الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

نداءات أربعةٌ!  
سورة الأنفال   الآيات 20 - 40


بعد أن بيّن القرآن ما خص الله به أهل بدر من آيات تدل على صدق الرسول، ناسب أن يدعو إلى الطاعة شكراً لله وبالشكر تدوم النعم، ويلزمهم الطاعة لأنهم داخلون في جملة المؤمنين، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ*وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) الاسم الموصول من صيغ العموم وصلته علة الحكم، والحكم وجوب طاعة الله ورسوله وتحريم الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه يواجه الأعداء وحيداً على حالة أنهم يسمعون كلامه ويعقلون معناه، وفي الآية الثانية حذرهم من أن يكونوا كمثل الذين سمعوا أو ادعوا السماع، والحال أنهم لا يسمعون لأن السماع يقتضي الإجابة وهي الطاعة وكأنه بهذا يرد العجز على الصدر.
ولما كان في قوله:(قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُون) إبهام أو خفاء بيّنه بالمثل فقال:(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ*وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) فسّر قوله:(وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ) و (وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) نهيٌ عن الإعراض عن شرع الله وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيداً مع شدة حاجته إليهم ليقفوا معه ينصرون الحق وينشرونه، وأقرب صورةٍ صورة البهيمة تسمع الكلام فيخيل إليك أنها سمعت ووعت ما تقول، وهي لا تفهم شيئاً مما تقول، لذلك رتب عليه شرّ الدواب، (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ) عن سماع الحق فلا يؤثر فيهم ولا تحرك مشاعرهم ولا يدعوهم إلى العمل، و(الْبُكْمُ) عن التكلم بالحق: تعريف الناس به، نشره ونصره والدعوة إليه، ولما كانت فائدة السمع والكلام الإدراك ومعرفة الأمور على حقيقتها، بيّن أن أولئك لا يعقلون، لأنهم لم يسمعوا سماع قبول ولا تكلموا كلام عاقل، وكان الله قادراً على إسماعهم ولكنه علم أنهم لا خير فيهم، اسمعه يقول:(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ) لكن لا فائدة من إسماعهم لأنهم لا يدركون ما يسمعون، متمسكون بباطلهم، فلو فرض أن الله أسمعهم لتولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالة الإعراض عن الحق وعن الوقوف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما اقتصرت الآيات على السماع والعقل، ناسب أن يبين الفائدة العملية من السماع وعقل الكلام فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الأصل في "السين والتاء" الطلب، ولكنها هنا للتمكين، كأنه أكد على إجابة الله وإجابة رسول الله إلى ما يدعو إليه، وإذا دخلت على فعل ماضٍ فدلت على الإستمرار والتجدد، وصلة "ما" يحييكم، لأن القرآن حياة القلوب، وبالدين تحيا الشعوب، وقديماً قال ربنا (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) فهذا مثلٌ للكافر يؤمن والضال يهتدي ومتبع الهوى يتبع الحق، والنور هو أثر الإيمان على سلوكه وتصرفاته، ولما كان الإنسان يتنازعه الهوى وحظ النفس والإيمان، نبه إلى وجوب الإستعانة بالله بالتقوي على مكائد الشيطان، نبه إلى ذلك بقوله:(وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) يصرف قلبه عن الهوى إلى الحق، لكن قد يبدر منه شيءٌ وصف الدواء منه بالإيمان بالبعث، وإذا علم الإنسان أنه سيكون بين يدي الله يحاسب عن أعماله صغيرها وكبيرها، دعاه ذلك إلى الإلتزام بالمنهج، واتباع طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك قد تبدو منه بعض المعاصي، فإن بقيت في الخفاء غير ظاهرة في المجتمع وبقي المجتمع محافظاً على الإنتظام العام في الدين، بقي في أمن، أما إذا جهر الناس في معاصيهم ولم ينتظموا في السلوك الإسلامي أوشك أن تصيبهم فتنة فتصيب العامة والخاصة لأن أهم صفة في المجتمع الإسلامي صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نبه القرآن إلى ذلك بقوله:(وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً) لأنهم جاهروا بالمنكر وعصوا الله عياناً ولم يراقبوا الله في تصرفاتهم ولا تأدبوا مع خلقه، والمراد ب(الَّذِينَ ظَلَمُواْ) أي الذين وضعوا الأمور في غير موضعها، ورأوا المنكر فلم يجتهدوا في تغييره، والذي يعين على الإستقامة والتثبيت على الحق الإيمان باليوم الآخر (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
ثم ذكر لهم ما يعينهم على التمسك بالحق، فذكرهم بنعمه عليهم حين كانوا فقراء فأغناهم ومتفرقين فجمعهم وقليلين فكثّرهم ومشردين فآواهم (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وهكذا تمم النداء الثاني ما بدأه النداء الأول، فاكتملت الصورة ووضح المعنى، ليأتي النداء الثالث يحض المؤمنين على الإلتزام وعدم الخيانة فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ*وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) نهى المؤمنين عن خيانة الله والرسول وهي التفريط في أداء الأمانة، لأن الله شرف الإنسان وكلفه أداء الأمانة كما كلف سائر المخلوقات، فأما غير الإنسان فأدّى ما كلفه الله به، فالشمس تشرق ولا تسأل على من أشرق، والسماء تمطر ولا تسأل على من تمطر، وهكذا جميع المخلوقات غير الإنسان حمل الأمانة فلم يؤدها، على ما سأبينه في سورة المؤمنون والأحزاب، فنهى أولا عن خيانة الله لأن التكاليف التي كلف الله بها الإنسان بعضها بين العبد وربه، فالوضوء وغسل الجنابة سر بين الله وعبده لا يمكن أن يطلع عليه مخلوق، ما خلا الزوج وزوجته، وخيانة الرسول بعدم طاعته وعدم توقيره واحترامه أو مخالفة ما بيّن من أحكام، وخصص ثم عمم فنهى عن خيانة الأمانات مع العلم أنها أمانات واجبة الأداء يسأل المكلف عنها يوم القيامة، ثم بين ما يعين على حفظ الأمانة فأخبر أن سببي الخيانة: حب الأولاد وحب المال، فبين أن المال والأولاد ابتلاء من الله إن أحسن المكلف رعايتهما وأخضع تصرفاته للمنهج الذي وضعه الله وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم نجح ووعد من نجح بالأجر العظيم، الإبتلاء يكون بالفقر وبالغنى وبالصحة وبالمرض وبأداء الأمانة وبخيانتها، فمن أدى ما كلفه الله به فاز ومن لا حوسب حساباً عسيرا. ثم ذكر النداء الرابع فكوّنه من شرط وجزاء، في الشرط طلب أمراً واحداً وأعطى ثلاثة فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فشرط عليهم أن يتقوا الله، والتقوى جماعُ لكل خير، وقال في آل عمران:( اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) وقال في غيرها (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) فتقوى الله سبب الفوز في هذه الحياة لما بينه في سورة الطلاق مفصلاً، وههنا بين لهم أنهم إن فعلوا فعلا واحدا اتقوا الله يعطيهم ثلاثة: الأول يجعل لهم فرقانا، أي ينير بصيرتهم فيمّيزون بين ما ينفعهم وما يضرهم، بين الخير والشر، بين الهدى والضلال، بين اتباع الحق واتباع الهوى، يمكن الإنسان من ان يزن الأمور بميزان عدل لا يخيس، وأما الثانية فستر السيئات لمحوها وعدم المؤاخذة عليها، ونتيجتها المغفرة، وذيّل الآية بقوله:(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) كدليل على إكرام الله، وجعل هذه الجملة رابطاً يربط القصتين الآتيتين بالآية، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما قبل سنتين أو تزيد، حين اجتمعت قريش لتفكر في سبيل القضاء على محمد، وأشارت الآية إلى المكر وهو التدبير في خفاء، وكان خيارهم أحد ثلاثة: أن يثبتوه أي يحبسوه في مكة ولكن هذا الإقتراح سقط، والإقتراح الثاني أن يهجروه من مكة، وهذا الإقتراح سقط، أم الإقتراح الثالث أن يقتلوه، فاتفقوا عليه وجمعوا له مجموعة من الشباب من قبائل مختلفة فيضيع دمه في القبائل فيعجز بنو هاشم وبنو المطلب عن محاربة جميع القبائل فيرضون بالدية، ومعنى قوله:( يَمْكُرُ بِكَ) أي يدبر في خفاء، وتدبيرهم كان أحد الخيارات الثلاثة المتقدمة، وقوله:(وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) من باب المشاكلة لأن الله عاملهم على مكرهم فهيأ لهم أنه غير مطلع عليهم ليوقعهم في شر أعمالهم، على ان الله ليس بحاجة إلى مكر لأنه القوي الغني القادر على الإنتقام ممن شاء متى شاء، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) هذا يدل على عمى بصيرة الكفرة، ذلك أنهم كلما سمعوا القرآن وأعجبوا به وشعروا بلذة عند سماعه وصفوه بأنه أساطير الأولين، وادعوا أنهم قادرون على معارضته مع أنه لم يحاول واحد منهم أن يعارضه، إلا ما كان من مسيلمة الكذاب الذي حاول أن يقول شيئاً كالقرآن، فجاء كلامه سخيفاً ضعيفاً لا معنى له ولا فائدة منه، ثم بين غباء الكفار فقال:(وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) وبعد أن ادعوا ظلماً وزوراً أنهم قادرون على معارضة القرآن وأن القرآن ما هو (إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) أي حكايات الأمم الماضية التي لا تنفع أو هو خيالات وأوهام، وهذا قلب للحقائق رأساً على عقب، ادعوا دعوى تدل على غبائهم وعمى بصيرتهم، يذكّر الله بها النبي صلى الله عليه وسلم، فالظرف متعلق ب"اذكر" وغباؤهم يتجلى في دعوتهم، فبدل أن يقولوا اهدنا اليه ووفقنا لقبوله قالوا:(أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ليس ثمة غباء أكثر من ذلك، كيف يطلبون العذاب ويرتّبونه على شرط حقيقي واقع، فالقرآن قطعاً من عند الله، شهد بذلك عقلاؤهم، لكنّ الله كان أرحم بهم فلم يعذبهم ومنحهم أمانين أشار إليهما في الآية، أما الأول فوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، وهذه سنة مضطردةٌ أن لا يهلك الله قوماً فيهم نبيهم، فما دام محمدٌ بين أظهرهم فهم آمنون من عذاب الاستئصال، وأما الثاني فقولهم في التلبية "لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك"، فهذا الدعاء كالاستغفار على أن الله أعطى أمة محمد بعد محمد هذين الأمانين أيضاً، فمهما أصاب الإنسان ضيق أو شدة فصلى على النبي واستغفر الله فرج الله كربه وأخرجه من شدته، ومع أن أهل مكة استحقوا التعذيب مع قيام سببه وهو شيئان: الأول منْعهم الناس من العبادة في المسجد الحرام وتسلطهم على المؤمنين ونصبهم أنفسهم أولياء لله مع أنهم ليسوا كذلك، والثاني ما كانوا يفعلونه في صلاتهم من التصفيق والتصفير، أشار إلى هذا في قوله:(وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ* وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) فأشار في الآيتين إلى أنه ليس من شيء يمنع الله من تعذيبهم ما داموا قد تسلطوا على عباده وصدوهم عن المسجد الحرام، ولأنهم ما والوا الله ولا خضعوا له خضوع الأولياء الذين ينصرونه ويستنصرون به، فهذا دأب المتقين ولكنهم قوم جهلة بحاجة إلى التعلم، ولطف القرآن لم يعمم بل اكتفى ب"أكثرهم"، والصلاة لله فما بالهم يصفقون فيها ويصفرون وهي تحتاج إلى خشوع واستسلام وانقياد، لذلك رتب على هاتين المقدمتين (فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) كأنهم ساعة أن يفارقوا الدنيا يقال لهم هذا القول، ذلك أن الكفر تكرر منهم، دل على ذلك اجتماع الفعلين الماضي والمضارع.
ولما قال أبو جهل ما قال في بدرٍ، ناسب أن يبين القرآن موقف الكفرة من الدين فقال:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) الكافرون عادوا الله وعادوا رسوله وعادوا أتباعه، واجتهدوا في صرف الناس عن الإسلام، فأنفقوا أموالهم في ذلك، لذلك أخبر الحقُ عاقبتهم لأنه عليم خبير، وأشار إلى خبر من عالم الغيب يبين أن إنفاقهم المال بحرب الدين ستكون عاقبته ندماً وتحسراً لأن الدين ماضٍ إلى غايته نصره الناس أم حاربوه ومن يعاديه لا بد أن يقهره الله ويكون مستقره في جهنم هناك يجتمع الكفار، فإن جئت تسأل عن الحكمة من ترك الكفار يسيؤون الى المؤمنين ويمنعونهم من أداء الفرائض وبذل النفس والمال في ذلك، يأتيك الجواب (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) إن الحكمة من الإبتلاء إظهار فضل الصالحين وزيف المخادعين، ففيه يظهر صدق الصادقين وهذا معنى التمييز بين الخبيث أي الرديء والطيب أي الصالح، ثم يجمع الخبثاء فيضم بعضهم إلى بعض ويجمعهم كما تجمع الثوب المتسخ لتلقيه في المغسلة، وهؤلاء يجعلهم في جهنم، ثم أشار إليهم باسم الإشارة للبعيد وحكم عليهم بالجملة الإسمية كأنه لا خاسر غيرهم، لأنهم أفنوا أعمارهم أثمن ما يملكون في ما لا فائدة منه ولا ثمرة له فضاع العمر وخاب العمل، فناسب أن يشرف النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب، يفتح لهم باب التوبة ما داموا في هذه الحياة قبل أن يمضي بهم العمر إلى آخره (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) وعدهم بالمغفرة إن تابوا وأنابوا وإن عادوا إلى فتنة المسلمين ونشر ضلالهم فسيكون مصيرهم مصير الأولين، يعني عذاب الإستئصال في الدنيا والنار في الآخرة، ثم أمر النبي والمؤمنين بمقاتلتهم لأن الحق إذا لم يكن معه قوة تحميه وتشد من أزره لا يثبت على الأرض وربما قاومه أهل الباطل، والهدف من مقاتلتهم أن يقلعوا عن الشرك وأن يتحد الناس على دين واحد ومنهج واحد كلهم عبيد لله يراقبونه فيما يأتون ويذرون، وغاية قتالهم توبتهم وترك الشرك، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، يرقب حركاتهم وسكناتهم، يغفر للصادقين منهم ويعاقب المنافقين، وإن رفضوا الإذعان للحق وتولوا عن طاعة الرسول فاستعينوا بالله على مقاتلتهم، لم يؤكد الأمر بالقتال ولكن أخبر المؤمنين أنه مولاهم والمولى الناصر المنتصر لأوليائه (وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)، هكذا حرر المؤمنين من تسلط الكفرة فشد من أزرهم وقوى عزيمتهم وحرك في أنفسهم الرغبة في نصرة الحق ومحاربة الباطل ليكونوا دعاة خير يصلحون المجتمع، يطهّرونه بما كان فيه من عيوب ويقيمونه على أسس ثابتة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فتكون أمتهم خير أمة أخرجت للناس، فاللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة