الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أنبياءٌ حول جزيرة العرب  
سورة هود   الآيات 50 - 83


لم يذكر القرآن كم عاش نوح بعد الطوفان مع قومه ولا ما كان من أمره، يبدو أنهم التزموا المنهج وساروا على الطريق المستقيم، ومضت الأيام إلى أن نسي الناس فعادوا إلى باطلهم فأرسل الله إليهم هوداً (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ*يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) سبق أن ذكر قوم هود في سورة الأعراف وبينتُ هناك موطنهم بين اليمن والسعودية، وهود من قبيلة عاد دعاهم إلى عبادة الله وحده لأنه ليس لهم اله غيرُه، فإذا ادعوا أن لهم معبوداً غير الله كانوا مفترين على الله الكذب، ولما كانت عادة الناس الخوف من مد يدهم إلى جيبهم قال لهم لا أسألكم على الدعوة مقابلاً، هكذا يجب أن يكون العامل في حقل الدعوة لا يطلب من العامة شيئاً، لأنه إن طلب اعتقد العامة والأغنياء منهم بشكل خاص أنهم أحسن منه، لذلك ترى هوداً يصر على إبلاغهم هذه الحقيقة وأنه يطلب من الذي فطره فهو وحده القادر على إعطائه ما يريد، وختم الآية بجملتين متعاطفتين حذف إحداهما وصرّح بالأخرى، كأنه قال لهم أتمدونني بمال حتى اترككم فلا تعقلون، ثم فصّل أصول الدعوة بعد أن أشار إلى أصلها وأساسها أعني التوحيد (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) أمرهم أن يطلبوا المغفرة من الله الذي رباهم بالنعم ويتوبوا إليه فإن حسنت توبتهم وصدق طلبهم يرسل السماء عليهم أمطاراً تعم البلاد وتنفع العباد فيكثر الخير من الطعام وغيره وتفيض الأموال ويزدادون قوة إلى قوتهم، وحذرهم من الإعراض عن دعوته لأنهم إن فعلوا كانوا مجرمين، فماذا كان جوابهم؟! (قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) ردوا عليه بأنه لم يأتهم بحجة ودليل مقنع أنه رسول الله وأنهم متمسكون بمعبوداتهم لن يتركوها أبدا قابلين قوله وأكدوا على أنهم لن يؤمنوا به مهما فعل، صراحة ما بعدها صراحة وإعراض لا يتصور، قد يصيب الداعية بالضيق والألم خاصةً حين يعتقد المدعوون أن الحجارة تعطي وتمنع، تضر وتنفع، (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ*مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ*إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) نقول إن بعض آلهتنا أصابت عقلك فأفقدتك التفكير السليم والرأي الصائب والعمل المنتج، فرد عليهم واثقاً بالله معتمداً عليه يخافه ولا يخاف أحداً غيره، فاستشهد الله واستشهدهم شهادة حق على أنه بريء من آلهتهم التي أشركوها مع الله لأنها حجارة لا تنفع ولا تدفع فتبرأ من كل معبود غير الله واعتمد بكليته على الله، فتحداهم أن يهجموا عليه هجمة رجل واحد، يتآمروا عليه وينتقموا منه بسرعة ودون إمهال، نبي وقف في وجه قومه كلهم لا يخاف إلا الواحد القهار، لأنه اعتمد عليه ووثق به وهو أهل لكل ثقة لأنه ربهم وربه، رباهم بالنعم والكون كله خاضع لله، فما من دابة في الأرض إلا هو آخذ بناصيتها يتصرف فيها كيف يشاء لأنه على صراط مستقيم لا عوج فيه ولا أمتاً، فإن لم يواجهوه وتولوا عنه فقد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم وأوعدهم بعذاب الإسئصال(فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) لأن معنى يستخلف ربي قوماً غيركم "يهلكهم ويأتي بآخرين"، وبيّن لهم أنه غني عن خلقه لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين ولكن من يطيعه يكسب نفسه ومن يعصيه يُلحق الأذى بنفسه فإن الله على كل شيء حفيظ، يحصي على العباد أعمالهم من الحسنات وغيرها ويجزيهم عليها ما يستحقون، ولما أصر قوم هود على مخالفته استأصلهم وطهّر الأرض من شرهم وأنجى المؤمنين (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) لأن الموت فجأةً وبمصيبة من السماء وأن يموت العصاة وحدهم شديد على النفس مرعب للقارئ والسامع والمشاهد، لذلك تراه يعقّب على القصة فيذكرها باختصار يسلط الضوء على مكان العبرة فيها (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ*وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) فبين السبب الذي لأجله عاقب القبيلة كلها ويتلخص في أمور:

  • 1- أنكروا آيات ربهم وعارضوا شرعه.
  • 2- عصوا رسله، وإنما هو واحد لكنه عانى منهم الشيء الكثير فكأنه مجموعة.
  • 3- أطاعوا توجيهات كل جبارٍ معاند.

ارتكبوا ثلاثة قبائح كل واحدة منها أقبح من أختها فاستحقوا أن تدركهم لعنة الله في الدنيا، والطرد والإبعاد يوم القيامة، وهكذا مضى المكذبون إلى غير رجعة لتخلفهم أمة أخرى تساويهم في السوء إن لم تَفُق عليهم، أشار إلى ذلك (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) مواطن ثمود في شمال المملكة العربية السعودية بالجهة المقابلة لمنطقة العلا بين المدينة وتبوك معروفة بمدائن صالح، ولإن كان قوم هود كذبوه وأساءوا إليه فإن قوم صالح أسوأ وأظلم وأقل حياءً، قوم هود كانوا يطلبون معجزةً وهؤلاء أعطوا معجزة ما مثلها، والدعوة التي دعا بها صالح هي نفسها التي دعا بها هود، لكن دليل صالح أوضح وأسهل وأدعى للقبول، فإنه أخبرهم أن الإله الذي يدعو لعبادته أنشأ القوم من الأرض وطلب إليهم عمارتها، وحضهم على أن يطلبوا المغفرة ويتوبوا إليه وأعلمهم أن الله يسمع دعاء الداعين فيجيب من يدعوه، فماذا قالوا؟! (قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) لم يعجبهم كلامه وردوا عليه دعوته مستهزئين، كنا نظنك ألمعياً تفهم الأمور، كنا نأمل فيك الخير يعني قبول الباطل والسكوت عليه قبل أن تتكلم بما تكلمت به، ثم أنكروا عليه أن ينهاهم عن عبادة ما كان يعبد آباؤهم، وصرحوا أنهم في شك مما يدعوهم إليه، شك أوقعهم في شك فاختلط الأمر عليهم، رد عليهم بقوله:(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) سأل قومه أن يخبروه إن كان الله قد أكرمه بالنبوة والمعجزة وتفضل عليه فمن يحميه من الله إن عصاه، إنهم ينصحونه بما يكون وبالاً عليه في عاجل أمره وآجله إن أطاعهم، ثم ذكر لهم المعجزة التي أكرمه الله بها فقال:(وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ)معجزةٌ حسية حقيقية، أخرج لهم من الصخر ناقةً ومعها فصيلها ليس هذا فقط، بل وتسقي القرية لبناً في يوم تشرب فيه عينَ الماء وفي اليوم التالي تستريح، وسماها ناقة الله لأنها معجزة، وصرح بأنها معجزة بل وأكثر من معجزة، فإن خروجها من الصخر وخروج فصيلها معها وقدرتها على سقي القرية كلها لبناً لدليل واضح على أنها معجزة لا يقدر عليها بشر، أمرهم أن يتركوها في أرض الله تأكل ما تشاء ونهاهم أن يمسوها بسوء، فإن فعلوا أخذهم عذاب قريب (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ* فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ*وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ*كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ)، فقتلوها وأرادوا قتل ابنها فأخبرهم صالحٌ أن أمامهم ثلاثة أيام بعدها سيأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وأخبرهم أن ذلك الوعد محقق واقع لا محالة، فلما جاء الوقت المحدد نجىّ الله صالحاً والذين آمنوا معه من خزي اليوم الذي استحقوا فيه العذاب، فإن الله هو القوي العزيز الغالب الذي لا يُغلب ولا يعجزه شيء، وأخذ الذين ظلموا الصيحة فماتوا عن آخرهم على الحالة التي كانوا عليها، كأنهم لم يعملوا ولم يولدوا ولم يكن لهم أثر، تجبروا وتكبروا وانطفأ عمرهم، وعقّب القرآن عليها فبيّن السبب الذي لأجله أهلكهم أنهم كفروا ربهم، جحدوا نعمه وتنكروا لرسله وقتلوا الناقة التي أرسلها الله علامةً لصالح، فدعا عليهم بالإبعاد كما دعا على قوم هود من قبل، هكذا انتهت قصة نبيين من أنبياء الله عانوا ما عانوا، تكبروا عن قبول الحق وعارضوا منهج الله فطردهم الله من رحمته، ومن يزر مدائن صالح ير مقدار ما كان عليه قوم صالح من الحضارة، فقد كانوا يحفرون في الجبال بيوتاً ونحن اليوم بعد أكثر ألفي سنة لا نستطيع أن نفعل ذلك، لكن لم تنفعهم حضارتهم ولا علمهم ولا قدرتهم لأنهم تنكروا لشرع الله فأنزل بهم عذابه. ذكر فيما سبق قصة نوح وهود، وكان الأنبياء فيهما يعانون من أقوامهم الشيء الكثير، فلعله أراد أن يدخل على قلب القارئ والسامع فجاء بقصة إبراهيم وانتقل منها إلى قصة لوط فقال:(وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ*فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) هذه القصة وردت في العهد القديم ووردت في القرآن، فأبدأ بالعهد القديم أذكر أشياء أبين للناس أنها بحسب عقيدة المسلمين لا تصح، لأنتقل إلى القصة القرآنية وأبين نظافتها من كل ما لا يليق بالله ولا برسله ووضوحها وقوة بيانها، قال في العهد القديم:"بينما كان إبراهيم جالساً في خيمته ضحى يوم من الأيام مر به ثلاثة نفر، الله رب العالمين وملكان من ملائكته، فقال لهم إذهبوا فاجلسوا تحت الشجرة لآتي لكم بماء تغسلون أقدامكم وخبز تسندون بطونكم ففعلوا، وقال الله لإبراهيم يا إبراهيم اصنع ما قلت، فذهب إبراهيم لزوجه وأمرها أن تصنع له شيئاً من الخبز يسمونه خبز ملّة، وذهب إلى الحظيرة واختار عجلاً سميناً فذبحه وطبخه وأتى به إلى الله عز وجل ليأكل، وقدّم الطعام فأكل رب العالمين وملائكته ثم قال الرب الإله لا يجوز أن نخفي عن صديقنا إبراهيم ما نزلت لأجله، فأخبره بقصة قوم لوط وأن صوتهم وصل إليه فنزل ليرى رأيه فيما يصنع بهم، قال إبراهيم أرأيت إن كان فيهم خمسون صالحون أتهلكهم؟ أتهلك خمسين صالحين من أجل أن تهلك الكفار؟ قال الله إن كان فيهم خمسين فلا أهلكهم، قال فإن نقص الخمسون خمسة قال إن كان فيها خمسة وأربعون لا أهلكها، وما زال إبراهيم ينقص خمساً خمساً حتى صاروا عشرة" هذه القصة من أولها إلى هنا تناقض عقيدة المسلمين، فالإله الحق عند المسلمين ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا يأكل لأن الأكل نقص يستحيل بحقه، ولا ينتقل من مكان إلى مكان، أما القصة القرآنية فما أجملها، أخبر الله أن الرسل جاءوا إلى إبراهيم بالبشرى يبشرونه بإسحاق ابناً له ويعقوب حفيده، فسلموا عليه سلاماً فأجابهم هو "سلام" استعمل الملائكة الجملة الفعلية ورد إبراهيم بالجملة الإسمية، فحياهم بتحية أحسن من تحيتهم، وما لبث إلا قليلاً حتى جاءهم بعجل حنيذ، والحنيذ طريقة في الطبخ يستعملها العرب يعتمدون فيها الحرارة دون أن تصل النار إلى اللحم، وقد يكون الحنيذ الذي امتلأ بالشحم لأنه حين يطبخ الشحم يفيض على اللحم، أكلة شهية إلا أن الملائكة لم يمدوا أيديهم إليه لأن الملائكة لا تأكل كما يأكل البشر، فخافهم إبراهيم حين رأى أنهم لم يأكلوا، لأن عادة العرب إذا لم يأكل طعامك يكون مريداً للشر بك، لذلك قال (نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) فطمأنه الملائكة وأخبروه أنهم رسل الله أرسلهم إلى قوم لوط، وامرأته قائمة من وراء ستر أو قائمة على خدمتهم، فضحكت سروراً لأنها كانت تتمنى أن يهلك الله قوم لوط، وطالما أوصت زوجها أن يخرج لوطاً من بينهم، وقال بعض المفسرين فضحكت أي عاد إليها شبابها وصارت أهلاً للحمل، فبشرها الملائكة بإسحاق وإن اسحاق سيعيش إلى أن يولد له ولد وهو يعقوب، وهذا دليل واضح على أن الذبيح إسماعيل وليس إسحاق، وإن إسحاق في العهد القديم مقحمٌ لأن أول الكلام يقول "إبنك الوحيد" وإسحاق لم يكن يوماً وحيداً، لأن أخاه إسماعيل هو الإبن الأكبر (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)، (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ*قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) تعجبت زوج إبراهيم من مقال الملائكة كيف يكون لعجوز ولد وزوجها شيخ، يقال إنها قاربت التسعين أو حولها وزوجها زاد على المئة، لذلك عرّفت عن نفسها أنها عجوز وأشارت إلى زوجها أنه شيخ، وكررت التعجب لأن الأصل أن الفتاة تأتي بالأولاد حين تكون شابة دون الأربعين وهذه زادت على الضعف، أنكر عليها الملائكة تعحبها وهي في بيت النبوة حيث تتوالى المعجزات والخوارق فما كان لها أن تتعجب، لذلك دعا الملائكة الله لها ولزوجها بالرحمة والبركة لأن الله أهل للحمد والإكرام خيره عميم وفضله عظيم (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ*إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) اطمأن إبراهيم على لوط إذ كان قلقاً عليه، ولكنه أحب أن يزداد اطمئناناً عليه، لذلك قال القرآن عندما ذهب الخوف عن قلب إبراهيم واطمأن إلى الملائكة وأنهم ما أرادوا به شراً، لم يأكلوا طعامه لأنهم ملائكة لا يأكلون الطعام، ولم يصرح القرآن بما كان بين رب العالمين وإبراهيم وأمرِ لوط، أهي القصة التي ذكرها العهد القديم أم شيء آخر، فُهم من قوله :(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) لعله كان يطلب لقوم لوط الرحمة والصفح لأن قلبه رقيق يحب الناس ويعطف عليهم، يقابل الإساءة بالإحسان، يذكر الله في كل حين يستغفره ويتوب إليه، ولا أستطيع أن أجزم بأن جداله ما قصه العهد القديم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا حدثكم بنو اسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم..الحديث"، (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) المهم أن الله حسم الأمر وأمر إبراهيم أن يترك الحديث في موضوع قوم لوط لأن قضاء الله فيهم مضى وحكمه لا بد أن ينزل بهم، ويترك القرآن إبراهيم يفكر في ابن أخيه وينتقل إلى لوط (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) جاء الملائكة إلى لوط في صورة شباب جميلي الهيئة فأحس بهم قومه فأرادوهم عن أنفسهم، فلما رآهم لوط تضايق خوفاً عليهم أن يكون عاجزاً عن حمايتهم لأنه ظنهم بشراً فضاق بهم ذرعاً وقال في نفسه هذا يومٌ عصيب كيف أستطيع أن أحمي ضيفي من أن يساء إليه بأي نوع من الإساءة، فلما أحس القوم بالضيف (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ) لم يذكر القرآن كيف علم القوم بالملائكة، فأسرعوا إلى لوط لأن عندهم شذوذ وفساد في الفطرة، فحاول لوط أن يثنيهم عن الشر الذي أرادوه ورغبهم في الزواج مشيراً إلى بناته اللاتي كان يرفض أن يزوجهن من قبل بسبب شذوذ القوم، لكنه فكّر في هذا المقام أن يصرفهم عن الضيف ببناته، وأخبرهم أن الزواج أعف وأحسن، وحذرهم أن يخزوه في ضيفه، ويجوز أن يكون أمرهم بالزواج فإن فيه صلاح البيت والمجتمع، وسألهم هل منكم من عاقل يميز بين الأمور ويحترم الحرمات، رد عليهم القوم بكل وقاحة (قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ*قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) أجابوه بكل وقاحة لا نريد بناتك، لا نريد بنات البتة، وأكدوا ما يريدون ب "إنّ" و"اللام"، تحسر لوط إذ لم يكن له من القوة ما يعينه على حماية ضيفه وتمنى أن لو كان قادراً على البطش بهم وحماية الضيف أو كان له من يحميه ويدافع عنه، هنا تدخل الملائكة وأعلموا لوطاً بالحقيقة (قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ*فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ*مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) دخل القوم إلى مكان لوط ومعهم الملائكة فأراه الملائكة عجيب قدرة الله، وأمروه أن يسير في الليل ولا يلتفت منهم أحدٌ إلى الوراء ليرى ما يحل بالقوم إلا امرأتك لأنه لم يكن له سلطان عليها إذ كانت تشايع قومها وتنقل إليهم أخباره، لذلك كان جزاؤها مثل جزاء الظالم، وحدد له موعد الإنتقام عند الصبح، لعل لوطاً كان يستعجل إهلاكهم فجاء السؤال (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) فلما حان الوقت نزل بهم العذاب فرفع الملك المدينة إلى أن سمع الملائكة صياح الديك ثم قلبها رأساً على عقب وألقى بها من عليّ وأتبع ذلك بالحجارة، حجارة متراكمة قوية شديدة تعرف أصحابها كمثل القنابل الذكية في أيامنا، لا تبعد عن الظالمين بل تطاردهم أنّا وجدوا، إنها قصة تعلم الناس العدل في المجتمع وإصلاح ما فسد من أخلاق الناس ومنع الظلم، اللهم نور أبصارنا ووفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة