الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

لا تطغوا..  
سورة هود   الآيات 84 - 123


بقي جهة واحدةٌ هي جهة مدين وفي هذه الجهة مرّ نبيان، أشار إلى أولهما بقوله:(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) كان قوم شعيب فيهم عيبان: الإشراك بالله وإنقاص الكيل والميزان، بدأ بأولهما فأمرهم بتوحيد الله وإفراده بالعبادة وقرر أنه لا مستحق لها إلا هو، ثم نهاهم عن إنقاص الكيل أو الميزان لأن المكيال لما يكال والميزان لما يوزن فيُحدد الحق بأحدهما، وإنقاص واحد منهما يؤدي إلى ظلم الناس، لذلك أخبرهم أنه لا حق لهم في ذلك ما داموا أغنياء عندهم من المال الكثير فلا داعي للطمع لأن الإنقاص شيء قليل لا قيمة له في الواقع، وأعلمهم أنه يخاف عليهم فهو ناصح لهم يبذل ما فيه صلاحهم في عاجل أمرهم وآجله، وأنهم إن لم ينتصحوا يوشك أن ينزل بهم العذاب يوم القيامة فيحيط بهم من كل جانب، وبعد أن نهاهم عن إنقاص الكيل والميزان أمرهم بوفائه فقال:(وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ*بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) جاءت الآية الثانية تؤكد بمنطوقها مفهوم الآية الأولى، فنهيه عن الشرك أمر بالتوحيد، ونهيه عن إنقاص الكيل والميزان أمر بالوفاء، فأكد مفهوم الأولى بمنطوق الثانية، ومفهوم الثانية يؤكد منطوق الأولى، فكأن الآيتين تحققان نفس المعنى، تزيل الشبه وتبين الحق واضحاً لأنه في الثانية قال:(بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) فقوله بالقسط دليل على أنه أراد إعطاء الحق كاملاً غير منقوص، وأكد على ذلك بنهيه عن بخس الناس أشياءهم، وأكد على التوحيد بخاتمة الآية، فإن أكبر الفساد نشر الكفر والضلال في المجتمع وتشجيع الناس على ترك الإيمان بالله الواحد القهار، لأنه يجعل الناس كالبهائم لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، والتمسك بالدين والإعتصام به يحقق للمجتمع الأخلاق الفاضلة ويقيمه على أساس من معرفة الحقوق والواجبات والتبادل بين أفراده على هذا الأساس، لذلك قال:(بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ) أي ما يبقي الله لكم من خير ومحبة وتعاون وإقامة للعدل في المجتمع خير لكم من الظلم والتعدي على الآخرين، فإن الظلم يولد الظلمة وينشئ في المجتمع عداوة بين الظالم والمظلوم، وفي ذكر الجملة الشرطية التي حذف جوابها حضٌ على الالتزام بالمنهج وأن يقتنع الإنسان بما آتاه الله من رزق ولا يطلب المزيد، وتبرأ أخيراً من أن يكون محافظاً عليهم يلزمهم باتباع المنهج الذي جاء به، لكن على كل واحد منهم أن يحافظ على نفسه فيضبط حركتها ويرعى سلوكها لأن كل واحد مسؤول عن عمله، كان القوم أغبياء وقحين يتكلمون كلاماً يناقض المنطق ويخالفه (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) شأنه مع قومه كشأن المسلم اليوم مع معاصريه، إذا رأوا منه ما يخالف أهواءهم نسبوه إلى الدين وحاربوا فيه الدين، ألأنك تصلي أمرتك صلاتك أن نترك ما يعبد آباؤنا، وهل ما يعبد آباؤهم يستحق العبادة؟ حجارة لا تنفع ولا تدفع، أو أن نتصرف في أموالنا كما نشاء يعني تبعاً لأهوائنا لا حسيب ولا رقيب، واتهموه في أخلاقه وفي عقله شأن كثير من الأمم السابقة، فذكروا الحليم والرشيد وكأنهم يعرضون به لا حلم له ولا رشد فيه، مع ذلك بقي شعيب ثابتاً رابط الجأش محافظاً على مشاعره يتكلم معهم بموضوعية ومنطق لو أعملوا عقولهم فيه لأقلعوا عن باطلهم واتبعوا دعوته (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ*وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ*وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) وجّه الخطاب إلى قومه فسألهم أتنقمون مني أن كنت على بينة من ربي وحجة واضحة، أم لأن الله رزقني منه رزقاً حسناً –لأن شعيب كان من أغنياء قومه- وعلى أي حال فأنا أدعوكم إلى أمر لا أفكر أن أخالف ما أنهاكم عنه فأعمله، إنما دعاني إلى نصحكم رغبتي في إصلاح المجتمع وإقامته على أساس من العدل ما تمكنت من ذلك، وعلى الله توكلت وطلبت منه التوفيق وإليه أفوض أمري لا إلى غيره، ولما كان المثل السائر "السعيد من وعظ بغيره" استخدمه شعيب على طريقته فقال لهم لا يحملنكم مخالفتي ومحاربتي أما تخشوا أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وأقرب الناس إليكم قوم لوط فقد أراكم الله ما فعل بهم فاتعظوا ولا تخالفوا دعوتي تفلحوا في الدنيا والآخرة، اطلبوا من الله المغفرة ثم أقلعوا عن بخس الناس أشياءهم، وعن تطفيف الكيل والوزن فإن الله يقبل توبتكم ويعفو عن زلتكم لأنه رحيم ودود، ما أعجب هؤلاء القوم شعيب يتكلم في جهة وردهم عليه في جهة أخرى، ما ذلك إلا أنهم يتبعون الهوى ومن يتبع الهوى يوشك أن يهوي به في الدنيا أو في الآخرة (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ*قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) كلام شعيب كان واضحاً بيّناً قوي الحجة، ومع ذلك قالوا لا نفهم كثيراً مما تقول، وأعلموه أنما يصبرون عليه من أجل رهطه أي جماعته التي تحميه وإلا فهو ضعيف في نظرهم قادرون على رجمه، إما رجمه بالحجارة أو الإساءة إليه بما استطاعوا، وصرّحوا له بأنه غير عزيز عليهم، فرد عليهم شعيب ليقول لهم هل رهطي أعز عليكم من الله، لم تحترموا الله الذي أرسلني ولا أقبلتم إليه تائبين ولم تخلصوا له الدين فهل تظنون أنكم تفلتون من عذابه، إن الله مطلع على أعمالكم عالم بها محيط بتفاصيلها، ثم وكل أمرهم إلى الله ليعلمنا الصبر وعدم التسلط على خلق الله وتفويض الأمر إليه يفعل ما يشاء فإنه أقدر، وعلّمنا أن لا نعتز بقوتنا فقال:(وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ترك إليهم الخيار وكأنه لم يكن عنده جهاد في شرعه فقال لهم اعملوا وأنا عامل، أنا عامل واثق بالله معتمد عليه، وأنتم إعملوا ما شئتم سوف تعلمون، في هذه الجملة تهديد ما بعده تهديد، أي سوف تعلمون علماً يقينياً مدركاً بالحس من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب يعني بذلك أنفسهم ولكنه أدباً معهم وترفقاً بهم لم يتهمهم بذلك ولا واجههم بخطئهم لأن الدعوة بالقدوة أبلغ من الدعوة بالكلمة، ثم أمرهم أن ينتظروا كما فعل قبله من الأنبياء يراقب ما يكون وهو معهم رقيب، وحان الوقت وجاء أمر الله فنجّى الله شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منه وفضل وأهلك الذين ظلموا (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ*كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) أهلك الله قوم شعيب بالصيحة أو جاءتهم النار من حيث يظنون المطر، وأنجى الله شعيباً والمؤمنون به وترك اولئك كأن لم يكونوا، وختم الآيات فدعا عليهم بالإبعاد كما بعدت ثمود قوم صالح. ولما كان موسى قد مر بمدين ولبث فيها سنين من عمره، ناسب أن يذكره بعد شعيب فقال:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ*إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ* يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) اقتصر هنا على مقطع من قصة فرعون سلط فيه الضوء على جريمة فرعون وإنكاره الاله الحق وأَمره الناس بعبادة نفسه واكتفى بأن أشار إلى أن أمر فرعون حاله وشأنه وعمله بعيد عن الرشد الذي هو ضد السفه، فكأنه حكم عليه بأنه سفيه ظالم مفسد في الأرض، لذلك جعله إماماً لقومه يوم القيامة يتبعونه كما اتبعوه في الدنيا ليوصلهم إلى النار، ثم ذم النار فقال:(وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) وبيّن أنه اتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود أي إن فرعون اتبع العصاة السابقين فسار سيرهم كأنه جاء مدداً لهم وعوناً، أفسد الأرض وأساء إلى الخلق فذمه وذمهم (وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) فكأن الظلمة تعاونوا على إفساد الأرض لذلك استحقوا أن يلحق بهم العذاب ويذموا. هكذا جمع القرآن بين قصص طائفة من الأنبياء اشتركوا في الدعوة إلى توحيد الله والسعي لإقامة منهجه، وواجههم أقوامهم بما يكرهون فانتقم الله من العصاة وأخزاهم، وعقّب على ذلك فقال:(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ*وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ*وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) سماها قرى وقرر أن بعض تلك القرى لا زال موجوداً كمدين ومدائن صالح وبعضها حصيد كقرى المؤتفكات، وقرر أنه لم يهلكهم ظالماً لهم ولكنه أهلكهم بظلمهم أنفسهم مغترين بحجارة أو أشخاص عبدوها من دون الله، فلما جاء وقت الحاجة تركتهم الآلهة ومضت ولم تغنِ عنهم شيئاً فلا حمتهم من عذاب الله ولا دفعته عنهم لأن الله إذا أخذ القرى وهي ظالمة كان أخذه أليماً شديداً، والآلهة لم يزيدوا عابديها إلا هلاكاً فهل من معتبر؟! وختم الآيات بقوله:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ*وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ*يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) أشار إلى القصص الماضية فقال إن في تلك القصص التي قصصتُ عليك لآية واضحة على قدرة الله على معاقبة من عصاه أو من كفر باليوم الآخر، لأن الإيمان بالله واليوم الآخر من أركان الدين، نص هنا على من خاف عذاب الآخرة، وبيّن أن يوم القيامة مجموع له الناس وأنه يوم مشهود، وذكر الحكمة التي لأجلها أخره لأنه سبق في علمه تحديد مواقيت يحاسب فيها الخلق وطبّق ذلك، ثم بين أن في يوم القيامة لا تتكلم نفس إلا بإذن الله أي بأمره ورضاه، فمن المبعوثين في ذلك اليوم شقيٌ ومنهم سعيد، ثم فصّل ما أجمل فقال:(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ*خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) فالذين شقوا في النار لهم فيها أصوات شبهها بأصوات بني آدم حيت يتنفسون على طريق الإستعارة، ونظيره قوله:(إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيرا) إنه صوت النار المتأججة أو صوت المقيمين فيها أو الإثنين معاً، ثم قرر أن إقامتهم في جهنم دائمة لأن لفظ خالدين يدل عليه، والمشكل أنه قال:(مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ) فيها مشكلتان: الأولى أن السموات والأرض لا تدوم، والجواب على ذلك أنه استقر في عُرف الناس أنها تدوم لأن الناس لا يتصورون في عقولهم المحدودة زوالها، فإن سُلّم بدوامها فما معنى الإستثناء إلا ما شاء الله، وعنه جوابان: الأول أنه لإخراج المدة التي يرفع فيها العذاب عن أهل العذاب حين يموت جميع المخلوقات وفي ضمنهم ملائكة العذاب، والثاني أن "إلا" بمعنى الواو وتكون مقررة لخالدين، وعلى كل فقد اتفقت الأمة على أن أهل النار يبقون في النار إلى ما لا نهاية، وأن ذلك الجزاء استحقوه بأعمالهم السيئة وأن الله يفعل ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لأمره، ثم أشار إلى السعداء فبين أنهم في الجنة خالدين فيها (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ) وقوله:(إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ) إستثناءٌ للحياة الدنيا وما يكون في القبر، لأن خلودهم في النعيم يبدأ من دخولهم الجنة، وقوله:(عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ) مؤكد لمفهوم خالدين فيها، فنعمة الله عليهم ثابتة باقية كما قيل "يؤت بالموت يوم القيامة بصورة حيوان يذبح بين الجنة والنار ويقال يا أهل الجنة خلود دائم ويا أهل النار خلود دائم" والله أعلم، ومهما يكن فإن من يدخل الجنة جزاءً لا يخرج منها ومن يدخل النار فكذلك، فإن شك شاك فإن الله خاطب نبيه بما يبطل الوهية من عدا الله فقال:(فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ) يعني أهل مكة ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل، يعني الأمم السابقة كعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) أي جزاؤهم على أعمالهم السيئة التي استحقوه كاملاً وافياً، ثم عاد إلى موسى فقال:(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ*وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) بعدما أهلك الله فرعون وملأه، آتى موسى الكتاب أنزله مكتوباً في ألواح، ولكنّ بني إسرائيل كانوا شراً من فرعون وأقل حياءً، فما إن خرجوا من البحر حتى طلبوا إلاهاً يعبدونه غير الله، ولما لم يجبهم إلى طلبهم وأنكر عليهم بشدة وتركهم ومضى صنعوا لأنفسهم عجلاً وعبدوه من دون الله، وقد سبق في علم الله أن لا يأخذهم بعذاب الإستئصال، وهذا معنى قوله:(وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) إنه قدر الله أن لا يهلك أمةً ما دام نبيها بين ظهرانيها، ومع ذلك فما زال بنو إسرائيل في شك من وحي الله يحيط بهم ويملك عليهم مشاعرهم، إنهم قوم أغبياء متمردون لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، لذلك بيّن أن جميع المكذبين والعصاة ليوفينهم ربك أعمالهم السيئة، وإن العاملين المخلصين يأجرهم لا شك، لأن الله خبير بعمل عباده مطلع على خفايا وخبايا أنفسهم قادر على محاسبتهم متى شاء وكيف شاء، لذلك ناسب أن يأمر نبيه ومن بعده كل قارئ للقرآن بالإستقامة فقال:(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) هذه الفاء هي الفصيحة، مهما يكن من أمر فاستقم، والاستقامة عين الكرامة، يروى أن أحد الصحابة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك" قال صلى الله عليه وسلم:"قل آمنت بالله ثم استقم"، وفسرها هنا أن تكون استقامته على شرع الله على ما أمره الله به ومن تاب معه فليستقم، ولما كان بعض المتدينين قد يصيبه الغرور فيطغى متشدداً، ناسب أن يحذّر من الطغيان فينهى عنه، لأن الإستقامة توجب ملازمة الحق والإستمرار عليه ومراقبة الله عز وجل فيما يأتي ويذر لأن المستقيم يشعر أن الله مطلع عليه مراقب حركاته وسكناته عالم بخفايا وخبايا نفسه وأعماله، ثم حذّر من خلق فشا في مجتمعاتنا ألا وهو ممالأة الظالم والإطمئنان إليه فقال:(وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ) يجب أن يكون للمسلم شخصيته وسلوكه وأن يكون على حذر من مساعدة الظالم أو الإطمئنان إليه، وقديماً قالوا:"من أعان ظالماً سلطه الله عليه"، لذلك خوفه بالنار فمسّ النار ينسي كل نعيم الدنيا، كيف وإذا تخلى الله عنه فلم يكن له من يواليه أو يستنصر به فيفقد النصير ويفقد ولاية الله ويفقد كل شيء، فإن جئت تسأل عن عمل يقوّم السلوك ويصوّب المسار جاءك الجواب معطوفاً على ما قبله:(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ*وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) الصلاة صلةٌ بين العبد وربه تذكر الإنسان بواجباته تصوب مساره وتسدد طريقه، تعينه أن يكون عضواً فاعلاً في المجتمع يراقب الله فيلتزم أوامره وينتهي عن ما نهى عنه، والصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، وقوله:(طَرَفَيِ النَّهَارِ) صلاة الفجر وصلاة العصر، (وَزُلَفًا من الليل) صلاتي المغرب والعشاء، بقيت صلاة الظهر لم يذكرها هنا وذكرها في سورة الروم حين قال:(فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون) فالعشي صلاة العصر و(حين تظهرون) صلاة الظهر، لذلك أكمل الآية:(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) ومداومة الصلاة والمحافظة عليها تقوّم السلوك، والأمر بها فيه تذكير بالله ودعوة إلى مراقبته، ثم أمرهم بالصبر وبيّن أن الإحتساب بالصبر خلق كريم لا يستغني عنه من يراقب الله في جميع حركاته وسكناته (لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) والمحسنون هم الذين يعبدون الله كأنهم يرونه فإن لم يكونوا يرونه كانوا على يقين أنه يراهم، فأحسنوا عملهم وتعاملهم، ثم بيّن أن الذين أهلكهم لم يبقَ منهم أحد يخبّر عن ما حل بهم (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ)، فكأن الناس يتمنون أن يكون قد بقي من الهالكين قوم ينهون عن الفساد في الأرض، فالأكثر هلكوا وبقي قلة قليلة تنهى عن الفساد وتبين عاقبته للناس، أما الظالمون فاتبعوا النعيم الذي أكرموا فيه وأفسدوا في الأرض فأساؤا إلى العباد وأفسدوا البلاد، ولما كان بقاء الناس رهن بوجود طائفة تنهى عن الفساد في الأرض بيّن ذلك فقال:(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامة بقاء المجتمع، فمهما تعاون أفراده على ذلك بقي المجتمع سالماً بعيداً عن الإهلاك، وإذا ترك الناس ذلك عرّضوا أنفسهم لغضب الجبار، وقد اقتضت حكمة الله أن يكون الناس مختلفين ليعلمنا كيف نتعايش مع مخالفينا والصدق في المعاملة والصبر على الآخر والسعي للإصلاح، وتجلى ذلك في قوله:(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لو أراد الله أن يخلق الناس خلقاً خاصاً على صفة معينة كمثل ما تفعل الجمعيات واصحاب المذاهب المنحرفة فيطبعون الناس بطابع معين لفعل، ولكنه خلق الناس كما هم ليكمل بعضهم بعضا ويصلح بعضهم بعضاً ويأخذ بعضهم بيد بعض، فيتعاونون على عمارة الأرض وإصلاحها ومحو ما فيها من فساد، وجاء بالجملة المنفية وفعلها المضارع و"مختلفين" نكرة في موضع الحال واستثنى طائفة، ثم علل بأنه خلقهم لذلك ليختلفوا فيتعاونوا ويعملوا فيصلحوا فيرحمهم، وثبت ما قرره الله من أن الخلق قسمان: مطيعون يدخلون الجنة وعصاة يدخلون النار، ثم امتن على رسول الله فقصّ عليه أنباء الرسل ليثبت فؤاده ويصوّب مساره ويطمئنه إلى أن العاقبة للمتقين فقال:(وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) فالحكمة من سرد مجموعة من القصص وعظ الناس على مر الليالي وتوالي الأيام ليصلح المجتمع، فالسعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه، والدعوة بالقدوة أبلغ منها بالكلمة لأن الناس مجبولون على التأثر بما يروا أكثر من أن يتأثروا بما يسمعون، وكرر ما قاله الأنبياء لأقوامهم في ثنايا هذه السورة (وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ*وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) فبيّن كيف نتعامل مع المخالف إذا كنا ضعافاً عاجزين فقراء لا حول لنا ولا قوة، لكن يجب أن نخطط أن نعد العدة لردع الظالمين، فالناس اليوم لا يحترمون الضعيف ولا يهابونه، لذلك يجب أن يكون عند المسلمين ذراعاً عسكريةً ترد كيد المعتدي، تنصف المظلوم من ظالمه، تعيد الحق إلى صاحبه، تمنع الفسقة من الظلم وتردعهم، ولا تكون قوة ظالمة تسيء إلى الضعيف وتظلم المسالم وتعتدي على البريء، ولتكن مراقبة الله والسعي في رضاه الحافز لكل عمل نعمله في هذه الآية، نشعر أن الله مطلع علينا مراقب لنا عالم بأحوالنا ننصره ونستنصر به، ونقتدي به في معاملة الناس، هكذا بينت الآية سلوك المسلم باختصار عن طريق القدوة (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فاللهم وفقنا لنعرف الحق ونعمل به وندعوا إليه، ننشره وننصره.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة