الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

هل يستوي الأعمى والبصير؟  
سورة هود   الآيات 17 - 49


عرف العرب محمداً صلى الله عليه وسلم معرفة أكيدة واشتهر بينهم بالصدق والأمانة وحسن المعاملة، أضف إلى هذا أن من ينظر في وجهه يأنس به ويرتاح إليه، وهاهو القرآن يضرب للناس مثلاً يقتدى به فيقول:(أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) صدّر البيان بالاستفهام ليعقد مقارنةً بين المحق والمبطل، بين المؤمن والكافر ليبين سفه العرب في رد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع قيام الأدلة على صدقه، فمحمد قبل البعثة كان مستقيماً عاملاً بطاعة الله محباً لعباد الله، يشهد بفضله خلُقه الكريم ونبل معاملته، وجاء بالوحي الإلهي يصلح به ما فسد من أخلاق الناس وأعمالهم، وشابه في هذا أنبياء قبله أوحي إليهم، فبيّن أن المؤمنين يؤمنون بمحمد وبمن قبله من الأنبياء وبالقرآن وبما قبله من الكتب، ثم جاء بقضية شرطية مكوّنة من جملتين: جملة فعلية وجملة اسمية، فأوعد من يكفر بالقرآن أو بمحمد من الأحزاب الذين تحزبوا عليه فاللقاء بهم معه يوم القيامة ليُدخلوا في جهنم، وختم الآية بتثبيت النبي على الحق وتحذيره من الشك ومن الكثرة الكافرة التي لا تؤمن بالله، فإنه لا أحد أشد ظلماً ممن يكذب على الله وينسب له ما لم يقله أو ينفي عنه ما قال، فجاءت الآية التالية تكمل الموضوع وتضع النقاط على الحروف فقال:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ*الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) الإستفهام المراد به الإخبار كأنه يقول لا أحد أشد ظلماً وأبعد عن الجادة من الذي اخترع أنواعاً من الكذب فنسبها إلى الله ظاناً أن الله لا يعلم من أمره شيئاً، لكن مما لا شك فيه أن حساب هذا وأمثاله عسير حين يعرض على ربه فتشهد عليه ملائكتُه أو تشهد عليه جوارحه فتفضحه على رؤوس الخلائق بأنه ممن كذب على الله وتدعوا عليه الملائكة باللعنة لأنه وضع الأمور في غير موضعها وكان الأولى به خلاف ذلك، ولعل ما حمله على هذا كراهيته للدين وسعيه في صرف الناس عنه وميله إلى أن تكون الحياة غير مستقيمة لأنه كفر باليوم الآخر فاستحق عقاباً دائماً، يظن نفسه أنه يفلت من قبضة الجبار مع أن الله قادر على الإنتقام منه في الدنيا قبل الآخرة لأنه لا ولي له يتولاه فيدفع عنه فاستحق أن يضاعف له العذاب (أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ) أصم أذنيه عن سماع داعي الحق وأعمى عينيه عن ابصار الأدلة المقنعة فأداه ذلك أن يفني عمره أثمن ما يملك فيما لا فائدة فيه ولا ثمرة له، لذلك استحق ما حكم الله عليه بقوله:(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ*لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) خسروا أنفسهم فأوردوها موارد التهلكة وخضعوا للضعيف العاجز وفقدوه وهم في أمس الحاجة إليه، فأي خسارة أعظم من هذه الخسارة في ذلك الموقف العظيم، وعلى نقيض ذلك من أشار إليهم بقوله:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ*مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) الإيمان إعتقاد في القلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، والإيمان غير العمل لذلك عطف العمل عليه، والصالحات صفة لموصوف محذوف وهي الأعمال التي تنفع العامل نفسه أو تدفع عنه أو تنفع غيره أو تدفع عنه، وأخبتوا إلى ربهم فأخلصوا له وخضعوا خضوعاً تاماً لم يتعالوا على خلق الله ولا افتخروا بأعمالهم، فهؤلاء هم أصحاب الجنة الملازمون لها ملازمةً تامةً دائمة، ثم عقد مقارنةً بين الفريقين فشبّه أحدهما بالأعمى والأصم وشبّه الآخر بالبصير السميع، وأخبر أنهم لا يستويان مستعملاً أداة الإستفهام "هل" لكنه أراد بها النفي بدليل تذييله الآية بقوله:(أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) أتعلمون ذلك علماً يقينياً فلا تعملون بمقتضاه ولا تطبقونه في حياتكم العملية، هذه الآيات العشر مقدّمةٌ للحديث عن نوح، فنوح مثلٌ للمؤمن العابد المخبت لله المطيع له، وفي هذا الموضع من القرآن فصّل قصة نوح وما عانى من قومه فجاءت قمةً في البيان. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ*أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) استفتحها بالقسم مؤكداً ب"قد" ونوح أبو البشر الثاني، ودعوته كدعوة غيره من الأنبياء، أنه أنذر قومه فخوّفهم وأمرهم أن لا يعبدوا إلاّ الله، وعلل أمره ذلك بخوفه عليهم عذاباً أليماً يوم القيامة، لكن قومه لم يقبلوا منه دعوته ولا خضعوا له ولا آمنوا بما جاءهم به، كانوا وقحين في الإجابة (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) اعترضوا على رسالته باعتراضات: الأول أنه بشرٌ مثلهم وهم لم يوح إليهم فاستنتجوا أنه كذلك وإن لم يصرحوا به هنا، الثاني أن عامة أتباعه من المستضعفين الذين يقبلون الأقوال على عواهنها دون تفكير أو بحث وتروي وإعمال نظر في القول والقائل، ثالثاً رأوا أنفسهم خيراً ممن آمن به فلم يجدوا فيمن آمن به فضلاً عليهم وهذا هو الكبر بعينه، لذلك ظنوا أنه ومن آمن به كاذبون. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ*وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) ترفّق بهم نوح وسألهم سؤال الواثق بعلمه وبما يدعو إليه، أخبروني إن كنت على دليل واضح من الله وخصني الله بالنبوة والرسالة فلم تروا ذلك ولا أبصرتم الحق، أنلزمكم باتباع الحق والإيمان وأنتم لذلك كارهون؟ ويا قومِ إن اتبعتموني فلا تخسرون شيئاً لأني لا أطلب منكم مالاً على التبليغ إنما أطلب الأجر من الله، فإن كرهتم الإيمان بي لوجود المستضعفين والفقراء فإن الله هداهم ولا أستطيع أن أطردهم لأنهم سيلاقوا الله ربهم فيجازيهم، ثم بين لهم أن في أخلاقهم شيئاً من الجهل أو من أخلاق الجاهليين وهو الكبر والعجب والتعالي على خلق الله، ثم سألهم سؤالاً ثانياً فقال:(وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) إن خالفت أمر الله وأطعتكم فطردت المؤمنين من ينصرني من الله من يحميني إن غضب علي؟ أتأمرونني بهذا فلا تذكرون أن الله مطلع علي مراقب لي يحاسبني على أعمالي صغيرها وكبيرها حقيرها وعظيمها، (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) ثم إنه لم يدّعي شيئاً من الخوارق بل كان متواضعاً حسن الأخلاق واقعياً، خاطب قومه فأخبرهم لا أقول لكم عندي خزائن الله فأعطي وأمنع ولا أعلم الغيب فلا يمسني سوء وقادرٌ على الاستكثار من الخير ولا أقول إني ملك قادر على البطش بكم ولا أقول للذين تحتقرونهم لن يؤتيهم الله خيراً إرضاءً لكم وموفقةً لأهوائكم الله وحده أعلم بما في أنفسهم، إني إذا قلت شيئاً من هذا لمن الظالمين الذين يضعون الأمور في غير مواضعها، هنا ضاق القوم ذرعاً بنوح وما عادوا يستطيعون الصبر عليه (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ*قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ*وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ملّوا الجدال وأرادوا أن يتخلصوا منه لأن جدالهم كان كجدال الناس اليوم، جدال بالباطل لرد الحق نصرةً للظلم، وطلبوا العذاب متحدين له واستخدم القرآن "إن" التي هي للشك كأنهم لم يؤمنوا أن الله قادر على تعذيبهم متى شاء وكيف شاء، لكن نوحاً بقي ثابت الجنان لم يغضب ولم يثر وأخبرهم بكل هدوء واطمئنان أن الذي يأتي بالعذاب هو الله إن شاء، وما أنتم بمعجزين الله عن تعذيبكم لأن قدرته مطلقة، ومهما نصحتكم لا ينفعكم نصحي ولو كنت مخلصاً فيه إن كان سبق في علم الله أنكم لا تقبلون نصيحة ولا ترجعون عن باطل، أصررتم عليه فالله وحده ربكم يتولاكم فيحاسبكم على ما عملتم يثيب المطيع ويعاقب العاصي. وهنا حصل التفات من قصة نوح وقومه إلى خطاب قريش لأن الشيء بالشيء يذكر، فرأينا القرآن يترك قوم نوح للحظة ويخاطب قريشاً، يرد عليهم ثم يتابع المسير (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ) "أم" هي المنقطعة وتفسّر ب"بل" و"همزة الإستفهام" وكأنه أضرب عن قصة نوح التي فيها تكذيب للرسول إلى قصة محمد في نفس الموضوع، يبيّن أن القرآن حق كيف لا وهو تنزيل رب العالمين على أميّ لم يقرأ ولا كتب وجاء بأخبار الأولين والآخرين بدقة ما بعدها دقة، أيقولون إخترع القرآن من عند نفسه ونسبه إلى الله ترويجاً له، رُد عليهم بقضية شرطية مصدّرة ب"إن" التي هي للشك، إن حصل ذلك –وهو مستبعد- فعليّ مسؤولية جزاء ما إقترفت من إثم بالكذب على الله وعلى خلق الله، على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء مما اتهموه به، فقد دل القرآن على أن البشر مهما أوتي من علم لا يستطيع أن يأتي بمثل القرآن ولو كأقصر سورة، لذلك ختم الآية بقوله:(وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ) فاستخدم الجملة الإسمية والفعل الماضي للدلالة على الثبات واللزوم، واستخدم الفعل المضارع في الخبر للدلالة على التجدد والحدوث، يعني أن رسول الله بريء من هذه التهمة ما توالى الليل والنهار، وكل يوم يمر يظهر من إعجاز القرآن ما يدل على أنه تنزيل من حكيم حميد، وعاد القرآن بعد هذه اللفتة إلى القصة فقال:(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ*وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) أوحى الله إلى نوح عليه السلام أن القوم لن يؤمن منهم أحد غير الذين قد آمنوا، فلا تتضايق ويصيبك الحزن بما يفعلون معك من إيذاء، واصنع الفلك بمراقبتنا ووحينا نوحي إليك كيف تصنعه ولا تحدثني في شأن قومك الظالمين، وكأن سائلاً سأل لماذا يارب؟ أتي الجواب (إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ)، صدر الحكم بإغراق المكذبين وقد بالغوا في إيذاء نبيهم حتى إن الأطفال كانوا يعلمون آباءهم طرائق من التعذيب يخترعونها ليعذبوا نبي الله نوح وسيأتي شيء من ذلك، عمد نوح إلى الفلك فأحضر الخشب اللازم لذلك وبدأ بصناعة الفلك، فكيف تلقّى القوم هذا الخبر؟ (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ*فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) صنع السفينة على الأرض في مكان بعيد عن البحر لأن همه تأمين السفينة للنجاة من الغرق حين يبدأ الطوفان، فاستخف قومه به وسخروا منه، فواجههم بقضية شرطية (إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) والذي يضحك أخيراً هو الفائز، وأوعدهم بالعذاب المخزي لهم والمؤدي بهم إلى النار، وطلب نوح علامةً يعرف بها أن وقت الطوفان دنا ليدخل السفينة هو ومن آمن معه ويُدخل من أمره الله بإدخاله فيها، وكانت العلامة عجيبة من العجائب خروج الماء من التنور، فالتنور يختبز به وهو بيت النار فمن أبعد البعيد أن يخرج الماء من بيت النار لكن كانت هذه العلامة، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ*وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) أُمر نوحٌ أن يدخل السفينة ويُدخل من آمن من أهله وأولاده الثلاثة ومن آمن من القوم وكان عددهم قليلاً، وأدخل الحيوانات التي أمره الله بإدخالها، فركبوا في السفينة وبقي ابنه الرابع خارج السفينة، لم تذكر الآيات هنا تفاصيل ما جرى بناءً على تفصيلها في غير هذه السورة، واكتفى هنا بذكر جريها في موج كالجبال، وقال في سورة القمر (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر*وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر*وحملناه على ذات ألواح ودسر*تجري بأعيننا جزاءً لمن كان كفر)، (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ*قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) حدث الطوفان فأخذ كل ما على الأرض ولم يبق إلاّ من في السفينة، وتخلّف من أهل نوح ابنه الرابع، دعاه أن يركب معه في السفينة فأبى وأخبر أباه أنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، فأخبره نوح أن لا أحد يُعصم من أمر الله إلا من رحم، وهكذا طغى الماء وأخذ كل شيء وحال بين ابن نوح والنجاة الموج فكان من المغرقين. ولماّ أذن الله بانقضاء الطوفان أمر الأرض أن تبلع ماءها وأمر السماء أن تتوقف عن المطر وهكذا جفت الأرض وقضي الأمر واستقرت السفينة على الجودي وهو جبل بين العراق وتركيا، وحكم الله بإبعاد القوم الظالمين (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ما أجمل القرآن حين يأمر فيطاع ويخبر فيصدق ويبعد من شاء من رحمته فيبتعد، وهنا تذكر نوح ابنه فسأل الله له السلامة ورجاه أن يكون من الناجين، تأمل معي دعاءه تحس حرارة الأب وحزنه على ابنه الذي فقده في الطوفان (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ*قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) تمسّك نوح بوعد الله له أن ينجيه وأهله، فأخبره الله أن ابنه ليس من أهله –يعني الناجين- لأنه لم يؤمن بالله ولا برسالة أبيه وأنه عمل عملاً غير صالح فتخلّف عن أبيه ولم يسمع كلامه ولا انتصح بنصيحته، ثم أدّب الله نبيه وأدّب المؤمنين فبيّن لهم كيف يكون الدعاء وماذا يجب على الداعي أن يجتنب، يجب عليه أن لا يسأل الله ما ليس له به علم فتكون دعوته عامةً شاملةً ليس فيها اثم ولا قطيعة رحم، فسارع نوح إلى التوبة والإنابة (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) هكذا الأنبياء قد يفعلون فعلاً أو يطلبون طلباً من الأولى بهم أن لا يفعلوه وأن لا يطلبوه، ولكن إذا ذكّروا رجعوا إلى الحق بسرعة واستسلموا لأمر الله، وختم القصة بجملة خبرية تجمعت فيها حروف اللين فزادتها جمالاً ودقةً (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) فأذن له بالخروج من السفينة محاطاً برحمة الله وبركاته عليه وعلى الأجيال التي حملت السفينة أصولها، وأخبره أن في أولاده وأحفاده أمم لا يتبعون المنهج فيمتعون بالدنيا ويعاقبون بالآخرة، وختم القصة بقوله:(تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ). هكذا قص القرآن قصة نوح في حدث حصل قبل النبي بأكثر من ألف سنة، لم يكن النبي على علم به ولا حتى قومه، قصة قصها الله عليه في وقت كان يعاني من الظلم أبشعه، فجاءت القصة لتغرس في قلبه الصبر والثقة والثبات والتمسك بالمنهج واعتقاد الفوز بالنهاية، فالعاقبة للمتقين هذه الحقيقة الثابتة وفيها دعوة إلى التقوى لأنها جماع كل خير، فاللهم وفقنا وسددنا واعصمنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة