الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

عتاب النبي صلى الله عليه وسلم  
سورة التوبة   الآيات 43 - 57


قد يظن بعض الجهلة أن خطأ النبي كخطأ غيره ولكن الواقع خلاف ذلك، فخطؤه ناشئ عن محبة للخلق وثقة بهم وهو سريع العودة إلى الجادة ويعرّفه الفقهاء بأنه خلاف الأولى، ويذكرون له أمثلة مضت واحدة في الأنفال وهذه الثانية، ففي سورة الأنفال قَبِل الفداء من أسرى بدر رحمةً بهم وحرصاً على أن يُخرج الله من اصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به، وقد أشرتُ إلى ذلك في موضعه، وأما هنا فكان عتاباً رقيقاً لطيفاً (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) كان أولى بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يتريث في الإذن لمن استأذنه حتى يتحقق من صدق مقاله، ويتأكد من صدق خبره ، لكنه أذن ثقةً بالطالب واعتماداً على أنه لا يقول إلا الحق في مجتمع فشا فيه النفاق وأتقن القوم أساليبه، فكان لا بد من امتحان المستأذِن، هكذا قال القرآن لم أذنت لهم ولم تنتظر حتى تتحقق من كلامهم ويتبين لك الصادق من غيره، وتعلم الكاذبين علماً قطعياً محسوساً، ثم بيّن لهم العلامة الحقيقية التي تدل على صدق المستأذن أو كذبه، إيمانه أو كفره، فقال:(لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) الأصل في المؤمن المتقي أن لا يستأذن في ترك الجهاد بل يسارع إليه رغبةً فيما عند الله وحرصاً على الفوز برضاه، والجملة منفية ب"لا" النافية، خبرٌ يستدعي تحقيقه، فما دام الإنسان مؤمناً بالله واليوم الآخر فيجب عليه أن يسارع إلى تحقيق إيمانه جهاداً في سبيل الله بنفسه وماله، ونلاحظ أن الآية قدّمت الأموال على الأنفس لأن بعض الناس قد يفضل ماله على نفسه، فجعل بذل المال دليلاً على الصدق وتقديمه على النفس مع الإستعداد لبذلها حين تدعو الحاجة دليل على التقوى، والخبر صادر عن رب العزة العليم بالمتقين، ثم بيّن أن علامة النفاق تكمن في الإستئذان بترك الجهاد وإن دل عليها في الآية الأولى بالمفهوم دل عليها هنا بالمنطوق، وجعل الإستئذان علامةً على أن هذا الإنسان متردد في إيمانه، في قلبه شك فقال:(إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) لا يريد الخروج لأن بشاشة الإيمان لم تخالط قلبه، وحب الجماعة لم يلامس شعوره، كل ما يريده أن تكون صورته في عين النبي سليمةٌ وأن لا يذكرَه الناس بسوء، فيجعل من الإستئذان مظلةً يستظل بها يغطي جبنه وتردده وعدم رغبته في الجهاد، وقوله (إنما..) حصر للمستأذن بصفات ثلاث: عدم الإيمان بالله واليوم الاخر، الشك في عقيدتهم، التردد المقترن بالشك، وعدم الإستعداد للخروج إلى الجهاد فلو كانوا صادقين لاستعدوا للخروج، لذلك عقّب الاية بقوله:(وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) الذي يريد الجهاد يتأهب له، وكان الناس أول الأمر يخرجون إلى الجهاد من أنفسهم، يشترون الزاد والراحلة والمؤونة من أموالهم الخاصة، ويجتمعون تحت راية الرسول صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء المستأذنين في التخلف لم يفعلوا شيئاً من ذلك لأن الله خذلهم فلم يوفقهم واكتفى في هذه الاية بما ذيلها به (وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) وبيّن الحكمة من خذلانهم في الآية الثانية حين قال:(لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) بيّن في هذه الآية السبب الذي لأجله ثبّط المنافقين فأقعدهم عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوفقهم لذلك، لأن خروجهم يفسد العلاقات بين جماعة المجاهدين، والخبال هو الفساد، ووجودهم وسط الجماعة ربما يستعدي بعض الجماعة على بعض فتُفكك العلاقة بين الجماعة ويقع المسلمون في الحرج وربما هزموا في المعركة نتيجة ذلك لأن في المجاهدين قومٌ يسمعون لهم ويطيعونهم، ولأنهم ظالمون منعهم من الخروج حفاظاً على سلامة المقاتلين، فإن أردت دليلاً على ذلك فهاك الدليل (لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) لما قال في الآية السابقة (ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) أقام الدليل في هذه الآية واستخدم لام الإبتداء أو الواقعة في جواب القسم المؤكد ب"قد"، طلبوا الفتنة من قبل وغيروا الحقيقة وأوهموا النبي أو حاولوا إيهامه إلى أنْ فتحَ الله عليه وأنار بصيرته فجاء الحق وظهر أمر الله وهم كاذبون، وكان ذلك في غزوة أحد، حين اجتمع المسلمون في المدينة بعد أن جاءهم خبر وصول قريشٍ لحربهم، وكانوا بين رأيين: رأيٌ أن يبقوا في المدينة فإذا جاء العدو قاتلوه في ديارهم فهم أعلم بها مداخلها ومخارجها، وكان رأي الشباب الذين تخلفوا عن غزوة بدر وألهب مشاعرهم الحماس أن يخرجوا إلى أُحد فيقاتلوا المشركين عنده، ودخل النبي بيته فراجع المسلمون حساباتهم وعلموا أنهم قد ضغطوا على رسول الله فجعلوه يوافقهم على الخروج، غاب في بيته قليلاً ثم خرج لابساً عدة الحرب، فاعتذروا إليه وقالوا قد أخطأنا بالإلحاح عليك بالخروج، فإن شئت ألاّ تخرج بقينا معك في المدينة، فقال عليه الصلاة والسلام:"لا ينبغي لنبي لبس لامته –آلة الحرب-أن ينزعها قبل أن يفصل الله بينه وبين عدوه"، وكان قص عليهم رؤيا رآها وفسرها لهم أن رجلاً من أهل بيته يقتل وأنه أدخل يده في درع حصينة يعني المدينة وخرج معهم إلى أحد، وكانوا ما يقارب الألف مقاتل، فلما اقتربوا من أحد سحب عبد الله بن أُبيّ بن سلول ربع الجيش وعاد بهم إلى المدينة، فأحدث ذلك اضطراباً في نفوس المقاتلين ومع ذلك مضى الرسول إلى أحد وعلى جبل أحد ثبّت الرماة وقال لهم:"لا تبرحوا مكانكم ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير، وكان الرماة خمسين رجلاً، بدأت المعركة وانتصر المسلمون فيها وبدؤا يجمعون الغنائم، فاختلف الرماة أينزلون ليشاركوا في جمع الغنائم أم يبقون على الجبل ممتثلين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بعض قصيري النظر ظن أن المعركة انتهت فلا داعي للبقاء على الجبل ويمكن أن ينزلوا، أما القائد ومعه بضعة عشر رجلاً فلم يبرحوا مكانهم، وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وأما الآخرون فنزلوا وشاركوا في جمع الغنائم.كان قائد الجند خالد بن الوليد، رأى الجبل فارغاً وكانت ترهقه سهام الرماة فأتى القوم من خلفهم وأوقع فيهم مقتلة عظيمة، فقتل من الصحابة سبعون فيهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وغيرهم، وكسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم ودخل الحلق في وجهه وأصاب المسلمين ألم شديد، وتولت سورة آل عمران تفصيله لكنني أوردته هنا للإشارة تتميماً للفائدة وتذكيراً للناس، فعبد الله بن أُبّي وجماعته حاولوا قلب الحقائق ولكن الله نصر في النهاية المؤمنين وأخزى الكفار، وتفصيل ذلك موضعه في كتب السير فإن رأيتُ له مناسبةً بينته، إذ التركيز هنا على غزوة تبوك، وقوله:(حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) فانتصر المؤمنون على عدوهم وأخزى الكافرين، ولما فكرت قريش أن تعود إلى المدينة فتكمل على من بقي من المؤمنين، جاءها من يقول إن محمداً أرسل في إثركم جيشاً أوله عندكم وآخرهم في المدينة، فألقى الله في قلوبهم الرعب فهربوا، وهكذا حوّل الهزيمة إلى نصر مؤزّر، وما أصاب المسلمين أفادوا منه في دروس سجلها الوحي الإلهي ورد على المنافقين فأفحمهم ودحض حجتهم.
منافق ثانٍ تفنن في النفاق سجل الوحي قصته فقال:(وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) هذا الرجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له "إن عندي شبقا فلا أرى امرأة إلا أردتها، ونساء الروم جميلات فلو رأيتهن في المعركة لهجمت عليهن أقضي منهن وطري، فأستأذنك أن لا أخرج للجهاد لأني أخشى على نفسي وآمل منك أن لا تفتني في أمري بالخروج مع المقاتلين فأقع في المحظور"، فقال القرآن:(أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ) وأي فتنة أعظم من التخلف عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن ترك الجهاد يوشك أن يكون فاعله كافراً كما يُفهم من سياق الاية، ولا شك أن من يتخلف عن الغزو مع رسول الله لمنافق زائغٌ عن دين الله يوشك أن يدخل جهنم لأن جهنم محيطة بالكافرين.
المنافقون جماعة حاقدون على الإسلام وأهله، يشير إلى ذلك قوله:(إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) لأنهم يكرهون المسلمين ونبيهم أشد الكره، والمراد بالحسنة الصحة أو النصر أو الغنائم أو أي شيء فيه فائدة للنبي وقومه (وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ) المراد بالمصيبة موت عزيز أو هزيمة في معركة أو مرض بعض الصحابة أو قلة ذات اليد، يشمتون بالمسلمين قائلين لهم قد علمنا ذلك واستعدينا له فلم نُصب بما أُصبتم به، ويديرون ظهورهم إلى المسلمين وينصرفون عنهم (وَّهُمْ فَرِحُونَ) ما أشبه هذا بمجتمعاتنا اليوم، فاليوم العدو يتربص بالمسلم، إن أصابه خير حاول الطعن عليه والتشكيك فيه، وإن أصابه شيء لم يقفوا إلى جانبه ولا ناصروه وأخذوا بيده، بل فرحوا بما أصاب المسلم من شر وانصرفوا عنه سعداء، لذلك علّم القرآن المؤمنين أن لا يتأثروا بأفعال العدو لأنه حاقد فقال:(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) قل لهم يا محمد لا تشمَتوا بنا ولا تفرحوا بما يصيبنا فنحن عبيد لله محبون له رضينا بأمره وقبلنا جميع ما يأتينا من جهته، والله قدّر الأقدار وعلم الأشياء فما يصيبنا لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، نحن نعمل ما يأمرنا به ونرجو رضاه ولا نجزع إن أصابتنا المصيبة، المصائب تقوّي عزيمتنا وتثبت يقيننا وترفع من معنوياتنا، فالله مولانا ننصره ونستنصر به، نتوكل عليه لا نتوكل على غيره (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) ما يصيبنا إما شهادة أو نصر وكلاهما خير، فمنزلة الشهيد في الجنة وأجره عظيم، والنصر في الدنيا فيه اعزاز للحق ومنع من الظلم ونصر للمستضعفين وإقامة لمنهج الله في الأرض، لينعم الناس كل الناس بالأمن والأمان.
إن المجتمع لا يقوم على التناحر والتنافر، ولكن يقوم على التعاون والتناصح والتناصر، ويرفض أن يتربص كل واحد بالآخر ينظر إلى ما في يده يريد أن يأخذها لنفسه، وإذا اصابه شر شمَت به وأعرض عنه ولم يواسه في مصيبته، لكن هؤلاء لم يريدوا مجتمعا فاضلاً بل أرادوه على أهوائهم فكان الجواب (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) نحن نحب ما يأتي من الله خيراً كان أو غيره، لأنه في العاقبة خير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عجبت لأمر المؤمن فإن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له...الحديث"، أما المنافق فيأتيه أحد شيئين إما عقوبة في الدنيا أو عقوبة في الآخرة، فلننتظر متربصين، ثم رد عليهم نفقتهم مستدلا بالدليل الحسي على أنها نفقة لا خير فيها لأسباب ذكرها في الآية فقال:(قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) المنافق فاسقٌ لأنه بنفاقه خرج من دائرة الإيمان، وسواء أبقي على أطراف الإيمان أم أوغل في الكفر فهو فاسق، وقديماً قال ربنا:(إن المنافقين هم الفاسقون) فما داموا خارجين من دائرة الإيمان فلا يؤجرون على نفقة وهذا معنى عدم قبولها، وسواء كان إنفاقهم طوعاً أو كرهاً لا يفيدهم لأن الإيمان شرط قبول العمل والإثابة عليه، وهنا يبيّن الأسباب التي حتّمت عدم قبول نفقتهم فقال:(وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) جمعت هذه الآية الأسباب التي لأجلها لا تقبل نفقة الكافر وهي الكفر بالله وبرسوله، عدم إتيان الصلاة بنشاط ولكن يأتونها كسالى، ومعنى هذا أنهم يصلّون رياءً ليروا، وينفقون أموالهم على كره والله لا يقبل من النفقة إلا ما كان خالصاً ابتغي به وجهه، فمهما يكن من أمر فاسمع أيها القارئ نصيحة القرآن:(فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) لا تلتفت إلى أموالهم لأن المال نعمة يبتلي بها الله الإنسان، فإن شكرها أثابه وإن كفرها عاقبه، ولا تعجبك أولادهم لأنهم أولاد منافقين غالباً ما ينشؤون على نفاق وكفر، فيكون الأولاد فاسدي الأخلاق سيئي التعامل يعذَب الأب بهم ويعذَب بجمع المال وتربية الأولاد ورعايتهم وحمايتهم إلى أن يموت على الكفر، أما وسيلتهم المحببة للتخلص من النفاق فهو اليمين الغموس يتهربون به من المواجهة ويحاولون إظهار أنفسهم بالأولياء المقربين، ولكنهم في الحقيقة ليسوا كذلك ولكنهم قوم مخالفون يفرّقون الجماعة ويشتتونها ويزرعون الفساد في المجتمع ولو وجدوا مكاناً يهربون به عن المسلمين يحتمون من الفضيحة التي قد تلحقهم أكان ذلك ملجأ تحت الأرض أو مغارة في الجبل أو أي مكان يختفون به عن أعين الناس فلا يصيبهم الخزي ولا تلحقهم المذمة لأسرعوا إليه وهم يجمحون وفي ذلك يقول:(وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ*لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) هكذا بيّنت الآيات صفات المنافقين بشكل ينفّر عن النفاق وتحذر منه وتدعو الناس كل الناس إلى نبذه والإبتعاد عنه، وتنوع أسلوبها فتارةً بالوعظ وأخرى بالقدوة وثالثة بالقصة، تنوعت الأساليب والهدف واحد، تنوير البصيرة وإزالة العمه وإحياء القلب وتقويم السلوك، اللهم وفقنا لقول الحق والعمل به ونصرته.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة