الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

رمضان بين الأمس واليوم 


   كان السلف الصالح يجعلون رمضان مناسبة يعودون فيها إلى الله محاسبين أنفسهم على ما فعلوا في عام مضى، فما وجدوا من خير حمدوا الله أن وفقهم إليه وأعانهم عليه، وما وجدوا من سوء ندموا على ما بدر منهم، واستغفروا الله وتابوا وأنابوا إليه.

    كان السلف إذا دخل رمضان زهدوا بالدنيا، وقنعوا بما أَنعم الله عليهم، يحنو بعضهم على بعض، ويرأف بعضهم ببعض، لأنهم جسم واحد، يسعد بسعادة أفراده ويألم بألمهم.

    أما اليوم، فالقلوب قاسية والأعين والآذان ممتلئة بما يشغلها عن الله وعن التفكر فيما يصلح حالها ويخطط لمستقبلها، نهارهم نوم وغفلة، وليلهم أكل وشرب ولهو، لا يقنع أحدهم بما أنعم الله عليه، بل ينظر إلى ما في يد غيره، يريده لنفسه، ترى كثيراً منهم يأكل ولا يشبع، لسان حاله يقول ( هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) يطلب المزيد لنفسه ولو بات جاره جائعاً وهو يعلم، لأنه فقد الإحساس بالجماعة.

    كان الأول يهتم بإصلاح العلاقة بينه وبين الله، منضبط السلوك: لا يتدخل فيما لا يعنيه، إذا تكلم لا يقول إلا خيراً، ولا يأمر إلا بمعروف، ولا ينه إلا عن منكر، همه المصلحة العامة: يسعى إلى ما يحققها بالقول والفعل واليوم الكلام كثير والعمل قليل: معظمه انفعالي بلا تبرير.

    شخصية السابقين كانت سوية تعرف ما تريد وما يراد بها ولها، تفكر وتخطط وتعمل بصمت، وشخصية اليوم في غفلة عما يراد بها ولها، لا تعرف ما تريد، أبعد ما تكون عن البحث والنظر والإعداد لكل حال ما يناسبها، تنفعل ولا تعمل: تلقي على غيرها التبعات، همها جمع المال بأي وسيلة.

    السابقون كانوا رحماء بينهم يبذلون ما بأيديهم إلى إخوانهم المحتاجين يؤثرونهم على أنفسهم ولو كانوا بحاجة إليه، مقتدين بأجود الناس: رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والمعاصرون هَمُّ معظمهم جمع المال، نصَّبوا أنفسهم وكلاء عن اليتيم والمسكين والفقير: يجمعون باسمهم وينفقون مما يجمعون على ما لا يصل منه شيء إلى من جمع باسمه المال: الإفطارات واليافطات والإعلانات التي توضع في الشوارع وعلى المرئي والمسموع: تعرف بهم، وتحضُّ على التبرع لهم، وربما خصص بعضهم نفسه بنسبة مما يجمع على أنه من (العاملين عليها) فمن ولاه؟ ومن أين أخذ هذا الحق! أإله مع الله!!.

     إن ما ينفق من الأموال على الدعاية ونصب الأنصاب وما يذهب هدراً من الطعام  بعد الإفطارات يكفي مئات الفقراء، فهل فعل المنفقون الأولون شيئاً من ذلك؟.
لا شك أنهم كانوا أشد حرصاً على الفقراء واليتامى منا.

    كان الأولون إذا دخل رمضان أطعموا المحتاج أو كسوه من حر مالهم وحلاله الطيب ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ )، فعلوا ذلك في منتهى السرية، لا يعرف الآخذ المعطي، يحافظون على الكرامة الإنسانية، والخصوصية الشخصية، فلا يكون لأحد منة على أحد، ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) فعاش الفقراء في المجتمع مستورين مصاني الكرامة متعففين  ( يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ) فعاش الفقراء مع الأغنياء في ستر الله متحابين، لا ما يميِّز طائفة عن طائفة، الكل سواء في الحقوق والواجبات.

    أما اليوم وبعد أن تعامل الناس بالربا، وابتدعوا الحصص الغذائية والمساعدات المالية، وكفالة يتيم ورعاية مُسِن ومنحة طالب إلى غير ذلك، صار الناس ماديين، كسالى يبحثون عن حصة غذائية ومنحة مالية هنا أو هناك يطلبونها بعين جريئة بعيدة عن الخجل، فانعكس السلوك وانتكست الأخلاق، وإذا ما أضفنا إلى ما تقدم بدعة فطور الصائم التي يعلن عنها على الشاشات أو المسموع زاد الطينَ بلة فكسل الصائمون عن إعداد فطورهم بأنفسهم، ليت المتصدرين لجمع المال المصيِّرين أنفسهم وكلاء عن المحتاج يعملون له عملاً ينتج: مصنعاً كبيراً أو آلة يعمل عليها بنفسه فيغنوه عن السؤال وينمو في نفسه حب العمل والرغبة في الإنتاج.

    شتان بين العطاء والأخذ، المعطي – إذا أخلص لله – يشعر بسعادة ما مثلها شيء لأنه أدى بعض حق الله فيما وهبه واستطاع أن يدخل الفرحة على قلب مؤمن، والآخذ يحس بألم وضيق ذات اليد، وربما حسد المعطي وتمنى زوال نعمة المال عنه لتصير إليه.

    إن العطاء يجب أن ينمي في المجتمع روح الجماعة والتعاون، ولا يتحقق ذلك إلا إذا هيأنا له حياة طيبة يعمل فيها ليكفي نفسه ويحميها من ذل الحاجة، ولا يكون ذلك إلا إذا نشط المخلصون في إعادة الأعمال اليدوية والمصانع الكبير التي تسع العديد من الرجال والنساء، وبدل أن ينفق السادة (المتصدرون لجمع المال) على نصب التماثيل في شوارع بيروت والتي تكلف آلاف الليرات، وعلى اليافطات والبطاقات والدعايات والإفطارات، يستخدم في مصلحة الفقراء الحقيقية لا المتوهمة.

    يتسابق الأغنياء لبناء البنوك، ويشجعون على الاستدانة منها، لشراء سيارة أو تلفاز أو خليوي، إذا استدان الفقير فمن أين سيرد؟ أيخسر بيته أم يدخل السجن ويفقد عمله؟ ربى النبي على ترك الديْن إلا للضرورة القصوى، فقال: إياكم والديْن فإنه هم بالليل وذل أو مذلة في النهار، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يصلي على من مات وعليه ديْن، ما ذاك إلا ليربيَ الناس على القناعة، فما أبعد اليوم عن الأمس؟ السلف كانوا أبعد عن الديْن والمعاصرون لا يتحرجون فيه لضرورة ولغير ضرورة، يأتيهم المال بطريقة سهلة فلا يتعبون في الحصول عليه. معظم الناس اليوم مسرفون في كل شيء: في الوقت، في المال، في الدعاية والتصدر، الوظيفة العامة – عندهم – تشريف يسعون إليها ويقبلون عليها. أما السابقون فكانوا مقتصدين معتدلين، العمل العام عندهم تكليف يجتهدون في إنجازه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً بصمت ونشاط، إذا تمزق ثوب نصحوه، وإذا تعطل جهاز أصلحوه، شوارعهم دكاكين ملئى بالعاملين، حياتهم عمل عامر بالحب والتناصح والتعاون.

    فاللهم طهِّر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأموالنا من الحرام، وأوقاتنا من العبث، وأنفسنا من الذنوب والآثام؛ والحمد لله رب العالمين.


الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة