الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الناس وفريضة الزكاة  
سورة التوبة   الآيات 34 - 41


لما بين في الآيات السابقة أن الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل يهدف إلى طمس الحق ومحو الدين، فذكر أنه إنما أرسل رسوله بالدين الواضح ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ناسب أن يبين حال العلماء في هذه الدنيا موجهاً الخطاب إلى المؤمنين لينطلق منه إلى البيان فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فقوله (إن كثيرا) على قاعدة أن الخير في الأمة إلى يوم القيامة فكثير من الأحبار وكثير من المتعبدين يأكلون أموال الناس بالباطل، أما العلماء فحين يُخضعون شرع الله لأهوائهم وييسرون على الأغنياء سبيل المخالفة عن طريق الحيل، والمتعبدون بما يقدمون من أعمال يطلبون عليها أجراً أو فائدة كالموالد والأناشيد يأخذون عليها مالاً أو طعاماً يطعَمونه أو دعايةً تنفعهم في أعمالهم، وسبب هذا وذاك حب المال والحرص عليه والرغبة فيه والرغبة في جمعه وكنزه والبخل في الحقوق الواجبة فيه، فناسب أن يذكروا مع هؤلاء الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله لنصرة دين الله وإعلاء الحق وإعزاز الدين، قال:(فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) مؤلم يتناسب والجرح الذي أصابوا به الأمة حين منعوا الحق أصحابه، ثم بين تفاصيل ذلك العذاب فقال:(يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)المال وسيلةٌ لإسعاد الناس وتقوية الدولة فمهما كان كثيراً في البلاد كان الناس في خير وراحة وكانت الدولة مرهوبة الجانب عزيزةً في المجتمعات، وحين تُمنع الحقوق تضعف الدولة ويتفرق الناس ويذل الفقراء للأغنياء، وإنما خص الجباه والجنوب والظهور بالكي لأن الأغنياء إذا طلب منهم المال أعرضوا عن الفقير إما بجباههم وإما بجنوبهم أو بظهورهم، لذلك عوقبوا بجنس ما عملوا، ولأن الأغنياء يتلذذون بالمال ويعتزون به ناسب أن يعاقبهم بنفس الطريقة، وقوله:(هَذَا مَا كَنَزْتُمْ...) توبيخ على الفعل، فإن المال إذا لم ينفَق لم ينفع صاحبه على حد قوله صلى الله عليه وسلم:"ليس للإنسان إلا ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأبقى"، ولما ذبح النبي صلى الله عليه وسلم شاة ووزع لحمها سأل كم بقي من الشاة قالوا لم يبق إلا كتفها، فقال:"بقيت كلها إلا كتفها"، فبين أن الذي أنفق هو الباقي والذي أمسك لا فائدة فيه ولا ثمرة منه، ولما ذكر المال والعمل فيه ناسب أن يذكر الشهور لأنها عمر الإنسان ووقت عمله واستغلالها فيما ينفع الإنسان أو يدفع عنه أو ينفع غيره أو يدفع عنه هو السبيل الوحيد للنجاة في الاخرة فقال:(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) السنة القمرية إثنا عشر شهراً كالسنة الشمسية، ولكن العرب كانوا أميين لا يكتبون ولا يحسبون فاعتمدوا القمر لحساباتهم وتعاملاتهم، والفرق بين السنتين إحدا عشر يوماً، لأن الشهر العربي لا يزيد على الثلاثين ولا ينقص عن تسع وعشرين، وجعل منها أربعة حرم، ثلاث متواليات هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد رجب مُضر بين جمادى وشعبان، ويسمى رجب الأصم أو رجب مُضر لأن قبيلة مُضر هي التي تسميه، وفكرة الشهر الحرام لتحريم القتال فيه فشرعها الله للعرب ليحميهم من بأس بعضهم بعضاً، فالعرب لا يزالون يتقاتلون مهما وجدوا إلى ذلك سبيلا، فلو تركهم وما أرادوا لأفنوا بعضهم قبل أن يأتي محمد صلى الله عليه وسلم، فجعل لهم الشهر الحرام يأمنون فيه على أنفسهم يؤَمِّنون حاجاتهم الضرورية ليبقوا أحياء قبله وبعده، وسبقت الإشارة في سورة المائدة إلى ذلك عند قوله تعالى:(جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد) يعني كذلك، فالشهر الحرام أمّن الأمن، والكعبة حمت المتقاتلين من القتل، والهدي والقلائد أمّنت لأهل مكة طعاماً يأكلونه ولباساً يلبسونه فكانت قياماً للناس تقيمهم وتقوم بهم، قال هنا:(مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي المستقيم في نفسه المقوّم لغيره، وقوله:(فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُم) بارتكاب المعاصي ومخالفة أمر الله والإساءة إلى خلق الله، ولما كان المشركون يقاتلون المسلمين في الشهر والحرام وفي غيره، ناسب أن يقول لهم:(وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) أي قاتلوهم لتكفوهم عن الشر كفاً كما يقاتلونكم ليكفوكم عن الحق كفاً، فليكن الجزاء من جنس العمل، والذي يعينهم على ذلك ما ختمت به الآية وهو قوله:(وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) فما داموا متقين فالله معهم بالحفظ والرعاية والنصر.
كان العرب يحبون القتال فلا يكادون ينتهون من معركة حتى يفتعلوا أخرى، ولما كانت الأشهر الحرم الثلاثة تعيق حركتهم وتمنعهم من تحقيق رغباتهم ابتدعوا فكرة تأخير حرمة المحرم إلى صفر، إذ كان ذو القعدة وذو الحجة كافيان لاقامة الحج وحضور الأسواق فيه، وكان هذا العمل يتولاه أفراد قبيلة يسمون "النسأة" فيأتون إلى شيخهم فيقولون "أَنسئ لنا حرمة المحرم إلى صفر فيقول قد فعلت فيصبح المحرم صفراً والصفر محرما"، فلما جاء الإسلام قال تعالى:(إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) وإنما يكون زيادة في الكفر لأنه يغير موضع العبادة، فالصيام في رمضان وقد يكون في رجب أو شعبان أو شوال أو ذي القعدة، لأن العرب ابتدعوا فكرة السنة الكبيسة ليحافظوا على بقاء الحج في وقت مريح لا حر فيه ولا برد، فزادوا في السنة شهرا كل ثلاث سنوات، ومع النسيء تتغير الأوقات لذلك قال:(يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ....) فتارةً يتوافق النسيء والشهر المؤخر في الحقيقة وتارةً يخالفه، من هنا رأى الفقهاء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخّر الحج ليقع في ذي الحجة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة إثنا عشر شهراً منها أربعة حرم"، وأكد على هذا المعنى حين قال:"أي بلد هذا أي شهر هذا ثم قال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"، فدل على أنه حج في ذي الحجة شهر الله الحرام، وبينت الآية أن المشركين كانوا يتلاعبون في الأشهر، فيحلون الشهر الحرام عاما ويحرمونه عاما ليتفق عندهم أن الأشهر الحرم أربعة، بغض النظر عن موافقتها للحقيقة والواقع أو عدم موافقتها بدليل:(فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) ثم أنكر عليهم ولو كان فعلهم صحيحاً لما أنكر عليهم، وختم الآية بقوله:(وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ليبين أن تغيير شرع الله كفر وتحريم ما أحل الله كفر وإحلال ما حرم الله كفر، ولا شك أنهم إنما فعلوا ما فعلوا اتباعاً للهوى وإعراضاً عن الحق، فجمعوا بين الكفر النظري العقدي والكفر العملي، وهنا ناسب أن يتحدث عن الجهاد لأن فعلهم ظلم ومنكر يجب تغييره، وخطأ يجب إصلاحه فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) نادى المؤمنين واستخدم في ندائه حرفَ النداء للبعيد "يا"، والاسم الموصول "أيُ" وحرف التنبيه "ها" وجعل المخصوص بالنداء"الذين" من صيغ العموم، كأنه يقول أيها الغافلون تنبهوا وجعل صلة الموصول "آمنوا" جملةً فعلية، والجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجدد، وجعل فعلها ماض ليدل على اللزوم والثبات، ثم سألهم أي شيء يمنعكم من الجهاد إذا دعيتم إليه لأن معنى "انفروا" أخرجوا للجهاد في سبيل الله لنصرة دين الله، لرفع الظلم عن خلق الله، لإقامة العدل بين عباد الله، (اثاقلتم) أي تمسكتم بالأرض فثبّتم أقدامكم فيها كما يفعل الخروف إذا رفض أن يسير إلى مكان تريده أن يسير إليه، والتشبث في الأرض ركون إليها وتمسك بالأموال والأولاد والبلاد، لذلك جاء قوله:(أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ) أفضلتم الحياة الدنيا على الآخرة ورضيتم بها بدل أن تسعوا إلى الآخرة لتحققوا السعادة الأبدية، فكان الإستفهام في الاية إستفهاماً إنكارياً لأنه لا يليق بمن عاصر رسول الله ولقيه وسمع منه أن يفضل الحياة الدنيا على الآخرة، لأن الأولى فانية سرعان ما تمضي والآخرة باقية لا انتهاء لها، وهذا معنى قوله:(فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) لأن الإنسان مهما عاش في الدنيا فإن النعيم فيها منغص إما بخوف الزوال وإما بالإنشغال به عن ذكر الله، وعيشة الإنسان في هذه الدنيا محدودة بزمن يترك فيه المال أو يتركه المال، لذلك جعل المتاع في الدنيا قليل بالنسبة إلى ما أعد الله لأهل طاعته في دار كرامته من النعيم الدائم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون، من هنا ناسب أن يهددهم فقال:(إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) بدأها بالشرط ب"إن" الشرطية والجملة المنفيه ب"لا"، يعني إن تركتم الخروج للجهاد يعذبكم عذاباً أليما، إما بتسليط الأعداء عليكم فيقهروكم في الدنيا أو بالعقاب في النار بالآخرة، لأن من الموبقات التولي يوم الزحف، وألمح إلى موتهم بقوله:(وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) ولا يتحقق الإستبدال إلا بموت الأولين، فبين بهذه الجملة أنه غني عن خلقه لا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم، الطاعة تنفع الطائع نفسه، والمعصية تضر العاصي نفسه، والله قادر لا يعجزه شيء، ولما ختم الآية بقوله:(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أقام الدليل الحسي الذي لا يماري فيه أحد فقال:(إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فبدأ الآية بالجملة الشرطية وذكر جوابها مؤكداً بالفعل الماضي و"قد" وربط الجملتين بالفاء ليكون الكلام محكماً، فإن جئت تسأل عن الوقت جاء الجواب (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ...) في الوقت الذي تآمرت عليه قريش وأرادوا قتله وهيئوا لذلك العدة والعدد، فخرج من بين أظهرهم وألقى التراب على رؤوسهم ومضى إلى غار ثور، ولحق به القوم وقالوا انقطع الأثر هنا وأعمى الله بصيرتهم فلم يكلفوا أنفسهم دخول الغار ولا النظر فيه إذ كان ذلك يستدعي منهم أن ينحنوا إلى الأرض وينظروا ليروا هل في الغار من أحد، وبقي النبي واثقاً بالله معتمداً عليه، وتجلى ذلك في الوقت (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) قال ذلك لأبي بكر حين خاف أبو بكر أن ينظر قومه إلى تحت أقدامهم فيبصروا رسول الله وصاحبه، وإنما دفعه لذلك خوفه على النبي فلما علم بثبات النبي واطمئنان قلبه وقوة ثقته بالله اطمئن، وهذا معنى (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) فالمقصود على النبي وصاحبه، لأن تأييد النبي تأييد لتابعيه، (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا) رأى بعض القوم أن الحمامة باضت عند فم الغار وبنت عشها وأن العنكبوت غزل على فم الغار مع أن الله قادر على أن يحمي النبي بدون حمامة أو عنكبوت، وأسألهم هنا "ماذا كانت تصنع الحمامة عندما يخرج رسول الله لملاقاة عبد الله بن أبي بكر وأسماء والراعي، كم مرة خرج من الغار وكم مرة دخل إليه؟!) هل كان غزل العنكبوت مرن لا يتأثر بدخوله وخروجه!، والله يقول:(وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا) ويقول في موضع آخر (وما يعلم جنود ربك إلا هو) فجنود الله كثيرة وقد حمى نبيه وحجبه عن القوم بحجاب غير مرئي وكان النبي غير مرئي، وسجّل ذلك في سورة الإسراء قرآناً يتلى، أفلا يستطيع أن يحجبهما عن أعينهم؟!، فكان قادراً مقتدراً تجلى ذلك بخزي أهل الباطل بجعل كلمتهم (سفلى) أي غير محترمة، وإعزاز الحق ونصر النبي، فكانت كلمة الله هي العليا، كل ذلك إنما كان لأن الله عزيز حكيم غالب لا يغلب، أفعاله لا تخلو عن حكمة، وبعد أن طهّر الصحابة ونقى قلوبهم وأزال ما في أنفسهم قال لهم:(انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) أمرهم بالجهاد أكانوا مستعدين أصحاء أقوياء أم غير مستعدين بسبب ضيق ذات اليد وعدم وجود آلات الحرب، وهما حالان لا يخلو الإنسان عنهما، فكأنه يقول انفروا في كل وقت وعلى أي حال كنتم، وأمرهم بالجهاد لنصرة الدين والدفاع عنه وإقامة الشرع والحكم به بأموالهم وانفسهم، وبين أن ذلك يجب أن يكون نابعاً عن ايمان بالله والمنهج في ذلك ما حدده الله، وبين لهم أن فعلهم هذا فيه المصلحة الدنيوية والدينية في عاجل أمرهم وآجله، لو أنهم تدبروا القرآن وفهموا الحكمة من شرع الجهاد وأيقنوا أن أوامر الله لا تخلو عن حكمة، ثم أشار إلى طائفة أحبت الدنيا وركنت إليها وتمسكت بالأرض فضعفت عن الجهاد، وجاء الكلام بشكل قصة ليكون أدعى إلى القبول وأشد تنفيراً عن التشبه به، (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) أشار في هذه الآية إلى حال هؤلاء القوم الراغبين في المنفعة الشخصية والمصلحة الآنية والإستمتاع في هذه الدنيا، فبين أنهم لو كان الخروج للنزهة أو المتعة أو تحصيل المنافع المادية لسارعوا إليه، ولكن كانت الدعوة إلى الجهاد في أول الصيف عند اشتداد الحر ونضج الثمار، وعندما تنضج الثمار ويشتد الحر في بلاد الحجاز، يفضل الإنسان بيته يكنّ فيه يبرد الأرض بالماء ويستمتع بأكل الثمار، وكانت المسافة بين المدينة وتبوك طويلة والحر شديد والمسلمون في ضائقة وبعض الصحابة جاء إلى النبي يطلب المساعدة في بعير يركبه أو نحوه فلم يكن عنده ما يعطيهم، على أن الحديث موصول في هذه السورة وسوف أتابع البحث فيه بعد حين تتحدث الآيات عن المنافقين والمعذورين وغيرهم، إنما أشار هنا إلى طائفة من تخلف عن الغزوة باختياره ولم يكن كما يدعي، فبين أنه إنما منعه من الخروج بعد المسافة وشدة الحر، وذلك مستطاع ثم جاء يعتذر إلى الرسول يحلف له إنه لو استطاع الخروج لخرج، ولكنه كاذب في حلفه يهلك نفسه، لأن الحالف إذا كان كاذباً وقع في المسؤولية الجزائية، حكَم الله عليهم (إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) هكذا بينت الآيات فريضة الزكاة وموقف الناس منها ومن شعائر الإسلام، وبينت أن الدين كلٌ لا يتجزء وأن على المسلم أن يثق بالله ويعتمد عليه فيؤدي حقه محتسباً غير خائف على ماله أن يضيع وعلى نفسه أن تهلك، لأن الكون كله خاضع لله يتصرف فيه كيف يشاء، تصرفاته محكمة وقوله فصل، فاللهم وفقنا لنقتبس من علم القرآن علما، ومن حكمته حكمة تنفعنا فتصلح بها أحوالنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة