الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ما الموقف من البعث ؟؟ 
سورة هود   الآيات 1 - 16


آياتها مائة وثلاث وعشرون آيةً مكيّة، نزلت تبين حال الأنبياء مع أقوامهم، فيها تسلية للنبي تشد من أزره تثبته وتدافع عنه، والقصة الرئيسية فيها قصة نوح عليه السلام وما عانى من قومه، إضافةً إلى بعض أنبياء العرب من أطراف الجزيرة العربية جنوبها وشمالها، وسأبين كل قصة أين كان موضعها وماذا كان من أمر النبي وقومه فيها، واستفتح البيان بالحروف المقطّعة على عادته في السور المكيّة، وكانت ثلاثة ولم يعدها آية على غرار ما فعل في يونس فقال:(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ*أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) الحروف المقطعة سبق أن أشرت إلى معناها وأنها تتحدى العرب أن يعارضوا القرآن بمثله وهنا بعشر سور، بناءً على ادعائهم أن القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى العادة ذكر القرآن عقيب الحروف المقطعة لا باسم القرآن، بل كتاب عظيم كله محكم، صين نظمه عن العبث والخلل والخطأ، وجاءت آياته مترابطة يشد بعضها أزر بعض كنموذج للمجتمع المسلم الذي قال عنه النبي:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد"، فآيات القرآن محكمة مترابطة ثم فُصّلت أي وُضحت وبُينت فكانت واضحة الأدلة بينت الحجج من لدن حكيم خبير، رد العجز إلى الصدر فالآيات أحكمت من لدن حكيم وفُصّلت من لدن خبير، فكأنه لما ذكر حكيم خبير رد العجز إلى الصدر، ومضمون هذه الآيات وموضوعها الدعوة إلى عبادة الله الواحد القهاّر، فإنه لا مستحق للعبادة غيره، فهو الموجد من العدم المربي بالنعم، ثم حصل الإلتفات (إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ) للكافرين (وَبَشِيرٌ) للمؤمنين، (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ*إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إضافةً إلى كونه نذيراً وبشيراً، يأمر الناس أن يطلبوا المغفرة من ربهم على ما بدر منهم، ذلك أن الله تفضل على عباده بالنعم، وشكرهم لها فيه تقصير فهم بحاجة إلى مغفرته عن هذا التقصير، ثم بعد أن يطلبوا المغفرة بحاجة إلى التوبة، يتوبون إليه مما قد يكونون ارتكبوا من الذنوب، ووعدهم بأن ييسر لهم الحياة فيتمتعون بما أحل لهم في هذه الدنيا متاعاً حسناً سالماً من المنغصات إلى الوقت الذي تنتهي به أعمارهم، ويمنّ عليهم فيؤتي كل ذي فضلٍ فضله، وإن أعرضوا عن الرسول خاف عليهم عذاب يوم كبير، لأن الابتلاء بالنعم يوجب الشكر، فإن قصروا استحقوا العقوبة، إلى الله وحده مرجعهم يحاسبهم فيثيبهم أو يعاقبهم، وهو القادر على أن يعطي ويمنع، وفي الآية عموم بعد تخصيص، فماذا كان حالهم؟ بينه بقوله:(أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) استعمل أداة التنبيه المكونة من الإستفهام والنفي، وجاء بالجملة مؤكدةً ب "إنّ" كناية عن محاولتهم الإحتجاب والإختفاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن رب العالمين، ولما كان الله لا يخفى عليه شيء نبّه إلى ذلك بقوله:(أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ) أي في الوقت الذي يختبؤون فيه من النبي أو من القرآن لا يستطيعون أن يختبؤا من الله أو يخفوا عنه شيئاً من أحوالهم، لأنه العالم بما في ضمائرهم وما يعلنون، وجعل آخر الآية رداً على أولها، أي إن شأن الله عليم بذات الصدور فمن يختبئ منه لا يخفى عليه؟، ثم بيّن كمال علمه وقدرته فقال:(وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) "ما" الحجازية، ما من دابة أكانت في الأرض أم في داخلها أم في أي مكان بعيد أو قريب في النور أو في الظلام إلاّ على الله لا على غيره رزقها، وهذا الإيجاب لإبلاغ الناس أنه قادرٌ على إيصال الرزق لمستحقيه أين كانوا وكيف كانوا، أكانت في صلب أبيها أو رحم أمها أو أين كانت كل في كتاب مبين، كتب ذلك عنده في كتاب مبين، ولما دعاهم إلى توحيد الله وطلب المغفرة منه، ناسب أن يقيم الدليل على قدرته واستحقاقه العبادة فقال:(وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ*وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) إشارةٌ إلى بدء الخلق، واختلف علماء العقيدة في أول المخلوقات فروي أنه القلم الذي كتب الأقدار، والظاهر هنا أن أول الخلق شيئان العرش والماء، ومهما يكن فإن الآية سيقت هذا المساق ليعلمنا التخطيط ودراسة الجدوى والتعرف إلى الخبايا والخفايا، فالله لا يحتاج ذلك لأنه يعلم ما كان في الماضي وما يكون في الحاضر والمستقبل، وما لم يكن لو كان كيف يكون، والله قادر على إيجاد العالم بلحظة، ولكنه أوجده على مراحل ليعلمنا متابعة العمل والترقي معه ليبلغ كماله، وإنما خلق السماوات والأرض وما فيهما من أجل أن يخلق البشر ويكلفهم عمارة الأرض ليعاملهم معاملة المختبر فيجازي المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته، صرّح به هنا فقال:(أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) يعني فيكافأ، والقسيم يدل على قسيمه، فالأسوأ يعاقب لكن قد يموت المسيء ولماّ يعاقب، إذاً لا بد من يوم آخر يقوم فيه الناس لرب العالمين فيحاسبهم ويجازيهم، لكن المرسل إليهم رفضوا هذه المقولة وأعرضوا عنها وردوا على الرسول فاتهموه بالسحر ليصرفوا الناس عنه، فجعلوا المعجزة التي هي أبعد ما يكون عن السحر سحراً وبالغوا في الإتهام فوصفوها بالظهور مبالغةً منهم في تنفير الناس عن الإيمان بالرسول، وإذا أوعدهم بالعذاب على كفرهم ومعاصيهم وتأخر نزول العذاب لاستهزأ الكفرة بالرسول وسألوا سؤال استبعاد لوقوعه، مستخفّين بالدين الذي يدعو إليه، لذلك رد عليهم قولهم فأخبرهم أن العذاب إذا نزل بهم لا يصرفه عنهم شيء، فليحيطوا بهم جميعاً عقوبة الذي استهزئوا به لا ينجوا منهم أحد، ثم انتقلت الآيات لتبين حال الإنسان مع النعمة، كانت صحةً أو مالاً أو جاهاً أو سلطاناً، ثم تغيب فقال:(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) يفرح الإنسان بالنعمة وينسى المنعم، فإذا فقدها أصابه اليأس فقنط من رحمة الله وكفر به كأنه لم يأته منه نعمة، فإذا ما جاءت النعمة بعد ذلك تراه يفتخر بها ويعتقد أن الله رضي عنه وغفر له فيبطر على خلق الله (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) الإنسان متقلب المزاج فلعله أراد به الكافر أو ضعيف الإيمان، يفرح بالنعمة العاجلة ويغضب لفقدها، وإذا عادت إليه بعد فقد تراه يتعالى على خلق الله ويتطاول، غافلاً عن الله معرضاً عن حكمته، أما المؤمن فبخلاف ذلك، لذلك تراه يستثني فيقول:(إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) قال عليه الصلاة والسلام:"عجبت لأمر المؤمن فإن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن إصابته سراء شكر فكان خيراً له"، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، لذلك أخرج الذين لا يفرحون بالنعمة بطراً ولا يجزعون لفقدها حزناً لأنهم صابرون، والصبر يضبط حركة الإنسان، يعملون الأعمال الصالحة مستخدمين نعمة الله في نفع خلق الله شاكرين لها بإشاعتها في عباد الله، وإذا أصابهم البلاء يصبرون عليه ليكونوا قدوةً لخلق الله، لذلك وعدهم مغفرةً وأجراً كبيرا. اشتد الأذى على النبي صلى الله عليه وسلم وكثر الإستهزاء به وإرهاقه بالمطالب، فناسب أن يكون الوحي إلى جانبه يشد من أزره ويقوي عزيمته ويثبّت يقينه فقال:(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) النبي له طبيعتان: طبيعة بشريّة يؤثر فيه فعل البشر، لذلك يجعل منه الله قدوةً للبشر يقوي عزيمته ويصوّب مسيره فيقول الداعية إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قست عليه الحياة وطولب بما طولب به فلم يضعف ولم يجزع بل صبر، فلأصبر على تبليغ دعوته، فأول الخطاب يبن لنا الحال الذي وصل إليه النبي من ضيق صدرٍ بالوحي تأثراً بما وجه إليه قومه من مطالب تعجيزية، منها أن يكون معه كنز ينفق منه على الأتباع والأعوان، ومنها أن يكون معه ملك يشد من أزره ويرد عنه مؤامرات الأعداء، لكن أراده الله أن يكون منذراً لخلقه متوكلاً عليه قدوةً في ذلك يسير عباد الله سيره في تبليغ الدعوة ويفوضون أمرهم إلى الله معتقدين أن الله قادرٌ على حمايتهم ونصرتهم كما حمى رسول الله ونصره، فالله خير من يُعتمد عليه ويُلجأ إليه، يكفي عبده ما لا يستطيع عبد أن يكفيه، بهذه المعنويات العالية وقف النبي صلى الله عليه وسلم يواجه القوم الذين اتهموه أنه ألّف القرآن بنفسه ونسبه إلى الله ترويجاً له، فرد عليهم رداً مفحماً فقال:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ*فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) بل أيقولون افتراه، لم يردّ الله عليهم ولكن شرّف نبيه الخطاب وأمره أن يرد عليهم متحدياً، إذا كان محمد قد اخترع القرآن من عند نفسه ونسبه إلى الله فاخترعوا مثله أنتم واستعينوا بمن شئتم من دون الله إن كنتم صادقين فيما تدعون، فإن لم تفعلوا وعجزتم عن معارضته بعشر سور فاعلموا أن الله أوحى به إلى محمد وأمره أن يبلغه وصدّقه فيما بلغ به فأيده بالمعجزات الحسيّة والعقلية لأنه لا مستحق للعبادة إلا هو، وبعد ان بينت لكم هذا البيان أتستسلمون لله فتنقادوا لحكمه وتخضعوا لشرعه فتكونون مسلمين له، أم تتبعون أهواءكم طمعاً في حطام الدنيا ورغبةً في التمسك بهذا النعيم الزائل، فإن فعلتم فإليكم الجواب في قضية شرطية (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ*أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) هذه الآيات الثلاث تبين جزاء من آثر الحياة الدنيا على الآخرة، من آثر الفاني على الباقي، من أراد الزينة على الحقائق، ونظير هذه الآية ما يأتي في الإسراء (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا) ووعد هنا أن يعطيه أجره كاملاً في الدنيا كما قال في البقرة (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الاخرة من خلاق) فإعطاء العامل أعمالاً صالحةً لم يطلب به وجه الله وطلب الدنيا يعطيه الله أجره في الدنيا ولا ينقصه منه شيئاً، ثم أشار إليهم باسم الإشارة للبعيد وكنّى عنهم بالاسم الموصول وصلته التي هي علة الحكم (لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ) لأنهم لم يطلبوا الجنة ولا رغبوا فيها ولا عملوا لها وبطل ثواب ما صنعوا في الدنيا فضاع عليهم أجر عملهم لأنهم لم يطلبوا من الله أجراً في الاخرة فلا أجر لهم، فاللهم وفقنا لنعمل للآخرة ونطلب أجرها واجعل لنا من الدنيا سبباً للعمل الذي ينفعنا في الاخرة وفي الدنيا ويدفع عنا العذاب يوم القيامة.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة