أما العاجز فلا خير فيه ولا فائدة منه (فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) هذا الحكم الجائر فتسوون بين القادر والعاجز، بين الغني والمفلس، بين من لا يهدي إلاّ أن يهدى، الحقيقة كل الحقيقة أنهم قوم أغبياء يعتمدون الأوهام عليها يبنون الأحكام، ولو أعملوا عقولهم ما فعلوا ذلك، (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) فهؤلاء القوم ساروا وراء أوهامهم وتركوا الحق الصريح طمعاً في منفعة عاجلة أو مصلحة زائلة، خدعوا أنفسهم غافلين عن الله وعن منهجه ظانين أنه غافل عنهم والحق خلاف ذلك، (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) لا يخفى عليه شيء من أحوالهم وأعمالهم، يحصيها عليهم كتبةٌ وُكلّوا بهم، ليحاسبهم عليها يوم القيامة، وفي هذا دليل واضح على علم الله وقدرته على البطش بأعدائه ومخالفيه وردٌ على الذين زعموا أن محمداً ألّف القرآن ونسبه إلى الله ترويجاً له، لذلك تراه يقول:(وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ) وقال مرة:(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (*) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (*) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (*)) وقال هنا مستدركاً على ما سبق (وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) فالقرآن يصدّق الرسول والرسول يبلّغ القرآن، يبيّن الفرائض الحلال والحرام مبلّغاً ما أوحى إليه رب العالمين، فالقرآن كلام الله حقاً وصدقاً منزّل من رب العالمين، فصّل أحكامه أحسن ما يكون التفصيل وبيّنه أحسن البيان فصدّق الرسول وصدقه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أضرب فقال:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) بل أيقولون افتراه بعد هذا البيان؟ ولم يجرؤ أحدٌ أن يعارضه أو يأتي بمثله، لذلك ناسب أن يتحداهم أن يعارضوه بسورة واحدة من مثله، وأذن لهم أن يدعو من استطاع غير الله يستعينون به على ذلك إن كانوا صادقين في دعوى أن القرآن من كلام محمد (قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) وأقصر سورةٍ في القرآن على الإطلاق سورة الكوثر، سطر واحد فيها أمران وخبران وبشارتان ووعد ووعيد، فهل يستطيع بشر أن يفعل؟ لم يجرؤ كبار القوم أن يحاول معارضة القرآن، والذي فعل مسيلمة الكذاب فجاء كلامه سخيفاً ضعيفاً لا معنى له تافهاً في كثير من الأحيان، لذلك تراه يحكم حكماً جازماً فيقول:(بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) إن من إعجاز القرآن غزارة معانيه وقوة بيانه، بحيث يعجز الإنسان عن الإحاطة بما فيه من الحكم والأحكام، ولما تظهر حقيقته وعاقبة أمره لأنه حين تظهر حقيقته للناس لا ينفع نفساً إيمانها لأن وقت الإيمان انتهى، ولما كان الناس هم الناس كان تكذيب العرب لمحمد كتكذيب الأمم السابقة لأنبيائها، وكما أهلك المكذبين من قبل ربما أهلك العرب إن أصروا على التكذيب، لذلك شبّه اللاحقين بالسابقين فقال:( كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) وعاقبة الظالمين تتشابه فليحذروا الظلم أعني الشرك بالله وعبادة غيره، ثم بيّن أن الكفار فريقين يشتركان في إلحاق الفساد في الأرض، ويفترقان بعضهم يؤمن بالقرآن وبعضهم لا يؤمن به، (وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ) إن القرآن يعلّم المؤمنين أن يسعوا في عمارة الأرض وحمايتها من الفساد والمفسدين، ويواجه المخالف بأدب راقٍ وفكر نيّر، يبيّنون الإسلام بأخلاقهم قبل أن يبينوه بألسنتهم، أنظر إلى قوله:(وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) إن تكذيب المخالف لمخالفه أمر ممكن وإن كان قليل الحصول، فلو حصل كيف نداويه؟ جاء هنا الجواب بأن يصبر على ذلك ويقول ما وصفته الآية بأن لكل منا عمله وعاقبة العمل عند الله والمسؤولية على العامل، ثم ذكر طائفةً من الكفار يسمعون ولا يسمعون فضرب لهم مثلاً رائعاً فقال:(وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ) لا بد من تحقق أمرين لحصول الإيمان، سماع الوحي الإلهي وسماع الرسول وتعقّل ما يُسمع وتديره، وهؤلاء كانوا يستمعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يعجبون بالقرآن لكن لا يحاولون فهمه لأن فهمه والإيمان به يضيّع مصالحهم الدنيوية، فكانوا يسمعون القرآن ولا يعقلون معانيه والهدف منه، (وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ) ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن نظر إليه عرف أنه رسول الله حقاً وصدقاً إذا أعمل عقله وفكره في حاله وما يدعو إليه، لكن هؤلاء ينظرون ولا ينظرون، لا يعتبرون بما يروا، لذلك عميت بصيرتهم فلم يؤمنوا ومن لا يريد الإيمان لا يستطيع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجبره على ذلك، لأن الله أراد من العباد أن يقبلوا الإيمان باختيارهم، لم يرد الجاءهم إلى الإيمان وإجبارهم عليه، بل أرادهم أن يكونوا عبيداً بالإختيار، فظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي فأوردوها موارد التهلكة، وصدق الله (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فهم ظلموا أنفسهم باتباعهم الباطل وتركهم الحق وإقبالهم على الشهوات وركونهم إلى الدنيا واطمئنانهم بها، وتظهر عاقبة ذلك يوم القيامة (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) ما أسرع ما تمضي الأيام، وأيام الأموات أسرع والوقت عندهم أقل، فيوم يبعث الله الأموات يحسبون أنهم ما لبثوا أمواتاً إلاّ وقتاً يسيراً مقدار ما يلتقي الناس ويتعارفون بينهم، هكذا الحياة تمضي سريعا، فالسعيد من استغلها في طاعة الله وزرع الأعمال الصالحة ونصر الحق وحارب الباطل وآمن بالبعث وانتظر الجزاء، والشقي أشار إليه بقوله:(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) لأنهم أفنوا أعمارهم في ما لا فائدة فيه ولا ثمرة له، لم يستهدوا الله فيهديهم وأعرضوا عن هداية الرسل فلم يقبلوها. ولما كان الرسول حريصاً على هداية قومه خائفاً على من لم يهتد منهم، واساه القرآن فقال له:(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) عانى الرسول من قومه ما عانى وصبر وتحمل وكان يرجو أن يهتدوا جميعاً، فاهتدى البعض وحاربه البعض وأساؤوا إليه، وكان يتمنى أن ينتصر عليهم فنصرهم الله على بعضهم ولم ينصره على بعضهم فواساه هنا بقوله فيما معناه "من انتقمت منه أريتك فيه ما تقر به عينك ومن لا ففي القيامة يحاسبه على أعماله السيئة حساباً عسيراً"، لكن الكافرين ينكرون البعث لاجرم أكد عليه في موضعين: الأول أن الرسول يشهد على أمته قبل أن يقضى عليهم بالعذاب فقال:(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) وأما منكروا البعث المستبعدون له بما يترتب عليه من مسؤولية جزائية، فرد عليهم أبلغ رد (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ*قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) يستبعد العاصي اليوم الآخر، فإذا وعظت إنساناً وقلت له اتق الآخرة أجابك الجواب المعهود"ما عاد أحد من الآخرة فأخبر" على أن الرسول أخبر قبل أن يذهب مستنداً إلى وحي الله، وهاهو يقول:(لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) أي وقت للحساب، الحساب الصغير في القبر، لذلك قالوا "القبر صندوق العمل"، هذا الوقت لا يتقدم ولا يتأخر، واستعجالكم بالعذاب يوقعكم في التهلكة من حيث تدرون أو لا تشعرون، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) فإن أتاكم عذابه بياتاً في الليل أو نهاراً في ساعة الغفلة ما فائدة ذلك لكم؟، أتستعجلون الهلاك؟ فإذا ما وقع آمنتم به الآن آمنتم (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) لا ينفعكم الإيمان لأن وقت الإيمان انتهى والآن وقت الحساب لأن الله يميتهم ثم يأتي وقت العذاب فيحيوا ليحاسبوا (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ).
(وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ) طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم خبراً صادقاً، أحق للعذاب فأخبرهم أنه حق ثابت وأقسم على ذلك بربه، وأعلمهم أن الله قادرٌ على إحيائهم ومحاسبتهم لا يعجزه شيءُ، ولو أن كل نفس ظلمت أرادت أن تنقذ نفسها من الظلم وتفدي نفسها بما في الأرض لن ينفعها، وقال مرةً بملء الأرض ذهباً لن يقبل منه لأنه لا فداء (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ به) تبين هنا أن ما أخبر به الرسول حق فأخفوا ألمهم وندمهم لما رأوا العذاب واستسلموا لأمر الله حين حكم عليهم الحكم العادل (وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) وهنا حان وقت التنبيه إلى حقيقة كثيراً ما غفل عنها المشركون، أن الكون جميعه ملكٌ لله وأن وعد الله ثابت لا يتبدل ولا يتحول وأن الناس في جهلٍ مطبق لا يعلمون معه الحق، (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) والدليل الحسي على ذلك الذي لا يستطيع أن ينكره أحد، أنه يخلق في الجماد الحياة فيحيا ويخلق في الحي الموت فيموت، ويحاسب الخلق في يوم لا ريب فيه (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فهذه دار السلام ترحّب بالعاملين تحضهم على العمل المنتج البنّاء الذي ينفع العامل أو يدفع عنه أو ينفع غيره أو يدفع عنهم ليبقى المجتمع حافلاً بالعاملين حياً بهم يعمرون الأرض ويصلحونها لتصلح الحياة، فاللهم وفقنا لنعمل بطاعتك.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة