الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وقل اعملوا 
سورة التوبة   الآيات 97 - 129


لما بيّن في الآية السابقة حال المنافقين وزيّف رأيهم، وبّين أنه لا يرضى عن فسوقهم، ناسب أن يتحدث عن الأعراب فجعلهم ثلاثة أقسام: قال في الأول:(الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الأعراب سكان البادية يعيشون مع الجمال يتأثرون بهم فتقسوا قلوبهم ولا يلينون للحق، من هنا وصفهم بشدة الكفر والنفاق وجهلهم بحدود الله التي يجب أن يعرفوها ويقفوا عندها ويؤمنوا بالقرآن، لكنهم لم يفعلوا ذلك، والله حين قسمهم هذه القسمة قسمهم عن علم وحكمة، أما الطائفة الثانية فلربما كانت مثل الأولى في قساوة القلب والبخل بالمال والحقد على المسلمين، قال تعالى:(وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ومع هذا الظلام والجهل يشرق النور مع الطائفة الثالثة التي لانت قلبوها لقبول الحق وآمنت بالله واليوم الآخر، وجعلت صدقاتها سبيلاً تتقرب به عند الله، أضافت إلى ذلك رغبتها في دعاء الرسول فوعدهم الله أن يدخلهم في رحمته ويوفقهم للتوبة والعمل الصالح بأنه غفور رحيم فقال:(وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وعن هذا النور ومن قلب الصحراء ظهر صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، عرفوا الله فأحبوه وأقبلوا على طاعته فعاداهم الناس واعتدوا عليهم فصبروا واحتسبوا ولم يقولوا شيئاً يغضب الله، بل استمروا صابرين محتسبين فاستحقوا ما وعدهم الله، (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) السابقون الأولون هم المؤمنون الأول عانوا من المشركين أشد العناء، وهاجروا رغبةً بالنجاة الهجرتين، والأنصار الذين ناصروا النبي صلى الله عليه وسلم فآووه والمؤمنين في مدينتهم التي نورها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سار على نهجهم من الصالحين جعلهم الله أمة واحدة تستحق المدح بما قدمت والثناء على ما فعلت، فجاء قوله:(رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ) رضي عنهم لأنهم أطاعوه وصبروا على البلاء وأخلصوا الدعاء، ورضوا عنه لأنهم تحملوا في سبيل تبليغ الدعوة ما تنوء بحمله الجبال فصبروا ونشروا الدين ونصروه بأموالهم وأنفسهم، لم يعقهم عن ذلك ظلم ظالم ولا قسوة جار، لا جرم استحقوا الأخرى جنات تجري تحتها الأنهار والخلود المؤبد فيها (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، ثم عاد إلى المنافقين يسبر غورهم ويعرّف بهم تعريفاً واضحاً لينتقل منهم إلى قوم صالحين فيقول:(وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المدينة كالكير تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد"، ولما كان إيمان أهلها قوياً تمركز الشيطان فيها ليفسد على الناس دينهم بتزيين النفاق والترغيب فيه، لذلك أوعدهم الله بالعذاب مرتين في الدنيا، ثم يعذبهم في الآخرة عذاباً عظيماً، ولما كشف المنافقين ناسب أن يذكر طائفة صادقة جمعت في أعمالها بين الصالح والسيء فمنّ عليها بقبول توبتها فقال:(وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) "عسى" من الله واجبة الوقوع، فالله جل جلاله وعدهم أن يفتح لهم باب التوبة ويقبلها منهم لأنه غفور يستر الذنوب ليمحوها ما ذاك إلاّ أنه رحيم بعباده، قال تعالى:(ورحمتي وسعت كل شيء) ولما كانت الصدقة تكفّر الذنوب وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، ناسب أن يأمر نبيه فيقول:(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) المأخوذ منهم هم الثلاثة الذين تاب الله عليهم ونصّ على توبتهم في الآيات ولا يمنع أن يكون أخذ الزكاة من المؤمنين لأن الفقهاء جعلوا هذه الآية دليلاً على وجوب الزكاة، والنبي صلى الله عليه وسلم طبقها على من جاءه بالزكاة فدعا له تماماً كما قالت الآية، والصلاة هي الدعاء فقال للمزكي:"بارك الله لك فيما أبقيت وأخلف عليك فيما أعطيت"، وهذا يطمئن المزكي ويطيّب نفسه، وبهذا استدل مانعوا الزكاة بعد النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر فقالوا:"النبي كان يأخذ الصدقات ويعطينا وأنت ماذا ستعطينا؟؟"، والله سميع لأقوالهم عليم بأحوالهم يثيب المطيع ويعاقب العاصي، وبعد أن بيّن حكم أخذ الزكاة والدعاء للمزكي، ناسب أن يسأل سؤالاً لا يشك في جوابه أحد فقال:(أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) الهمزة للإستفهام و"لم" للنفي، وإذا اجتمع الإستفهام والنفي صار تقريراً، لكنه أراد استفهاماً تقريرياً يبين من خلاله أنه وحده يقبل التوبة عن عباده، وضمّن "يقبل" يعفو عن عباده، يتجاوز عن سيئاتهم، كما ضمّن "يأخذ" يثيب عليها ويقبلها لأنه تواّب يفتح باب التوبة ويقبلها من التائبين لأنه رحيم، وهنا جاء وقت الجد والإجتهاد فدعا إلى العمل (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) العمل العمل به ينهض المجتمع، به تبنى الأمة، به يعز الناس، خاصةً إذا كان منتجاً بنّاءً مفيداً، يظهر أثره في المجتمع فيراه الناس ويتعرفون إلى العامل فتقوى صلتهم به وتحسن معاملتهم له، ويسعد بثنائهم عليه، ويأنس باطمئنانهم إليه، لذلك جمع بين الله ورسوله والمؤمنين في نسق واحد ليدل على ما قلت، وحين يعمل الناس تنهض الأمة من كبوتها وتؤمن لها الحاجات وتدفع عنها الغوائل، أَما الأجر فإليه الإشارة بقوله:(وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) فالله حق ووعده حق. ولما ذكر العمل ناسب أن يذكر طائفة، أخّر الله الفصل في شأنها وهي تنتظر، لأنها عملت عملاً صالحاً وآخر سيئاً وهي تنتظر أن يعفو عنها لأنه عليم حكيم (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، ولما ذكر الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ووعدهم بالمغفرة وقبول التوبة، ناسب أن يضيء على جماعة عملت عملاً سيئاً لم تستح من الله ولا من خلقه فقال:(وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) هذه قصة مسجد الضرار، بناه المنافقون على صورة مسجد ليكون مرصد مراقبة للمسلمين وتربصٍ بهم، ادعوا أنه للّيلة المطيرة وللعاجز عن الوصول إلى مسجد قباء، والمسافة بين المسجدين لا تتعدى الأمتار، بنوا هذا المسجد بمشورة أحد الكفرة يجتمعون فيه ليتلقوا تعليماته لحرب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا أن يشرّع لهم المسجد وكان على ظهر سفر فقال عليه الصلاة والسلام:"إذا رجعت يكون خيراً" فلما رجع إلى المدينة كان خيراً على المسلمين لأن الله بيّن لهم ما نص عليه في هذه الآية، أولاً ضرار ضاروا به مسجد رسول الله في قباء وشقوا جماعته ومجتمعه، ثانياً كفراً لأنه مرصد للتجسس على المسلمين ومجمع للكفرة يتآمرون فيه على المسلمين وتفريقاً بين المؤمنين يفرقون الأمة ويشقون عصا الوحدة وينتظرون أبا عمروٍ الراهب ليحاربوا معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما عهدناهم يحلفون ليبينوا عملهم (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى) حلفاً كاذباً على عادتهم، شهد على كذبهم رب العزة كما يلاحظ ذلك في آخر الآية، كل ذلك كان مبررات وأدلة اتهام ليصدر بعدها الحكم بمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من زيارته والصلاة فيه (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) نهى النبيَ صلى الله عليه وسلم أن يصلي في هذا المسجد لأن صلاته فيه إعترافٌ بأنه مسجد وهو في الحقيقة خلاف ذلك، ثم بيّن أن المسجد الأحقَ بالصلاة فيه هو أول مسجدٍ بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قباء على تقوى من الله من أول يومٍ فيه، يوم قدم المدينة مهاجراً واستقبله أهلها المؤمنون الذين أحبوا طهارة الجسم وطهارة القلب وطهارة اليد، لأن الله يثيب المطّهرين ويكرمهم عنده، ثم عقد مقارنةً بين بنائين بناءٌ أسس على جبل وبناء أسس على طرف الوادي، أيهما يصمد في الأمطار، ثم اتخذ من هذا التشبيه مثلاً لمن بنى على الإيمان ومن بنى على النفاق، واقتطع من كل تشبيه بعضه وركب ذلك في صورةٍ بديعةٍ أدت المعنى أحسن ما يكون الأداء بألفاظ أبلغ ما تكون فقال:(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) الأول بنى بنيانه على الإيمان والصدق والثقة بالله كمثل الذي يبني على الجبل فمهما جاءت العواصف لا تحركه ولا يستطيع السيل أن يأخذ منه شيئاً، أما الذي أسس بنيانه على نفاق وفجور تغطّى بالإيمان وتحته الكفر والعداء للإسلام كمثل الذي يبني على طرف المسيل على رملٍ منكسر لا يثبت، فإذا جاء السيل أخذ البناء إلى البحر، هذا السيل الحسيّ أما السيل المعنوي فالإيمان يفضح المنافقين ويكسر شوكتهم ليلقي بهم في نار جهنم وهم أغبياء لأنهم ظلمة وضعوا الأمور في غير موضعها فعميت بصيرتهم وكلَّ فَهمهم، كيف لا وقد تخلى الله عنهم (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ثم بيّن مقدار ما تغلغل النفاق في قلوبهم حتى صار قطعة من القلوب لو تقطعت لظهر في ثناياها النفاق، لله دره ما أجمله من كلام يبنون ولا يبنون، يحاولون أن يكسبون الثقة ولا يكسبونها لأن قلوبهم ممتلئة بالشك والنفاق، حتى لو قطّعتها لوجدت النفاق متداخلاً بين شغافها كتداخل الدهن في اللحم، وختم الآية بقوله:(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) إشارةً إلى أنه لا يخفى عليه شيء ويضع الأمور في موضعها المناسب، وإذا كان حال المنافقين كذلك فإن حال المؤمنين بخلافهم لأنهم باعوا أنفسهم لله وأنفقوا في سبيله ونصروا الحق (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فالمجاهدون ورد ذكرهم والثناء عليهم في التوراة كتاب موسى والإنجيل كتاب عيسى والقرآن بأنهم وفوا لله ما عاهدوه والله أكرم وأوفى، ولما بايعهم وبايعوه أمرهم أن يسعدوا بهذا العمل بأنهم وهبوا أنفسهم لله فوهبهم الله الجنة والفوز في الدنيا والآخرة ولا فوز أعظم من ذلك، ثم وصفهم وصفاً كاشفاً يجعل من يقرأ الآية يقتدي بهم ويسير على هديهم فقال:(التَّائِبُونَ) أي الذين داوموا على الإستغفار وطلب المغفرة بالليل والنهار طمعاً فيما عند الله ورغبةً في أن يؤدوا حقه، (الْعَابِدُونَ) الذين أخلصوا الطاعة لله فلا يعملون إلاّ ما يرضيه حياتهم وأعمالهم وأخلاقهم وعطاؤهم ومنعهم لله وفي الله فكلهم طاعة، (الْحَامِدُونَ) يحمدون الله في كل حال عند الصيام وعند الفطر، عند الرخاء وعند الشدة، لا يثنيهم عن العبادة شيء، (السَّائِحُونَ) الصائمون الذين يتفكرون في ملكوت الله يسعون إلى طاعته، ولأن العبادة تكمّل الحياة وتقوّم السلوك نكرها إجمالاً أولاً وتفصيلا في قوله:(الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) ومع ذلك فهم في المجتمع مشاعل نور وفي الأخلاق أئمة ينشرون السرور (الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ) بهما يصوب المسار وتستقيم الحياة ويعيش الناس في أمن وأمان لأن كل واحد يعرف حده فينتهي عنده ولا يتعدى إلى حدود الله، (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) هكذا الله وصفهم بصفات تدل على كمال إيمانهم وصلاح أعمالهم واستقامة سلوكهم فكانوا قدوة لمن بعدهم. ولما وصف المؤمنين في أعمالهم، ناسب أن يرشّد تصرفاتهم في تعاملهم مع المخالف، فبيّن أن المخالف ما دام حياً بيننا له حق الحياة نحترمه ونعطيه حقوقه الإنسانية كاملة، فإذا مات على الكفر انقطعت صلتنا به لأنه من مجتمع غير مجتمعنا فقال:(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) أي ما صح ولا استقام للنبي الذي عرف الله وما يجوز في حقه وما يستحيل في حقه وما يجب أن يطلب منه المغفرة لرجل مات على الكفر به، وجمهور المفسرين أنها نزلت في أبي طالب بعد أن قال للنبي قبيل موته إنه على ملة عبد المطلب، فإذا كانت ملة عبد المطلب تنفع عبد المطلب لأنه لم يأته نبي فإنها لا تنفع أبا طالب لأنه رأى النبي وحاز من العلم ما يدعوه إلى الإيمان به، وإذا كان رأس المؤمنين هذه صفته فالذين آمنوا معه وتبع له، لأن ابا طالب لم يقبل أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمات على الكفر فهو من أصحاب الجحيم، ويؤكد ما ذهب إليه المفسرون ذكر أولي القربى في الآية، فإذا احتج محتج باستغفار إبرهيم لأبيه أو عمه يأتيه الجواب:(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) فإبراهيم وعد أباه بالإستغفار، ولما علم أنه عدو لله تبرأ منه، هكذا المؤمن يوفّي بالعهد ما دام ذلك مشروعاً مأذوناً به، فإذا كان في الوفاء مخالفةٌ لشرع الله أعرض عنه، لأن القاعدة تقول:"ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط"، وما صح ولا استقام لله أن يضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم الأمور التي إن فعلوها ضلوا والأمور التي ان تجنبوها كانوا متقين (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) لأن الإنسان بحاجة إلى هداية الله في كل حين، ولذلك كانت موالاة الله نصره واستنصاره ضرورية للإنسان لأن الإنسان يعيش بين نعمتين: نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد (إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) وهنا تأتي التوبة لمن طلبها وصبر لينالها فيقول:(لَقَد تَّابَ اللَّه عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ*وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم وأمرهم أن يرسلوا نساءهم إلى أهلهم إلاّ واحداً منهم كان بحاجة إلى خدمة زوجته فاستأذنت رسول الله فأذن لها وقال:"خدمة فقط"، وبعد خمسين ليلة عانى فيها الثلاثة ما عانوا من العزلة والوحدة والضيق نزلت توبتهم، ورحمة بهم وتشريفاً لهم وإشادة بحسن عملهم ذكر معهم النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، مع أنهم لم يفعلوا شيئاً لكنه ذكرهم مع الثلاثة وعطف الثلاثة عليهم رفقةً ورحمةً بهم، لأن الذين وصلوا إلى درجة كبيرة من الضيق كما قال:(كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ) لا الأولون ولكن ذكرها في الأولين ترفقاً، أما الثلاثة فبيّن ضيقهم وشدته بقوله:(ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) ما معنى أن تكون وحيداً لا يكلمك أحد، تسلم فلا يرد عليك أحد، تسأل فلا يجيبك أحد، إنه الضيق بعينه والشدة التي ما بعدها شدةـ، ضاقت عليهم أنفسهم وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فجاءت توبتهم بعد ذلك وفسح لهم في المجال، وهذا دليل على أن الصدق منجاة، من هنا جاءت الآية بعدها لتقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ) فهؤلاء هم الصادقون الذين ضربوا أروع مثل في الصدق، ثم بيّن العلة التي لأجلها أدّب المتخلفين وأمر بهجرهم هذه المدة ليعلمهم أن البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته والتحرك بحركته والإنفاق في ذلك بل والمشي والحركة والصعود والهبوط في كل ذلك أجرٌ عظيم على ما سأبيّنه (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ*وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) أي ما صح ولا استقام لجيران النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة ومن جاورها من الضواحي أن يتأخروا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما صح لهم أن يفضّلوا أنفسهم على نفسه فيضحوا به أو يتخلفوا عن نصرته مؤثرين سلامة أنفسهم، فإن هذا عين الغباء لأن بقاءهم مع رسول الله خير عظيم يحصلون عليه في جميع حركاتهم وسكناتهم، لأنهم إن أصيبوا بعطش أُجروا وإن تعبوا أجروا وإن جاعوا أجروا ما داموا مجاهدين، وإن مشوا مشيةً تجعل الكفار يحزنون ويتألمون أو ينالون من العدو ولو أقل شيء كتب الله لهم به عملاً صالحاً يؤجرون عليه، لأن الله يحفظ للمحسن إحسانه ويثيبه عليه، وإذا أنفقوا نفقةً مهما كانت أكانت صغيرةً أم كبيرة ولو قطعوا وادياً من الأودية في طريقهم إلى العدو، فإنها حسنة تسجل لهم ليثيبهم الله جزاءً خيراً ما يكون الجزاء وأفضل مما يعملون، التعويض عندنا بآخر راتب والتعويض عند الله بأحسن عمل عمله الإنسان، يمتد له الأجر ما شاء الله له أن يمتد، هكذا بينت الآيات أن مرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسعي في نصرته تحقق للساعي كنزاً من الحسنات لا يقدّر قدرها ولا يعرف كنهها فكيف يسمح لنفسه أن يتخلف عنه صلى الله عليه وسلم، أو يخاف على نفسه ولا يخاف على نفس النبي، ولما بالغ الناس بالخروج إلى الجهاد مع رسول الله وبدون رسول الله، قال الله لهم:(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) إن الخروج مع رسول الله أمر محبب في غزواته التي يغزوها، أما خروج الجميع في سرايا يسيرها ويتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فذلك يأباه العقل السليم، فقال لهم ما صح وما استقام للمؤمنين أن ينفروا جميعاً ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده لا يجد من يعلمه أو يبلغه الدين، وقوله:(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ) يجوز أن يكون الكلام موصولاً بعد النبي صلى الله عليه وسلم ليدل على جواز الخروج لطلب العلم لأن الصحابة توزعوا في الأرض فكان طلب العلم يستدعي السفر إلى العلماء، أما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فكأن في الآية محذوفاً بين قوله:(طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ) المحذوف تقديره بقيت طائفة ليتفقهوا في الدين، فطائفة خرجت للجهاد وطائفة بقيت مع النبي تتعلم منه، فإذا عاد المجاهدون علمتهم ما علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكون العلم منتشراً بين الجميع، وتكون الأمة يقظة حارسة للحدود تعرف ما تريد فتسعى لتحقيقه وما يراد بها فتحترس منه. وحتى لا يتوهم متوهم أن طلب العلم والإشتغال به يغني عن الجهاد في سبيل الله متمسكين بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"يوزن مداد العلماء ودماء الشهداء فيرجح مداد العلماء"، جاء قوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) فالعلم ضروري والجهاد كذلك، ويجب أن يكون توازن بين العلم والجهاد لأن المسلمين إذا تركوا الجهاد قوي الأعداء وبطشوا بهم، وفي الجهاد ردع للظالم عن الظلم والمعتدي عن الإعتداء، لذلك أمرهم أن يبدؤا القريبين بالحرب للقضاء عليهم وتأمين المدينة، وبين أن المسلم يجب أن يكون مرفوع الرأس ثابت الرأي راسخ القدم قوياً على العدو المقاتل، وذكر لهم ما يعينهم على ذلك في خاتمة الآية فأخبرهم أن الله مع المتقين، ثم رد العجز على الصدر فنبهنا إلى مكر المنافقين وكيدهم وتشكيكهم الناس حتى نكون على بصيرة فنعلم كيف نتصرف تجاه هذا العمل فقال:(وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ*وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ) بينت الآية موقف المنافقين من تتابع نزول آيات القرآن، فإذا نزلت آية وقف المنافقون ليشككوا المؤمنين بذلك، يسأل بعضهم بعضاً أيكم زادته هذه إيمانا؟!، تولى القرآن الإجابة عن الفريقين فبين أن المؤمنين يفرحون بنزول القرآن ويبشر بعضهم بعضاً بالخير، وأما المنافقون فيزيدهم نزول الآيات رجساً إلى رجس حتى يقضي عليهم الحقد ويموتون على الكفر، لأن بصيرتهم عميت وعقلهم لا يتدبر والهوى استحكم فيهم (أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ*وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون) نظر بعضهم إلى بعض يتحسسون المؤمنين لينتهزوا غفلةً منهم أو التفاتة فينسلّون كما تنسل الشعرة من العجين وينصرفون عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك استحقوا الدعاء عليهم أن يصرف الله قلوبهم عن الحق كما انصرفوا عن خير الخلق لأنهم قومٌ لا يفهمون، وهنا ناسب الإشادة برسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيته وبيان فضله على المؤمنين فقال:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ*فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) يقسم الله ويؤكد على ذلك ب"قد" أنه أرسل للعرب رسولاً من جنسهم يعرف ما يؤلمهم ويسعدهم، يعز عليه ما يصيبهم من سوء فيسعى لإزالته ورفعه عنهم لتتم سعادتهم في الدنيا وفي الآخرة، وهو مع ذلك حريصٌ على هدايتهم ليتحقق لهم النجاة، رؤوف بالمؤمنين رحيمٌ بالضعفاء منهم، ولشدة حبه لهم كان يؤلمه إعراضه عن دعوته فواساه القرآن إن أصابه ضيق فليتوكل عليه فهو وحده يكفيه ما همه ويزيل كدره وضيق نفسه لأنه رب العرش العظيم. بهذا ختم سورة التوبة التي عشنا معها أياماً عصيبة، تقدر فيها للنبي وأصحابه ما عانوا من المنافقين الذين يعيشون بيننا في هذه الأيام بعد أربعة عشر قرناً، لا يفتئون يثيرون النعرات والخلافات يعتمدون سياسة التشكيك والتضليل والإرهاب تماماً كما عرفناهم في سورة التوبة، وقبل أن أترك سورة التوبة لا بد لي من أن أقول إن الآيتين الأخيرتين أثبتتا في المصحف بشهادة خزيمة رضي الله عنه شاهداً واحداً وكانوا يشترطون شاهدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من شهد له خزيمة فحسبه"، فاللهم تولنا برحمتك، جنبنا النفاق وأهله.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة