الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

العهد وشر الدواب!  
سورة الأنفال   الآيات 55 - 75


لما ذكر المنافقين والكافرين وإهلاك الله لهم بسبب الظلم، ناسب أن يتحدث عن ظلم من نوع آخر يفتك بالمجتمع ويدمر العلاقات بين أفراده، عنيت به نقض العهد وعدم الوفاء به فقال:(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ) أطلق "شر" وأراد الأكثر شراً وسماهم دواباً لأنهم يدبون على الأرض، لا لإهانتهم ولكن للتنفير من خُلقهم، لماذا كان ذلك؟! لأنهم كفروا، ولأنّ كفروا صلة الموصول، وصلة الموصول علة الحكم، فهم ما استحقوا أن يوصفوا بشر الدواب إلا لأنهم كفروا وأصروا على الكفر.
ومفهوم كفروا "لا يؤمنون"، فأكد على مفهوم "كفروا" بمنطوق "لا يؤمنون"، ومفهوم "لا يؤمنون" بمنطوق "كفروا"، فتعانق المنطوق والمفهوم وأيد أحدهما الآخر، فإن طلبت الدليل على كفرهم جاءك في الآية الثانية وهو معاهدتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ثم ينقضون عهدهم، فما من مرةٍ عاهدوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلا ونقضوا العهد، والسبب الجملة الإسمية "وهم لا يتقون"، لأن حالهم هذه تدل على فعلهم، وحذف متعلق "يتقون" فلم يصرح به للتعميم، كأنه أشار بهذا إلى أنهم لا يتقون نقض العهد ولا يتقون الله ولا يتقون ما يوجب أن يتقوه، دواؤهم واحد لا ثاني له، تفريق جمعهم وجمع من يجتمع معهم، لذلك قال:(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ) "إن" أداة شرط زيد فيها "ما" النافية بياناً للزوم هذا الشرط، ومعنى (تثقفنهم) أي تلتقي بهم أو تحتك بهم في الحرب، جزاؤه المشار إليه بقوله:(فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) و"لعل" في حق الله حرف تعليل فيكون ردعك لهم بالقتال لتشريد ناصريهم وصرفهم عنهم، وتفكرك في ذلك العمل يدفعك إلى تأديب ناكثي العهد وكلك أملٌ أن تكون عقوبتك دافعاً لهم إلى تذكر الله ووجوب الإلتزام بعهده، ولما ذكر عقوبة ناكثي العهد المتمرسين في الكفر ناسب أن يذكر جماعةً عاهدوا يُشك في التزامهم العهد، فقد يظهر منهم خيانة، فإذا عاهدنا إنساناً يجب علينا الوفاء له، فإن شككنا بوفائه نبذنا إليه عهده، وهذا ما أشارت إليه الآية (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) ولما كان سبب الخيانة قد يكون باتباع الكفرة والسير على هديهم تأثراً بهم أو ميلاً قلبياً لهم لأنهم غالبون في الظاهر، أو اغتراراً بمد الله لهم، ناسب أن يحذر المؤمنين من الإغترار بما يتمتع به الكفار من تسلط وتحكم في العباد والبلاد، فبين ان ذلك تأديب للمؤمنين وزجر لهم لأنهم قصروا في تنفيذ الأمر الإلهي، يدل على ذلك معانقة الآيتين (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ*وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) حَسِبَ من أفعال القلوب، ومفعوليْها الجملة "الذين" وصلته و"سبقوا"، وجملة (إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ) تعليل للنفي الوارد في صدر الآية، ويجوز أن تكون "لا" نافية والجملة خبرية ويجوز أن تكون ناهية، وفيها قراءات بالياء وبالتاء، فبالياء فاعلها "الذين"، وبالتاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده القارئ للقرآن، وجملة "إنهم" علةٌ للقراءتين، وقوله:(وَأَعِدُّواْ لَهُم) دليل على أنه يجب على المؤمنين أن يكونوا مستعدين لنصرة الحق بأنفسهم وبأموالهم، وقوله لهم للكفرة الذين يحاربون المسلمين أو المنافقين أو الدواب الذين ينقضون العهد في كل مرة، والقوة هي الرمي والمراد بها آلة الحرب من الطائرات والمدرعات والمدافع والأسلحة المختلفة، ورباط الخيل كان في الماضي واليوم ما يستعين به الجند من السيارات والآليات وغيرها، وقوله:(تُرْهِبُونَ بِهِ...) المراد به تكوين قوةٍ قوية حامية للحق ناصرة له مدافعة عنه تجعل العدو يفكر ألف مرة قبل أن يعتدي على المسلمين، وسواءٌ أكان من أعداء الله أو من أعداء المؤمنين، لأن الحق يضبط حركة الحياة ويمنع الناس أن يعتدي بعضهم على بعض، فإذا لم يكن له ذراع عسكريةٌ تحميه وتنصره فإنه ضعيف، ورغب القرآن بالنفقة في الإستعداد لرد الإعتداء بالوعد بمضاعفة الأجر عليها فقال:(يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْء..) وقوله:(يُوَفَّ إِلَيْكُمْ..) وعدٌ بأن يبارك لك فيما أبقيت ويرد عليك مثل الذي أنفقت، وأكّد عليه بالجملة الحالية (وأنتم لا تظلمون) ثم إنه إذا كلّ الأعداء من القتال وأذعنوا للحق فأبدوا رغبةً في السلم، فإن الله أذن للمقاتلين أن يمنحوهم ذلك إذا كان فيه مصلحة للمؤمنين، لا أن يميل العدو للسلم ليقوي نفسه ثم يهجم على المسلمين ثانيةً، وهذا ما أكده في قوله:(وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله) النبي يقاتل في سبيل الله يلتزم أمره لذلك قال له هنا إن رغبوا في المسالمة فسالمهم وإن أرادوا الخيانة فالله يكفيكهم كما وعدك فإن أردت الدليل فهو أولاً في قوله:( هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) فنصرك على الكثرة الكافرة بقلة مؤمنة صادقة الإيمان قوية القلب (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) يذكّر النبي بما كان عليه العرب من تفرق واختلاف ومعارك تثار هنا وهناك من أجل ناقة سبقت أو حصان غلب، فجمعهم الله بالإسلام على ما كان بينهم فوحدهم بعد تفرق وألف بين قلوبهم بعد تنافر، وذلك لا يستطيعه أحدٌ غير الله، فلو أنفق النبي ما في الأرض جميعاً من الأموال ما استطاع أن يؤلف بين قلوبهم، ولكن الله مقلب القلوب والأبصار ألّف بينهم لأنه غالبٌ لا يغلب حكيمٌ يضع قوته في موضعها، تصرفاته تصدر عن حكمة، ومن الحكمة جمع الكلمة وجمع الناس على نصرة الحق وتطهير المجتمع من الفاسدين المفسدين، وهنا ناسب أن يوجه الخطاب للنبي شخصياً فيقول:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) هذه الآية كالدليل على أن الله يكفي نبيه ببعض خلقه أحياناً بالملائكة وأحياناً بعوامل طبيعية وأحياناً بالبشر، وهنا قال يكفيك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين، وإنما جمع بين الله وبين من اتبع النبي من المؤمنين تشريفاً لهم وإلاّ فالله يكفي الجميع، وصدق الله (وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) وإذا كان الله قادراً على كفاية النبي وكفاية المؤمنين فلا يمنع أن يشرفهم فيستخدمهم في طاعته فيكونون عوناً لنبيه صلى الله عليه وسلم يؤجرون على أنهم جند من جند الله، لأن الحياة الدنيا قائمة على الأسباب والمسببات، فمهما كان أنصار الحق كثير كان الحق عزيزاً غالباً، لذلك ناسب أن يأمره بتحريض المؤمنين على القتال ويعدهم بالفوز (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ) كلّف الله المؤمنين أن يصابر الواحد منهم عشرةً من الكفرةً، يجب عليه مقاتلتهم ولا يجوز له أن يهرب منهم، فإن زادوا على العشرة جاز له أن يهرب، وهكذا نرى أن الاية بجزئيها قررت أن الواحد يصابر العشرة والعشرين مئتين والمئة ألف، لأنهم كفروا بالله فتخلى الله عنهم، وأظلمت قلوبهم بمعصية الله فلا يميزون بين الخير والشر ولا بين الحق والباطل ولابين ما ينفعهم وما يضرهم. ثم لما قوي المسلمون وزاد عددهم خفف الله عنهم فأوجب المصابرة لإثنين فإن زادوا فيجوز الإنسحاب فقال:(الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) جاءت هذه الاية الثانية رافعةً لحكم الاية الأولى، خفف الله عنكم مشقة التكليف إما لكفاية العدد أو رحمة بالمؤمنين وتسهيلاً للحياة عليهم، ومراعاة لضعف الإنسان وعجزه لأن المؤمنين في بداية الإسلام كانوا أقوياء أعزاء ذوي حماس فائق، فلربما مع مقارعة الأعداء ضعفوا فخفف الله عنهم، فجعل المئة تغلب المئتين والألف يصابر الألفين، وشرط في هذا وذاك الصبر والله مع الصابرين، فالله ينصرهم ويدافع عنهم ويوفقهم لإقامة العدل ما داموا صابرين. أسر المسلمون من أهل بدر سبعين فتشاور النبي وأصحابه في امرهم ماذا يفعلون بهم، أيطلقونهم مجاناً أو يأخذون منهم فداءً أو يقتلونهم، فرأى عمر رضي الله عنه أن يقتلوهم ويلحقوهم بالسبعين الأول الذين سبقوهم في المعركة، ورأى أبو بكر الصديق أن يفادوهم لأنهم أهل وأقرباء، فمال النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر، إذ كان رأيه يتفق وطبيعة النبي الذي كانت تصرفاته مليئة بالرحمة، فنزل القرآن رأياً فصلاً يبين الحكم والحكمة ويبين أن رأي عمر كان الأصوب والدليل على ذلك (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ*لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ*فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) هذه الآيات عتاب قاسٍ للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا العتاب معلل ببيان الحكمة وهو خير دليل على أن القرآن منزل من عند الله، تراه أول الأمر شديد اللهجة عنيف الأسلوب ثم يرق ويلين على ما سأبينه:(ما كان) أي ما صح ولا استقام (لنبي) أي نبي كان ولو محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأسر الأعداء إلا بعد أن يقاتل أو يقتل منهم مقتلة عظيمة ترهب العدو وتوقفه عند حده، فلا يفكر في الهجوم على المسلمين إلاّ كامل العدة والعتاد، ذلك أنه إذا كثر الأسرى أُرهق القادة بتأمين مسكن وطعام وشراب وحراسة لهم، ما يعيق العمل الجهادي ويشغله عن غرضه، فإذا علم الأعداء أن المسلمين لا يقتلون الأسرى أرسلوا إليهم آلاف الناس ليغلبوهم في العدد، فكانت الحكمة إخافة الأعداء بمقتلة عظيمة قبل أسر أحد، وكان قتل الأسرى فيه إرهاب للأعداء، أما العتاب العنيف الموجه للنبي ففي قوله:(تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا..) والنبي صلى الله عليه وسلم ما أراد عرض الدنيا، إنما رحمته لقومه وحرصه على هدايتهم وأمله في أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، دفعه الى مفاداتهم، ثم بدأت الآيات تلين شيئاً فشيئاً فبينت أن الله سبق في علمه أن يحل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم الغنائم، ولولا ذلك لنزل بالمؤمنين عذاب عظيم، ثم لانت مرة واحدة وأذنت بأكل الغنيمة وجعلته كسباً طيباً بمراقبة الله عز وجل فسمح النص القرآني للمؤمنين أن يأخذوا الفداء من الأسرى، وفادى العباس نفسه وابني أخيه وأرسلت زينب فداء زوجها أبي العاصي ابن الربيع قِلادةً كانت خديجة أهدتها لزينب يوم زفافها، فلما رأى النبي القلادة رق لها وقال للمؤمنين "إن شئتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادتها فعلتم" فأطلقوا أبا العاص ابن الربيع وأعطوه القلادة ليردها إلى زينب، وطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليه بزينب ففعل، والقصة في السير بتفاصيلها لا أطيل بذكرها، وأما العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فادعى أنه لا مال له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "أين المال الذي دفعته إلى أم الفضل فقلتَ إن هلكت فللفضل كذا ولعبد الله كذا" قال العباس "أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله" لأن هذا الأمر لا يعلمه إلا الله وأم الفضل، لكنه أراد أن يمتنع عن دفع الفداء بحجة أنه مسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "إن كنت كما تقول فسيرد الله لك ما دفعت وأكثر منه" وقد ثبت بالدليل أن العباس كان مسلماً يقيم بمكة لمساعدة المستضعفين من المسلمين وسأشير الى قصته بعد قليل حين أخذ الأموال، وهكذا أباح الله للمسلمين الغنائم والفداء وختم الآية بقوله:(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وبعد أن أباح للمسلمين أن يأكلوا من الغنيمة التي غنموها من فداء الأسرى، وكان فيهم من ادعى أنه مسلم لا يجوز للمسلمين أن يأخذوا منه الفداء، ناسب أن يبين الحكم فقال:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أخبر في هذه الآية بأمرين اثنين: الأول إن كان من يدعي أنه مسلم صادق في دعواه فإن الله وعده أن يرد عليه خيراً مما أخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحقق هذا الوعد بعد سنوات، ذلك انه لما أتى النبي غنائمٌ قال للعباس خذ فأخذ وملأ حجره دنانير وأراد أن يقوم فما استطاع، قال:"يا محمد ساعدني" فقال النبي:"لا قم لوحدك"، وما زال العباس يلقي بالدنانير فينقص منها حتى استطاع أن يقوم، وقال قولاً سرى مسرى المثل:"قد آتاني الله خيراً مما أخذ مني وأنتظر الثانية وهي المغفرة وتلك لا تتحقق إلا يوم القيامة"، وذيّل الآية بالجملة الإسمية ليدل على أنه غفور يتجاوز عن سيئات عباده فيسترها ويمحوها، رحيمٌ يقبل توبة التائب ويعفو عنه، (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ) شأن بعض الأسرى فهؤلاء قد خانوا الله من قبل فأمكن منهم وذاقوا عاقبة الخيانة، ثم ختم الآية بصفتين من صفاته جل وعز: العلم والحكمة، فصفة العلم صفة كاشفة بها يعلم الله ما كان في الماضي وما يكون في الحاضر وما سيكون في المستقبل لا يعزب عن علمه مثقال ذرةٍ في السماء والأرض ولا أكبر من ذلك ولا أصغر، ومع هذا العلم الشامل حكيمٌ يضع الأمور في موضعها اللائق بها، وينزل الناس منازلهم التي يستحقونها، وبعد ذلك بيّن المجتمع المدني فقسّمه طوائف فقال:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) الطائفة الأولى طائفة الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا رسول الله والمسلمين هي الطائفة الأولى، والطائفة الثانية وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، فأما الطائفة الأولى فهم أولياء بعضهم بعضاً ينصرونهم ويستنصرون بهم يمدون الأيدي إلى بعضهم كأنهم إخوة أو كالإخوة، وأما الطائفة الثانية فما للطائفة الأولى من ولاياتهم من شيء حتى يهاجروا، فمهما لم يهاجروا فليس مطلوباً من المؤمنين مولاتهم لاختلاف الدار، ذلك أن التوارث والموالاة كانا بالدار، فمن في دار الإسلام يرث من فيها، كان قريبه أو لم يكن ومن في دار الحرب لا يرث من في دار الإسلام ولا يرثه من في دار الإسلام، أما إن طلبوا النصر في الدين فيجب على الطائفة الأولى نصرهم لا على قومٍ بينهم وبينهم ميثاق، وختم الآية بقوله:(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يربي المؤمنين على مراقبة الله واحترامه وتنفيذ ما أمر به ونهى عنه، الطائفة الثالثة هم الكفار وفيهم يقول:(وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) فأمة الكفار أمة واحدة ينصر بعضها بعضا، ويشد بعضها من أزر بعض، ثم ذكر جملةً شرطية وجوابها واختصرها فكأنه قال للناس (إلا تفعلوه) أي إلا يكن بعضكم أولياء بعض بأن توالوا الكفار تنصرونهم أو تستنصرون بهم تكن فتنة في الأرض كما يحدث الآن في بلاد المسلمين في سوريا حيث يستعين المسلمون بالملحدين من الشيوعية والمجوس على إخوانهم المسلمين، وفي العراق كذلك وربما استعان بعضهم بالنصارى والأزيدية على المسلمين، وأي فتنة أعظم من أن يقتل المسلم المسلم بدم بارد عصبيةً أو انتصاراً لرأي أو تعصباً لفكر، ثم ذكر المؤمنين مرة ثانية فقال:(وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) فبين أن المهاجرين والأنصار المجاهدون في سبيل الله ناصروا دين الله بالنفس والمال صدّق قولهم فعلهم وحققوا معنى الإيمان فكانوا مؤمنين حقا ووعدهم بالمغفرة ورزق كريم، ثم ذكر المؤمنين المهاجرين بعد الرعيل الأول فقال:(وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ) فبين أن المؤمن أخ للمؤمن لا يخذله ولا يحقره ولا يظلمه وأن المؤمنين بعضهم من بعض، ثم عطف عليهم (وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فجعل قرابة الأقرباء معتبرة في الميراث ناسخةً للتوارث بالدار الذي عُمل به في السنتين الماضيتين اللتين سبقتا غزوة بدر الكبرى، فجعلت هذه الآية التوارث المعروف بين الإبن وأبيه والأم وأولادها والأخ وأخيه وجميع المسلمين، وقوله:(فِي كِتَابِ الله) . إشارة إلى أن ذلك مفروض فهي أعم من أن تكون دالةً على أن ذلك ثبت بالقرآن أو بالسنة أو بهما، وختم الآية بقوله:(إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) مما يصلح الدنيا والدين والمجتمع، وهكذا بينت سورة الأنفال العلاقة بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام كيف كان تعاملهم معه وتعامله معهم ليجعل من ذلك درساً في العلوم الإجتماعية يقرب البعيد ويسهّل الصعب ويعرف كل واحد حقه وما يجب عليه ويعيش الناس في أمن وأمان، فاللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة