الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

سعي لإقامة العدل 


     اشتاق النبي إلى مكة: مولده وموطن الشباب، فيها رعى الغنم واحتضنه الناس، كانوا يلقبونه الأمين، يقبلون قوله ويرضون حكمه، ثم تحول الحال وعدوا عليه فقاوموا دعوته، وعدوا على من آمن به بألوان العذاب يصرفوهم عن الدين الجديد الذي يدعو إلى المحبة والتناصح والتعاون، يدعو لإقامة العدل ومنع الظلم، الناس كل الناس تحت لوائه سواء، الكل عباد الله، لا زعامات لا أصنام، وأصر أهل مكة على باطلهم إلى أن ألجئوا النبي إلى ترك الحرم الآمن عندما عزم الظلمة على التخلص من النبي، وأوكلوا المهمة إلى مجموعة من الشباب الأقوياء ليضربوه ضربة رجل واحد فيضيع دمه في القبائل ويرضى أولياؤه بالدية، فكانت الهجرة وأقيمت الدولة، وحاول المشركون القضاء عليها في (بدر) و(أحد) وغزوة الأحزاب التي جمعوا فيها الآلاف المؤلفة فلم ينجحوا.

    مضت سنوات ست لا يرى فيها النبي الكعبة المشرفة فعزم على زيارتها والتزود من بركاتها، وسمع الناس بعزم النبي فقرر مرافقته ألف وخمسمائة من الصحابة، ولكن الكبر وحب التسلط جعلا أهل مكة يمنعون النبي ومن معه من دخول مكة وقضاء عمرتهم.

    وبعد أخذٍ وردٍ اتفق النبي ومندوب قريش على ما سمي صلح (الحديبية) وفيه: من أحب أن يدخل في حلف محمد وعقده دخل، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش وعقدها فعل، وأن تتوقف الحرب عشر سنين، إلى آخر ما نصت عليه المعاهدة.

    وضعت الحرب وانطلق الدعاة يدعون إلى الإسلام، بحرية ويقيمون الأدلة على الحق، فدخل الناس في دين الله الذي يتوافق مع الفطرة، وأظهر الإيمان من كان يخفيه خوفاً من بطش الجبابرة.

    رأى ذلك زعماء الشرك محبي التسلط على خلق الله فامتلأت قلوبهم حقداً وغيظاً ما دفعهم إلى مساعدة بني بكر: حلفائها الذين كان بينهم وبين خزاعة حلفاء النبي عداوة وثارات قبل الإسلام، فأمدوهم بالسلاح والرجال في ظلمة الليل وغفلة الناس، فعدا بنو بكر على خزاعة، فقتلوهم خارج الحرم، فهرب الخزاعيون إلى الحرم فلحقوا بهم إليه وقتلوهم فيه.

    فاستغاث الخزاعيون بالنبي حلفهم، فلبى وكان فتح مكة: فتح القلوب والأعين والآذان لسماع الحق ورؤيته والإذعان له والإقبال عليه، ذلك أن النبي لما حصل ما حصل من بني بكر وجاء مندوب خزاعة جهز جيشاً كبيراً وتوجه به سراً إلى مكة، وأراد أن لا يعلم بمقدمه أهل مكة حتى يفجأهم فلا يكون قتال في الحرم بقدر الإمكان، من هنا عزل النبي أحد القادة لما سمع منه مما فيه تهديد لأهل مكة بالقتل من قوله: (اليوم يوم الملحمة) أي يوم القتل، وعين النبي مكانه قائداً وأمره أن يقول: (اليوم يوم المرحمة) أراد النبي أن يكون فتح مكة رحمة بأهلها ودعوة إلى الإيمان والتراحم، فالقتال في الإسلام وسيلة لدفع الظلم وحماية المجتمع من شر الظالمين.

    ولما جاء أبو سفيان ليعتذر عن قومه لم يجبه النبي ليعلّم الناس أن لا ينخدعوا بقول خالفه العمل، وأن المؤمن كيِّس فطن: لا يلدغ من حجر مرتين.

    ومضى الجيش حتى إذا صار قريباً من مكة أمر الجند أن تشعل النار في الليل ليظهر أن مع النبي جيش عظيم فتهابه قريش ولا تقاومه، وخرج أبو سفيان يستطلع أخبار النار الموقدة فأسره المسلمون، ولما أراد عمر بن الخطاب قتله منعه العباس وذهب به إلى النبي ليلاً، فأمر النبي العباس أن يبقي أبا سفيان عنده حتى الصباح وأن يأتيه به بعد صلاة الفجر، فجاءه به فدعاه إلى الإيمان فآمن بالله ورسوله، وجعل له النبي ما يرضي طموحه: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، (ومن دخل المسجد فهو آمن)، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.

    ودخل الجيش البلد الحرام دون أدنى مقاومة، وطاف الجند بالبلد الحرام، واتخذوا مواقع مناسبة، وطاف النبي بالبيت الحرام وبيده عصا صغيرة، يقرأ (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ● وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً)  دخل النبي مكة ليقيم فيها العدل المطلق، ويردع الظلمة عن ظلم المستضعفين، ويطهر البيت الحرام من الأصنام، كان الرسول في أثناء طوافه كلما قرأ (وقل جاء الحق) يشير بعصاه إلى ما ثُبِّتَ على الكعبة من صنم هوى بوجهه على الأرض وتحطم، وهكذا أزال الأصنام وطهر الكعبة من رجسها، وفي موسم الحج من السنة التالية منع المشركين والعراة من الطواف بالكعبة حفاظاً على قدسيتها من أن تدنس بطواف عار أو حج مشرك.

    اجتمع أهل مكة في المسجد الحرام بعد ما تم الأمر للنبي في مكة، فسألهم: ما تظنون أني فاعل بكم قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، فقال النبي: اذهبوا فأنتم الطلقاء، نفس ما قال نبي الله يوسف لإخوته حين ظفر بهم (لا تثريب عليكم اليوم...) ولما رأى أهل مكة حسن معاملته دخلوا في دين الله أفواجاً، وبايعوا النبي على السمع والطاعة، ومن يومها صارت مكة دار إسلام، كل ذلك كان في رمضان سنة ثمان من الهجرة.


الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة