الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

حب المال رأس كل خطيئة  
سورة التوبة   الآيات 75 - 96


جرت العادة أن الفقير يكون قلبه فارغ من الدنيا متفرغ للعبادة والطاعة، فإذا جاء المال فربما كان سبباً في انحرافه، لذلك حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من فتنة المال، وهذا مثال لرجل فقير كان يصلي في الصف الأول خلف النبي، حوّل المال حاله من إنسان تقي إلى بخيل شحيح لا يؤدي حق الله في ماله، وهذه القصة غير مقتصرة على ما سأبينه، فيجوز أن تتكرر في الزمان والمكان المختلفين، يقول عز من قائل:(وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ*فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) ما زال الحديث عن المنافقين، وهذه القصة تمثّل سلوك أحدهم إذ لم يكن أول الأمر منافق، لكنه لما استغنى طغى، رجلٌ عاهد الله فإن رزقه الله مالاً ليتصدقن به ولينفقنه في وجوه الخير ولمصلحة العامة فلا يترك محتاجاً إلا واساه ولا فقيراً إلا أغناه، قال ذلك وهو فقير فلما أتاه الله المال بخل به وأعرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصة المروية في ذلك أن رجلاً كان يصلي خلف النبي في الصف الأول، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه"، قال"لا أنا رجل تقي محب للناس كريم أعطي المحتاج"، فلم يزل يطلب من النبي الدعاء والنبي يصرفه حتى ألحّ فدعا له، اتخذ غنيمات بدأت تكثر هذه الغنيمات ببركة دعوة النبي، كان يصلي الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كثر ماله سكن بعيداً من المسجد فصار يصلي الصبح قبل أن يذهب والعشاء بعد أن يعود، كثر ماله فخرج من المدينة وسكن في ضواحيها فصار يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ويصلي سائر الصلوات في عمله، فلماّ جاءه المزكي تردد في دفع الزكاة فشبهها بالجزية ليتهرب منها، ثم قال للمزكي مرّ علي في طريق عودتك، فلما مر عليه لم يدفع الزكاة ومضى إلى المدينة فكان القرآن أسرع منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسجل هذه القصة، فبعد أن وعد ببذل المال في طاعة الله وطاعة رسوله تكبر عن دفع المال وبخل به وأدار ظهره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل القرآن:(فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ) فلما علم بنزول القرآن فيه، حمل زكاته وأسرع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها منه، ثم حملها إلى أبي بكر خليفة رسول الله فلم يقبلها منه، ثم حملها عمر أمير المؤمنين فقال له:"لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر فكيف أقبلها!!"، ومات في خلافة عثمان على ما ذكر أهل السير، والقصة غير مشخّصة فيجوز أن تتكرر، فإن من يعد ولا يفي بما وعد به لإنسان منافق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان"، وقال في رواية:"أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها، إذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر وإذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف"، لذلك جاء السؤال الذي لا يستطيع أن ينكر جوابه عاقل (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) لقد علم الله سره ونجواه، السر ما يبقى في القلب، والنجوى ما يكون بين اثنين بصوت منخفض نسبياً، ثم قال:(وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) أكثر من السر ومن النجوى، ما في الضمير لا يعلمه إلاّ هو، لا نبي مرسل ولا ملك مقرّب، ولما أنهى هذه القصة محذراً من النفاق وأهله ناسب أن يذكر فعلاً قبيحاً للمنافقين ليدعو المؤمنين إلى ترك النفاق عن طريق القدوة بأن يبين لهم حال المنافق وما يصيبه من حرج حين يفضحه الله على رؤوس الأشهاد فقال:(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) كان المنافقون يراقبون من يأتي بصدقته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، خاصةً إذا طلب النبي مد يد العون لواحد من الناس، فيأتي الفقير الذي لا يملك شيئاً بمد قمح أو مد شعير أو مد زبيب أو مبلغ بسيط من المال فيعيبه المنافقون ويقولون إن الله غنيٌ عن مد هذا أو عن درهم هذا، وقد يكون فقيراً لا يجد إلا القليل كرغيف خبز مثلاً فيسخرون منهم، قال الله:(سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) السخرية في أولها عيب باللسان أو بالحركات، وهذا لا يجوز على الله، وفي نهايتها عقوبة من الله للساخر، وهذا وعيد شديد بالعذاب المؤلم. ولما كان المنافقون شديدي التمسك بباطلهم حريصين عليه مصرين على النفاق، قال الله لنبيه:(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) خيّر الله النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يطلب لهم المغفرة أو لا يطلبها، وأعلمه أنه لن يغفر لهم وذكر السبب، وهو الكفر بالله ورسوله، قال تعالى:(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وذيّل الآية بجملة خبرية منفيّة فيها علة ذلك واضحةً لا يختلف فيها اثنان. ثم ذكر قصّةً جديدةً من قصص المنافقين فقال:(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ*فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) الأصل في المؤمن أن يفرح بلقاء رسول الله ومصاحبته ونصرته، أما هؤلاء الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ففرحوا بتخلفهم وبقائهم بعيداً عن رسول الله وأضافوا إلى هذا الخطأ خطئاً آخر، كرهوا الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وثالثة نصحوا غيرهم أو نهوا غيرهم عن الخروج للجهاد في الحرب، فما أجمل القرآن وما أقواه حين قال:(قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) إذاً هم فرحون يضحكون وقتاً قليلاً سيعقب ذلك بكاء كثير حزناً على ما أضاعوا من فرض وألماً بما يصيبهم في نار جهنم، وكراهية رسول الله لهم حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يسمح لهم بعد اليوم ان يجاهدوا معه ولو طلبوا ذلك، قال تعالى:(فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ) قد يحتاج المسلمون إلى طلب النصرة من المنافقين لكن ذلك احتمال ضعيف، لذلك صدّر الآية ب"إن" التي هي للشك، فلما التقوا برسول الله طلبوا الإذن بالخروج معه فأعلمهم أنه لن يسمح لهم بالخروج معه أبداً ولن يتعاون معهم في قتال عدو، لأنهم تخلفوا عنه وقت حاجته ورضوا أن يبقوا مع المرضى والعاجزين والفقراء، فليبقوا مع الخالفين، والخالف المتخلف الذي بقي في بيته ولم يخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ثم نهاه عن أن يصلي على أحد منهم مات أبدا وأن لا يقوم على قبره فقال:(وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ) نهاه أن يصلي على أمواتهم لأن الصلاة على الأموات شفاعة فيهم ودعاء لهم، ودعاء النبي مستجاب وليسوا أهلاً له، لذلك جاء النهي وأتبعه بنهي آخر أن يقوم على قبره بعد الدفن فيدعو له ويسأل الله له التثبيت، وما دام لم يثبت في الدنيا على الإيمان ومات على الفسق فليس أهلاً لأن تحصل له بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ) ، ثم نهاه أن يُعجب بأموالهم وأولادهم لأن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، فإذا استخدم المال فيما ينفع عند الله وإذا ربّي البنون على الإيمان والطاعة كانوا عوناً لآبائهم، وهؤلاء بخلوا بالمال وربما أساءوا تربية أبنائهم، فكان مالهم وأولادهم سبب تعذيب لهم في الدنيا يؤدي بهم إلى الموت على الكفر فقال:(وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) ثم ذكر صورة من أخلاق المنافقين وهي التي طبقوها في غزوة تبوك وهم على استعداد لتطبيقها في أية غزوة فقال:(وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ*رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ) "إذا" دخل عليها فعل ماضٍ فأفاد التكرار وهي في قوة كلما نزل القرآن يدعو إلى الجهاد استأذن الأقوياء في تركه ورضوا أن يكونوا مع المتخلفين لأن إنغماسهم في المعاصي قد أعمى قلوبهم فلم يعرفوا الحقيقة ولم يفقهوا الحكمة من شرع الجهاد ولا أدركوا الفائدة منه، هذه الفوائد سيذكرها في قوله:(لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) سبق أن قلتُ أن النفاق والإيمان نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فإذا لم يكن نفاقٌ كان إيمان، فالرسول والمؤمنون معه جاهدوا لنصرة الدين وإقامة العدل ومنع الظلم، وبذلوا في ذلك أموالهم وأنفسهم، فكافأهم الله بالخيرات والفوز والفلاح في الآخرة، وبيّن ما أجمل فقال:(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) هكذا بيّن حال المنافقين وحال المؤمنين وكيف أن المؤمنين يسارعون إلى نجدة إخوانهم ونشر الفضيلة في المجتمع عكس ما يفعل المنافقون، فكان لهم الفضل والسبق إلى الخيرات، فضعفاء المسلمين يخرجون للجهاد ولو كانت أموالهم قليلة والمنافقون يقعدون عنهم بخلاً بالمال وطمعاً في حطام الدنيا فكان الجزاء بحسب العمل، (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) هكذا المؤمن يسارع إلى الخير بقدر طاقته المهم عنده أن يكون له يد مباركةٌ في إعانة المحتاج ونصرة المظلوم وإقامة العدل، على أن الله تعالى عذر طائفةً من المؤمنين فأذن لهم أن يتخلفوا عن الجهاد فقال:(لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ) عذر الله بعض أفراد المجتمع ويمكن حصرهم فيما يأتي:

  • 1- الضعفاء: هم الذين أقعدهم المرض والعجز عن الجهاد، فهؤلاء عذرهم الله لضعفهم عن القتال والسير وراء العدو، وضعفهم قد يكون حسياً وقد يكون معنوياً بعجزهم عن الإنفاق، إذ كان المجاهد يخرج بماله إلى الجهاد ولا تؤمن له الدولة شيئاً، لذلك جعله قسماً ثالثاً.
  • 2- المرضى: المرضى مرضاً مزمناً يقعدهم عن الحركة كالعرج والعمى.
  • 3- الذين لا يجدون مالاً ينفقون: إذا صدقت نيتهم وحسن إيمانهم ورغبوا في الجهاد لم يمنعهم من ذلك إلا قلة ذات اليد، لذلك قيده ب"إذا نصحوا" لأنهم محسنون، والله تجاوز عن المحسنين فلم يلجئهم إلى الخروج لأنه غفور رحيم.
  • 4- الأقوياء من فقراء المسلمين: وإليهم الإشارة بقوله:(وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ) فهؤلاء دللوا على صدقهم ببكائهم حزناً على أنهم لا يجدون ما ينفقون لنصرة دين الله ونصرة رسول الله.

ولما ذكر المعذورين من المؤمنين، ناسب أن ينص على طائفة استأذنت في ترك الجهاد مع غناها رغبةً عن السير مع رسول الله وشكاً في صدق الدعوة فقال:(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) وكالعادة يستأذن الأقوياء ويرضون أن يتخلفوا عن رسول الله وعن جماعة المؤمنين ويبقوا مع المرضى والضعفاء المعذورين، ما يدل على فساد سريرتهم وضعف نيتهم وإعراضهم عن الحق، ويعمدون إلى الإعتذار يبررون فعلهم للناس لأن جل ما يهمهم رضى الناس وأن تكون صورتهم حسنةً في أعين الناس، وعذرهم مقبول من الناس ولو حلفوا عليه، لذلك ناسب أن يرد عليهم فقال:(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ*سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ*يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) الرياء داء يفسد الإيمان ويفسد المجتمع، ولما كان المؤمنون صادقين يواجهون المخالف بكل قوة، ناسب أن يرد عليهم أول الأمر فنهاهم عن الإعتذار لأنه اعتذار لا فائدة له ولا منفعة فيه لأن الله كشف الأمور للمؤمنين فعرفوا الحق وثبتوا عليه ولم ينخدعوا بباطل المنافقين، وأوعدهم بأن الله سيظهر أعمالهم السيئة بالدنيا فيكشفهم للناس كل الناس ثم يعودون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئهم بأعمالهم، يا للخزي ما اقصى ذلك على النفس المؤمنة، لذلك تجنب المؤمنون النفاق وتمسكوا بالإيمان وحرصوا عليه، هدف المنافقين من الحلف كذباً أن لا يعاتبهم المؤمنون فيبقوا في الظاهر أتقياء أنقياء، إنما منعهم من الخروج عذرٌ معين يعتذرون به، لكنّ الله العالم بالحقائق قد أخبر المؤمنين عن حالهم ففضحهم علهم يتوبوا ويعودوا إلى الجادة، فاللهم جنبنا النفاق وحب المال واجعلنا ممن ينفق المال لإعزاز الدين ونصرة المؤمنين وإقامة العدل بين عباد الله.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة