الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أللمؤمنين صفات تميزهم؟!  
سورة الأنفال   الآيات 1 - 19


بحثت سورة الأعراف في حال الأنبياء مع أقوامهم وختمت بذكر الملائكة وأنهم لا يستكبرون عن عبادة الله ويسبحونه وله يسجدون، إيمانٌ لا يزحزحه شيء ثابت كالجبال، فما حال النبي مع الصحابة، هذا ما تولت سورة الأنفال بيانه، سورة الأنفال مدنية نزلت بعد غزوة بدرٍ، تسجل ما كان فيها وما بعدها، وآياتها خمس وسبعون آية، استفتح البيان بقوله:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) يحتمل أن يكون السؤال سؤال استفتاءٍ أو سؤال استعطاءٍ، ولا يتحقق ذلك إلا بمعرفة سبب النزول، ويتلخص في أن الصحابة بعد أن انتصروا في غزوة بدر وجمعوا الغنائم اختلفوا لمن تكون، أتكون للمهاجرين لأنهم فقراء أم تكون للأنصار لأنهم ناصروا الدعوة، أتكون للذين جمعوها لأنهم جمعوها، أم تكون لمن طارد فلول العدو لأنهم سبب التمكن من جمعها، أم تكون لمن حرسوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن انشغالهم حال بينهم وبين جمعها، الكل يريدها لنفسه فسألوا رسول الله لمن هي، أهي لهؤلاء أم لأولئك؟ فنزلت الآية لم تعطها لواحد منهم لاختلافهم فيها، وانتزعتها من الجميع وجعلتها لله والرسول، لأنهم اختلفوا فيها ومن عادة القرآن أن يسعى إلى إزالة الخلاف، كأنه قال "ليست لأحد منكم بل لله والرسول". إذاً يجب أن يزول الخلاف وتعود الوحدة إلى الصف لذلك رتب على الجملة الأولى (فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ) إذا كانت الأنفال ليست لكم فلا تختلفوا عليها، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقايةً بطاعته والتزام أمره ورأس هذا اصلاح العلاقة بين أفراد الجماعة، وأطيعوا الله في جميع ما امر، وأطيعوا رسوله كذلك، (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وهذه الجملة شرطية حذف جوابها لدلالة ما قبله عليها، ولما كان قوله:(إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) فيه إجمال يحتاج إلى بيان، بيّنه بقوله:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ*أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) فبيّن أنهم إذا سمعوا اسم الله خافوا (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) مهابةً منه وتعظيماً له، وإذا قرئ عليهم القرآن زادهم إيماناً، لأنهم يؤمنون بما أنزل، ونزوله متتابع، كلما أنزل منه شيء آمنوا به وازدادوا ايمانا، والصفة الثالثة (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) أي لا يتوكلون على غيره لأنه الكافي، فمن توكل عليه كفاه، والصفة الرابعة (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) والصلاة صلةٌ بين العبد وربه، وإقامتها حفظها والمحافظة عليها بأدائها تامة الأركان مكتملة الصفات حتى لكأنها حيّة للمصلي أو المصلي يحيى بها، والخامسة (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) ينفقون بعض ما رزقهم الله لإقامة المجتمع الفاضل ودفع حاجة المحتاج، فالصلاة تصلح الفرد والنفقة تصلح المجتمع، ولا بد من الأمرين، لا جرم ما توفرت هذه الصفات الخمس في جماعة أو في فرد فهو حقاً مؤمن بالله، ظاهر الإيمان بيّنٌ، لذلك جاءت الآية الثالثة لتقرر هذه الحقيقة، وزادت شيئاً آخر أنها أعلمتنا بما أعد الله لأهل طاعته من درجات في الجنة ومغفرة من الله ورزق كريم، أطاعوا الله والتزموا أمره وخففوا عن إخوانهم فاستحقوا أن يكرموا غاية الإكرام، بالثناء عليهم في الدنيا ووعدهم بأكرم جزاءٍ في الآخرة، هكذا قدمت الآيات الحديث عن غزوة بدر لتنتقل منه إلى بيان ما أكرم الله به أهل بدر كنوعٍ من العتاب لهم لأن إكرام الله يجب أن يثنيهم عن طلب المال، فقد رأوا آيات حقيقية تدل على صدق الرسول.
ثم شرع في القصة فقال:( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ*يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ) إذا سألت عن سبب غزوة بدر يأتيك الجواب في الاية مجملاً يحتاج إلى تفصيل وبيان، ذلك أن المسلمين تركوا في مكة بيوتهم وأموالهم وجميع ما بأيديهم وخرجوا منها بثيابهم التي يلبَسونها، واستولى الكفار على تلك الأموال وبدأوا يثمّرونها بالتجارة، وبلغ المسلمين أن عيراً لقريش فيها أموال المهاجرين يقودها أبو سفيان وقد ربح في تجارته ربحاً عظيماً، فانتدب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة للخروج قصد قطع الطريق على أبي سفيان ومقاتلته وأخذ أموال المهاجرين منه، خف بعضهم لذلك وثقل آخرون، والآية تتحدث عن هذا لتخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخرجه من بيته خروجاً متلبساً بالحق على كرهٍ من بعض أصحابه، ومَن كره الخروج يجادل محمداً صلى الله عليه وسلم في الحق الذي يدعو إليه ويرغّب فيه بعدما تبين صدقه وقام الدليل عليه، ثم أشار القرآن إلى وعد وعده الله للمؤمنين وهو إما أن يمكنهم من العير أو ينصرهم على الكفار (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ*لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) وعدهم الله أن إحدى الطائفتين لهم وهي إما العير أو النصر، فأرادوا العير لما فيها من مال وراحة ولم يريدوا النصر لما فيه من تعب وخطر ومشقة، وأراد الله أن يكون القتال لينصر المؤمنين فيحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين بالقتال، فقد مات من زعماء المشركين في غزوة بدر سبعون رجلاً وأسر سبعون، وإنما كان الجهاد لإقامة الحق بين الناس ورفع الظلم عن عباد الله، ففعل ذلك على كره من المجرمين الذين جاؤا إلى المدينة يحاربون الله ويقاتلون رسوله ويبغون في الأرض فساداً، ثم شرع القرآن يبين الأمور التي أكرم الله بها أهل بدر فبدأ بأهم شيءٍ تشتد الحاجة إلى ذكره ليشحذ الهمم ويقوي الثقة ويرفع من شأن المقاتلين فقال:(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ*وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الإستغاثة طلب الغوث، شعر المسلمون بالضعف والعجز فالتجأوا إلى الله، ومن يدرس تفاصيل الغزوة يرى كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استطلع الأمر ونزل على الأرض يتفقد المسلمين ويقبل النصيحة، ينظم الجيش ويحدد المواقع، ثم جعلوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكاناً مرتفعاً يسميه أهل السير بالعريش، وهو مكان مرتفع يرى من خلاله المعركة، وجهزوا له حصانين واحدٌ للرسول وآخر لأبي بكر، وقالوا يارسول الله إن هزمنا فهذان الحصانان تستطيع أن تنتقل بهما إلى المدينة، وهناك جمعٌ من الصحابة ينصرونك ويدافعون عنك بأنفسهم وأموالهم، وبعد ان نظم الجيش توجه الى الله بالدعاء طالباً أن ينجز الله له ما وعده، وأن ينصر الصحابة على عدوهم، وذكر هنا إنزال الملائكة المعبر عنهم بإجابة الإستغاثة ومد المسلمين بألف من الملائكة مردفين، قرئ مردفين بالفتح والكسر على اسم الفاعل واسم المفعول بالتخفيف والتجديد، ومعنى (مردفين) أي يردف بعضهم بعضاً ويجيء بعضهم في إثر بعض الى أن يصيروا خمسة آلاف على ما بينه في سورة آل عمران في قوله::( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ *) فآية آل عمران جزمت أن العدد خمسة آلاف، وآية الأنفال جعلتهم ألفاً مردفين، أي يتبعهم ألفٌ في إثرهم ألفٌ إلى أن يصيروا خمسة آلاف، إلاّ أن ذلك ليس ضرورياً، فالنصر بيد الله ولكن قص عليهم هذه القصة لغرضين: التبشير فترتفع معنوياتهم، والتثبيت فتطمئن قلوبهم فلا يخافون الكفرة، وعلى كلٍ فالنصر بيد الله ومن عنده، ذلك أن الله غالبٌ لا يغلب، حكيمٌ يضع قوته في موضعها، كانت هذه البشارة الأولى والمعجزة الأولى نصر القلة المؤمنة ثلاثمائة وبضعةَ عشر على الكثرة "ألفاً من المشركين"، وحقق ذلك فأسر من المشركين سبعون وقتل سبعون، وكان ما كان من ما سيأتي تفصيله بعدُ.
أما الدليل الثاني فيتلخص في ثلاث معجزات حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأدركه صحبه في بدر، (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) أما الأولى فيقولون إن الخائف لا ينام، وأهل بدر ناموا نوماً عميقاً مستغرقاً وكان الجو بارداً فأصابتهم الجنابة، ولا ماء يغتسلون، فلماذا نام الصحابة؟! أشار إلى ذلك بقوله (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ) أمنهم الله فاطمأنوا فناموا ليلة المعركة، لم يخطر على قلوبهم الخوف ليقوموا من غدهم أقوياء نشيطين واعين، فلما أصابتهم الجنابة أنزل الله المطر، كان على أرض المسلمين مطراً ناعماً خفيفاً يثبت الرمل ويمكن المقاتل من التحرك بسرعة، وكان على أرض الكفار وابلاً عاصفاً وأرض الصحراء إذا أصابها المطر الكثير صار المشي عليها صعبا شاقاً لأن الأرجل تغوص في الوحل وتثبت على الأرض ويصعب رفعها، ووجه الإعجاز في هذا أن الأرض متجاورة والمطر مختلف وذلك يدل على فاعل مختار (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) يعني من الجنابة التي أصابتهم حين ناموا، (وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) لأن الجنابة نجاسة حكمية تعيق المقاتل فلا يطمئن في قتاله، فإذا اغتسل اطمئن إلى طهارة جسده وطابت نفسه وقويت ثقته بالله، والأرض حين ينزل عليها المطر القليل يثبتها (وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) هكذا لطف الله بأهل بدرٍ فهيأ لهم أسباب النصر وأيدهم بالملائكة يساندونهم (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ*ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ*ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) أما قتل الملائكة للكفرة فكان الصحابة يرونه بأم أعينهم، ذلك أن الملك كان يضرب الكافر على أصابعه فيسقط سيفه ثم يضرب رأسه فيطير، وأما السبب فلأن الكفرة حاربوا الله ورسوله فوقفوا في شقٍ غير شقه، فنصر الله المؤمنين عليهم وأعز رسوله ودينه والمؤمنين.
وهنا حان وقت الدعوة إلى الجهاد لإقامة العدل ومنع الظلم ودفع كيد الأعداء عن الناس (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ*وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) بعد أن أوعد الكافرين بالنار لأنهم حاربوا الله ورسوله، وكأنهم من اللحظة التي ماتوا فيها تولتهم ملائكة العذاب، ناسب أن يثبت المؤمنين فيحضهم على الوقوف في وجه العدو، ومعنى (زحفاً) أي زاحفين إشارةً إلى كثرتهم، تظنهم يزحفون وهم يمشون أو يركبون، ولكن لكثرتهم يخيّل للناظر أنهم يزحفون، قفوا في وجههم فلا تمكنوهم من الهجوم على المسلمين، ردوا كيدهم إلى نحرهم وقاوموهم، ثم أوعد من يفر من الزحف إلاّ لأحد سببين بجهنم وبئس المصير مصيره، وأما السببان المبيحان للفرار: أحدهما فرار صوري يظهر للعدو أنه فرّ ليكِر عليه بعد أن يوهمه أنه مهزوم، وأحياناً مقتضيات الحرب تدعو إلى سحب بعض الجند ليتبعهم العدو فينقض عليه الجناحان، وهي قضايا حربية ليس من إختصاصي الخوض فيها، لكن أشار إليها القرآن بقوله:(إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ) فراراً اقتضته طبيعة المعركة، وأما الثاني فحين يكون عدد الجند قليلاً ينحازون إلى جماعة المسلمين يتقوون بهم على عدوهم ويعاودون الكرة، ولما سحب خالد بن الوليد الجنود في وقعة مؤتة، واجههم الأهالي حين عادوا بالفرارين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"بل هم العكّارون"، فالذي يتخلف عن الجهاد لغير هذين السببين يرجع بغضب من الله ويكون مأواه في الاخرة جهنم وبئس المصير مصيره. طبيعة القرآن أن يؤدب المكلفين فلا يصيبهم الغرور لأن الغرور يفتك في المجتمع، فمهما اعتقد الناس أنهم أقوياء ضعفوا، وإذا اعتقدوا أنهم علماء جهلوا، وإذا اعتقدوا أنهم أغنياء افتقروا، إنطلاقاً من هذا المبدأ أراد الله أن يؤدب المؤمنين فيجعلهم مرتبطين بالله معتمدين عليه مستمسكين بأمره فقال:( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) لا تعتقدوا أنكم انتصرتم بقوتكم وجهدكم، فلولا الله ما انتصرتم، الله قواكم وخذلهم فانتصرتم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذ حفنةً من تراب فألقاها في وجوه الأعداء وقال "شاهت الوجوه" فلم يبق أحد من الجند إلاّ وأصابه شيء من هذه الحفنة، أشار إلى ذلك (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) أنت لا تستطيع أن تصيب بذرات من التراب جيشاً بأكمله، ولكن الله مؤيدك وناصرك قادرٌ على ذلك، فلا تغتر بنفسك ايها القارئ وأيها السامع، فإن سألت عن الحكمة التي لأجلها نصر الله القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة يأتيك الجواب (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الإبتلاء يكون بالخير والشر، ونصر المؤمنين وهزيمة الكفار ابتلاء من الله، لكن كان ابتلاءً للمؤمنين بالخير، عسى أن يثبتوا على ايمانهم ويستمروا على طاعة الله، وهزم الكفار ليؤدبهم عسى أن يخرج منهم من يؤمن بالله فيعز الحق بهم، والله سميع لدعاء النبي والمؤمنين عليم بحاجاتهم وأحوالهم، يلطف بهم فيرعاهم ويؤيدهم ويضعف عدوهم، (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) يضعف تدبيرهم فيضعف بصيرتهم ويفشل مخططاتهم، فلا يتمكنون من القضاء على الحق ولا التمادي بالظلم، فإن جئت تطلب دليلاً على ذلك فاسمع هذه القصة وتدبر رد القرآن عليها، قبل أن يخرج المشركون من مكة لحرب النبي ذهبوا إلى الكعبة واستنصروا بالله "اللهم انصر أحق الطائفتين بالنصر"، يعنون أنفسهم ويطلبون النصر لأنفسهم لأن أبا جهل عندما أخبره أبو سفيان أنه استطاع أن ينقذ العير، وطلب إليه أن يرجع إلى مكة اقسم أن لا يرجع حتى يرد بدراً فينحر الإبل ويطعم الطعام ويشرب الخمر وتعزف عليه القيان وتسمع بهم العرب فلا يزالون يهابونهم أبد الدهر، فهاهو القرآن يرد عليهم مقالتهم ويبين لهم من هو الأحق بالنصر فيقول:(إِن تَسْتَفْتِحُوا) أي تطلبوا النصر لأحق الطائفتين بالنصر(فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) قد نصرنا الأحق بالنصر محمدٌ وصحبه، (وَإِن تَنتَهُواْ) عن حرب محمد صلى الله عليه وسلم (فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) وإن (تعودوا) إلى حربه نعد إلى نصره، وعلى كل حال (وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) فالله ناصرٌ للمؤمنين ومن ينصره الله فهو الغالب أبداً، ومن يخذله الله فهو مخذول، فاللهم وفقنا لنصرة دينك وانصرنا يا ناصر المؤمنين.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة