الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

المجتمع المدنيّ!!  
سورة التوبة   الآيات 58 - 74


دأب المنافقون على معارضة النبي تارةً بألسنتهم وتارةً بإثارة الناس عليه، واستخدموا في ذلك أساليب متنوعة بقصد صرف الناس عن الإسلام، لأن مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أفقد شيخ المنافقين مكانته، فبعد أن كان قريباً من أن يملّك على الناس وتاج الخرز يوشك أن يوضع على رأسه إنصرف الناس عنه، توحدوا بعد اختلاف وتجمعوا بعد تفرق وكان لهم رأس لا مثيل له، فحقد عليه وعاداه، وأول كلام قاله كان في عيب النبي صلى الله عليه وسلم في قسم الصدقات قال تعالى:(وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ*وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) اللمز هو العيب باللسان، ولمزهم رسول الله أن عابوه في قسمة الزكاة فقالوا "يوزعها على أهل مودته ولا يعطي مستحقيها شيئاً"، إذ كانوا لا يعرفون خلق النبي وترفعه عن أخذ ما ليس له أو إعطاء من لا يستحق إنما كان يتصرف بالوحي، وكان هدفهم من لمزه أن يعطيهم من الصدقات وليسوا من أهلها، لكن حبهم المال أعمى بصيرتهم وجعلهم يتصرفون على غير هدى، فإن أعطوا من الصدقات رضوا وإن لم يعطوا منها يغضبون، والأصل في المؤمن أن يرضى عن الله وعما يأتيه من الله، فالله إذا منع منع ليعطي، وربما يعطي ليمنع، فليت هؤلاء الجهلة يرضوا عن الله وما يأتيهم منه ويتوجهوا إليه بكليتهم، واثقين أن الله يوصل إليهم ما كتبه لهم ويكون همهم رضى الله ورضى رسوله، وطمعهم في فضل الله وفضل رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنهم راغبون في طاعة الله معرضون عن معصيته، ولما كان في المجتمع من ليس كذلك ناسب أن يبين مصارف الزكاة فقال:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) المراد بالصدقات الواجبَ منها أعني الزكاة لأن لها مصارف ثابتة، أما صدقة التطوع فتصرف في هذا وفي غيره، ولأن الزكاة تجبى وصدقة التطوع لا تجبى، فكان المقصود بالمقسومة الزكاة، حصرها الله بهذه الأصناف الثمانية وملكهم إياها بلام التمليك وشرّك بينهم بواو التشريك وحصرهم فيها وقصرها عليهم، وها أنا أبين المراد بكل صنف:

  • 1- الفقراء: جمع فقير والفقير في اللغة من أصيب فقار ظهره فأعجزه عن الحركة، وفقره هذا ليس حسياً بل معنوياً، أي شديد الحاجة إلى المال تجلى ذلك في عدم قدرته على الحركة لشدة فقره.
  • 2- المسكين: من السكون أو من السكن، فهو لشدة فقره ساكن لا يتحرك كأن الفقر سكنه أو أسكنه، وفي أيهما أشد حاجة خلاف بين العلماء لا يتعلق فيه فائدة في باب الزكاة، فلا نشغل أنفسنا في البحث فيه وقد يكون له فائدة في باب الوصية، فإن ورد في القرآن شيءٌ من هذا أبينه إن شاء الله في موضعه، وتفصيل ذلك في كتاب الوصية.
  • 3- العاملين عليها: وهم الذين ينصّبهم الإمام لجمع الزكاة وحراستها ورعي الحيوانات والإنتباه إليها وحسابها، فإن وزع المكلف زكاته بنفسه سقط سهم العاملين وقسّمها إلى سبعة أقسام، ويدخل في العاملين كل من له شغل في الزكاة سواء أكانت زكاة الأموال أو عروض التجارة أو الزروع والثمار او الحيوان او الذهب والفضة، وما يعطاه العامل له شَبه بالأجرة وله شبه بالصدقة، فمراعاة لشبه الصدقة لا يستعمل في العمل عليها بنو هاشم وبنو المطلب لأن الزكاة لا تحل لهم ولا لمواليهم، والمسألة فيها خلاف بين الفقهاء موضعه كتب الفقه، على أن الله خص بني هاشم وبني المطلب بخُمس الفيء وخُمس خُمس الغنيمة، وتعطل الجهاد في أيامنا هذه ربما أدى إلى حاجة بعضهم فيجب على المسلمين السعي في كفاية المحتاج منهم بحر ماله، لأن الله يقول:(قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، ومن المودة في قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإهتمام بهم وإكرامهم وتأمين حاجاتهم.
  • 4- المؤلفة قلوبهم: ولا بد أن يكونوا من المسلمين لقول عمر رضي الله عنه:"إن الله أعز دينه فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين ولاه اليمن وقد ذكر الزكاة فأخبر أنها تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، ولا يستشهد في إعطاء الزكاة المؤلفة قلوبهم بإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم، لأن النبي لم يعط المؤلفة قلوبهم كالأقرع بن حابس وغيره من الزكاة وإنما أعطاهم من الخمس الذي كان له صلى الله عليه وسلم: خُمس الفيء أو خُمس خُمس الغنيمة.
    وهؤلاء الأربعة يأخذون المال لمصلحتهم الشخصية، يتملكونه تمليكاً مطلقاً يتصرفون فيه لمصلحتهم الشخصية العامة أو الخاصة.
  • 5- وفي الرقاب: يجوز أن يكون في الآية محذوف تقديره في فك الرقاب، وبناءً عليه يمكن شراء العبيد من مال الزكاة وعتقهم ليكون ولاؤهم لبيت المال وجماعة المسلمين، ويمكن أن لا يكون في الآية محذوف على تأويل الرقاب للمكاتبين لأن الأمة متفقة على أن العبد لا يملِك، فماله لسيده ولو أعطيناه من الزكاة لأعطينا من لا علاقة له بها، والمكاتب أهلٌ للتملك فنعينه في سداد ما عليه من أقساط في شراء نفسه من سيده من الزكاة ما نقدر، والمسألة محط نظر الفقهاء يرجع في تفصيلها إلى كتب الفقه.
  • 6- الغارمين: جمع غارم والغارم من ركبه الدين بسببٍ مأذون فيه شرعاً، كإصلاح ذات البين، فإن الإنسان إذا تحمل الدّين للإصلاح بين متخاصمين ينتج عن خصامهما مشاكل فإنه يعان من مال الزكاة، وربما جاز إعطاء من أصابته جائحة من مصيبة في ماله ناتجة عن أسباب طبيعية كاحتراق أو غرق سفينة أو فقد مال فإنه يعطى من الزكاة ما يعينه على إعادة بدء حياته من جديد.
  • 7- في سبيل الله: المجاهدون الذين يخرجون من بيوتهم نصرةً لدين الله وإعلاءً لكلمته ودفعاً للظلم عن عباد الله ولإقامة العدل بين خلق الله، والجهاد فريضة ما تركها قوم إلا ذَلوا ولا يتذرعن أحد بما نسمع أو نشاهد في أيامنا، فإن الباطل لا يلغي الحق، وإن الحج والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة مع كل بر وفاجر.
  • 8- ابن السبيل: المسافر الذي فقد ماله في السفر فليس عنده ما يبلغه بلده التي فيها ماله، فيعطى من الزكاة ما يعينه إلى أن يصل إلى بلده سالماً.

فهذه ثمانية أصناف حصر الله مستحقي الزكاة بها، فشرّك الله بينهم بواو التشريك وملّكهم إياها بلام التمليك، فكان كل صنف يستحق من ذلك الثُمن، وقلت فيما مضى إن وزعها المالك سقط سهم العاملين فاضحت سبعة، فيعطى لكل صنف أقل الجمع وهي ثلاثة، ثلاثة فقراء...الخ، فإن لم يكونوا كلهم قسمت على الموجود منهم، فإن لم يكفِ نصيب العامل أجرته أعطي من بيت المال تكملةً لها، ولا يعطى كل الزكاة لأن حظه منها الثُمن فقط، ورأى الإمام أبو حنيفة رحمه الله أن تطبيق الآية عملياً متعذّر أو متعسّر فرأى أن تعطى الزكاة إلى صنف من هذه الأصناف في تفصيل موجود في كتب الفقه لا أطيل بذكره إذ كان يخرجني عن التفسير، فمن أراد الإستزادة فليرجع إلى كتب الفقه، وختم الآية بقوله:(فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) مصدر مؤكد أي فرض الله فريضةً فيها إشارة إلى وجوب إعطاء كل صنف حقه من الزكاة إذ كان ذلك مفروضاً من الله عز وجل، كيف لا والله عليم بما يصلح الناس حكيم فيما يشرع لعباده. ولما كان دأب المنافقين الأذى وإرهاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالقيل والقال، وبعد أن بيّن القرآن مصارف الزكاة ورد عليهم أبلغ رد، إنتقل إلى طائفة منهم تؤذي النبي تقول إنه يسمع لكل من يتكلم معه، فهل هذا عيب؟!، سجل القرآن كلامهم ثم رده أبلغ رد وأتبع رده بالوعيد فقال:(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) إن المنافقين جماعة تؤذي النبي وتتطاول عليه تعيبه أنه حسن الإستماع لمن يخاطبه، يثق بالمؤمنين ويعتمد عليهم، جعلوا المنقبة والخلق الذي تخلق به النبي عيباً، وقولهم "أذن" أي يسمع كل ما يقال له، رد القرآن:(قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ..) يقبل الكلام فإن كان فيه مصلحة أنجزه وإن كان فيه مفسدة تركه ولم يجرح القائل لأن أدبه راقٍ وتعامله حسن، يعلّم الناس بأخلاقه قبل أن يعلّمهم بكلماته، فهو أذن خير لأنه يؤمن بالله كيف لا وهو رسوله، (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) اي يصدقهم ويقبل قولهم لأن الأصل في المؤمن أن لا يقول إلا خيرا ولا يعمل إلا خيرا ولا ينقل من الكلام إلا ما فيه خير له ولعامة المؤمنين، (وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ) يعلمهم التواضع والثقة والتمسك بأفضل الأخلاق وأحسن الأعمال، فوجوده رحمة للمؤمنين كما سبق أن الله لا يعذبهم ومحمد فيهم، فوجوده أمان لهم من عذاب الله، ثم ناسب أن يطلق الوعيد لأولئك القوم الذين ما عرفوا الأدب ولا تخلقوا بالأخلاق الفاضلة التي دعى إليها النبي بقوله وفعله، فأوعد الذين يؤذون رسول الله بالعذاب الأليم وهو عذاب جهنم، ومحاسبتهم على العمل الذي عملوه حساباً عسيرا، (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ) إن المنافقين يتخذون من اليمين الغموس الكاذبة وسيلة لإنقاذ أنفسهم من الحرج حين يُكتشف كذبهم، وقد عاتبهم القرآن فقال:(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) يحاولون إرضاء الجماعة ليجمّلوا صورتهم في أعين المؤمنين فيحلفون بالله ليرضى عنهم المؤمنون، وكان الأولى والأجدر بهم أن يبحثوا عن رضى الله ورسوله لأن الأحق أن يرضوه الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، لأن الناس فقراء ضعفاء عاجزون الحياة معهم محدودة تنتهي سريعاً، والحَلف بالله يوقعهم في العذاب ويرتب عليهم المسؤولية الجزائية، أما إن سعوا في طاعة الله وطاعة رسوله وبذلوا في ذلك أقصى ما يستطيعون حتى يحصلوا على رضى الله يكونون عندئذٍ مؤمنين حقا، ثم سألهم سؤالاً لو تفكروا فيه ما استطاعوا أن ينكروا الجواب لأن الجواب ثابت بأدلة قطعية يقينية، لأن رسول الله واجب الطاعة والنصرة والحماية، فمحاربته والوقوف في شقٍ غير شقه، ومحاولة مخالفة أمره ونهيه يستحق فاعلها نار جهنم، (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) بدأ البيان بالهمزة والنفي وهذا استفهام تقريري، واستخدم فعل "يعلموا" للدلالة على أن الأمر المسؤول عنه واضح في نفسه وعليه أدلة قطعية يقينية، والجملة سدت مسدَّ مفعوليّ "يعلموا" والجملة أكدها ب"أَن" وبالجملة الشرطية وجوابها، فكأنه ذكر الدليل الواضح الذي لا يمكن إنكاره والحجة الثابتة التي لا يمكن ردها، واسم "إن" ضمير الشأن المذكور وخبرها الجملة الشرطية وجوابها، فشأن من يتجرأ على الله أو على رسوله أن مصيره إلى النار، وفي قوله:(خَالِدًا فِيهَا) بيان لشدة العذاب كأنه وحده يقاسي حر جهنم، لذلك ختم الآية بالإشارة ووصف الخزي بالعظيم، وأي خزي أعظم من الجزاء على محادة الله ورسوله، بدل أن يطيع الله وينصر رسوله، وأعجب من حال المنافقين يعلمون أن القرآن منزّل من عند الله وأن الله عليم بما في أنفسهم ولا يؤمنون به ولا يقلعون عن النفاق ولا يرجعون عن خطئهم، تجلى ذلك في قوله:(يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ) إن فضح المنافقين أمر يسير لكن الله يسترهم ليفسح لهم في المجال علهم يتوبون، فإن أصروا على باطلهم مع علمهم بالله وإدراكهم أنه عالم بما في خلجات أنفسهم ولم يتوبوا استحقوا الوعيد المعبر عنه بقوله:(قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ) وفعلاً ما تزال سورة التوبة تقول ومنهم ومنهم حتى فضحت المنافقين فصار الفاضحة من أسمائها، وإنزال الله سورةً تخبر المنافقين عما في أنفسهم يحدده الله في الزمان والمكان والصفة، فإذا واجهت المنافق بقوله اعتذر قائلاً كنت أمزح أو كنت ألعب، فرد عليه القرآن أبلغ رد، رداً تنخلع له القلوب ويبكي فيه الإنسان على نفسه دماً (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ) فلما قالوا إنهم كانوا يلعبون ويمزحون أعرض الله عنهم وشرّف نبيه بالخطاب فأمره أن يسألهم (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ) إن الإستهزاء بالله كفرٌ وكذلك الإستهزاء برسوله وكذلك الإستهزاء بالقرآن، لا جرم حكم عليهم حكماً مبرماً فقال:(لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) فحكم عليهم بالكفر لما صدر منهم وفسح لهم في التوبة عسى أن ينقذوا أنفسهم من غضب الجبار ومن دخولهم النار رحمةً بهم، وأطلق المعفو عنهم والمعذبين الأولى ترغيباً في التوبة والأخرى تخويفاً من المعصية، لأن من يتجرأ على الحق ويتطاول على الرسول أو على القرآن من كبار المجرمين، ثم انتقلت الآيات لتبين أهم صفات المنافقين فقال:(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ*وَعَدَ اللَّه الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) وصف المنافقين وصفاً كاشفاً فبين أن (بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ، يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ، وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ، نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) الصفة الأولى أنهم جنس واحد فرعهم كأصلهم نشأ في النفاق وتربى عليه فصار النفاق خلقاً لهم، الصفة الثانية أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف عكس المؤمنين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، الصفة الثالثة أنهم بخلاء أيديهم تمسك بالمال فمهما ضربتها لا ينزل منها شيءٌ، الصفة الرابعة تركوا أوامر الله فلم يطيعوها وأقبلوا على ما نهى الله عنه ففعلوه، لذلك ذيّلت الآية بقوله:(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وصلوا إلى قمة الفسق أو حضيضه فكأنهم هم الفاسقون ولا أحد غيرهم، لذلك استحقوا ما وعدهم به أعني نار جهنم خالدين فيها هم ومعهم الكفار، فجهنم تكفيهم أضف الى هذا أن الله طردهم من رحمته ولهم عذاب مقيم لا ينتهي كما قال تعالى:(لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها)، ثم ضرب لهم مثلاً لأن بالمثال يتضح المقال فقال:(كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) فالمنافقون شابهوا الكفار الذين مضى الحديث عنهم، وقد يكونون مثلهم في الكفر أو أشد كفرا، كانوا أقوياء في الجسم كثيري الأموال والأولاد، طلبوا متعة الحياة الدنيا بما خولهم الله فاستمتعوا به تماماً مثل ما استمتع الذين من قبلهم بما ملكهم الله من ثروة وجاه ومساكن وأموال، وتصرفوا كتصرف الأولين فاستحقوا أن يهلكهم الله كما أهلك الذين من قبلهم، لذلك ختم الآية بالإخبار ان أعمالهم لا ثواب لهم عليها في الآخرة وإن أثيبوا في الدنيا على بعض الأعمال، ومن لا ثواب له في الاخرة خاسر لا شك لأنه أفنى عمره فيما لا فائدة فيه ولا ثمرة له، لأنه إنسان لم يعتبر بمن مضى من الكفرة ولا تفكر أن يلحق به ما لحق بالمكذبين والعصاة، لذلك رأينا القرآن يذكّر بالأمم الماضية تفصيلاً بعد أن أشار إليهم جملةً فيقول:(أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) فذكر الأمم الماضية وان رسلهم أقاموا لهم الأدلة المقنعة وقدموا لهم الدليل الذي يجب اتباعه، فأصروا على الكفر ولم يخضعوا لله الواحد القهار فعاقبهم بالخلود في النار جزاءً وفاقاً، لم يظلمهم الله ولكن هم ظلموا أنفسهم فأوردوها موارد التهلكة فقضوا عليها وأضاعوها. ولما فصّل القول في المنافقين ناسب أن يبين حال المؤمنين إذ كانوا ضداً لهم فقال:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فأول صفات المؤمنين أن بعضهم أولياء بعض، ينصر بعضهم بعضاً ويستنصر بعضهم ببعض، تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم، وأهم ما يتصف به المجتمع الإيماني ضبط حركة الحياة، وذلك لا يكون إلاّ بالاتصاف بصفتين متضادتين، لكنهما متحدتين في المعنى متلازمتين أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ كان النهي عن المنكر يتضمن الأمر بالمعروف، والأمر بالمعروف يتضمن النهي عن المنكر، والمعروف كل نفس تعرفه وكل قلب يطمئن إليه، والمنكر كل عاقل ينكره وكل نفس تنفِر عنه، وإن ما يعين على ضبط المجتمع صفتان واحدةٌ قاصرةٌ والأخرى متعدية ويجمعهما ثالثة، هي الأصل في الإيمان، أما الصفة القاصرة فهي إقامة الصلاة أي المحافظة عليها تامةً كاملةً بشروطها وأركانها وهيئاتها، حتى لكأنها حيةً فيهم وهم أحياء فيها، وأما المتعدية فإعطاء الزكاة لأن فيها ضمان حاجة المجتمع إلى المال وكفاية العاجز، ويجمع ذلك كله طاعة الله وطاعة رسوله هي التي دعت إلى تنفيذ الصفات الثلاث أو الأربعة، وقوله ويطيعون الله ورسوله ترجمة عملية لقوله أول الآية، ثم أشار إليهم بإسم الإشارة للبعيد لعلو منزلتهم ورفعة مكانتهم، فوعدهم أنه سيرحمهم ودلل على قدرته فذيّل الآية بصفتين من صفاته عزيزٌ أي غالب لا يغلب، حكيم يضع الأمور في مواضعها المناسبة لها، وأكد على ما أشار إليه وعداً صريحاً فقال:(وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) يتلخص وعده بإسكانهم الجنة دون أن يصرحّ بما فيها مكتفياً بثلاث صفات: (تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، خَالِدِينَ فِيهَا، وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) العرب يعيشون في جزيرة قاحلة الماء فيها قليل، فرغّبهم في الجنة كثرة أشجارها وكثرة مياهها، ويعيشون في الخيام تلفح وجوههم أشعة الشمس وينتقلون من مكان إلى مكان فوعدهم بمكان ثابت لا يتحركون عنه طلباً لماء أو كلأ، يأتيهم رزقهم رغداً، وفوق كل ذلك ومع كل ذلك وأعظم منه (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) فأي فوز أعظم من هذا، لا جرم أشاد به فقال:(ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وجاء بضمير فصل لتأكيد الفوز مرتين: بالحصر وبالجملة الإسمية. ولما ذكر المنافقين والكفار ومعاناة النبي والمسلمين من شرهم، ناسب أن يوجه الخطاب إلى النبي يأمره بجهادهم فقال:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الجهاد بذلُ الجهد واستفراغ الوسع في نشر الدين وإقامة الأدلة عليه، فإذا لم ينفع ذلك وتمادى القوم في غيهم فلا بد من ردعهم، والردع يكون بالقوة والشدة لذلك أمر بجهاد الكفار والمنافقين ما داموا معارضين مقاتلين للمسلمين لأن القوة لا يردها إلا قوة، وقوله:(وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) أي عاملهم بشدة وحاول أن تردعهم لأن اللئيم لا يرده عن غيه إلا القوة، وأوعدهم بجهنم مصيراً لهم وذم ذلك المصير، ثم سلّط الضوء على بعض أعمالهم السيئة وعلى رأسها وفي مقدمتها الحلف بالله كذباً فقال:(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) ضبط المنافقون يعملون أعمالاً لا تليق بمؤمن ويتكلمون كلاماً لا ينبغي لهم أن يتكلموا به، فلما واجههم النبي أنكروا وحلفوا بالله ما قالوا كلمة الكفر، وسبق في الآيات نظير لهذا، فبين أن معاداة رسول الله كفر ومحاربته كفر وإنكار القرآن كفر، وأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم فعصمه الله من شرهم وسخّر له من يمشي إلى جانبه يحميه من كيدهم ويكون من جنده، وصرّح هنا بأنهم كفروا بعد إسلامهم وهمّوا بشرٍ لم ينالوه، ثم أكد ذمهم بما يشبه المدح فقال:(وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ) فهذا المنافق كان فقيراً فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً فاغتنى فبدل ان يشكر نافق، ثم يقال إنه تاب وحسن إسلامه، لأن القرآن سيخيّره بين التوبة والعذاب، وإلى ذلك أشار بقوله:(فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ) وإن أصرّوا على باطلهم وأعرضوا عن الحق يعذبهم الله عذاباً أليما في الدنيا بمجاهدتهم وفي الآخرة بجعلهم في الدرك الأسفل من النار، ولا يكون لهم في الأرض من يوالون فيستنصرون به ولا نصيرٌ ينصرهم، لأنهم أصروا على الباطل وتمسكوا به، ولكن رحمة الله واسعة وباب التوبة مفتوح، يقبل الله من تاب ما دام في هذه الدنيا، فاللهم تب علينا وعافنا واعفو عنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة